
نحن عابرون… فأين الإنسانية؟
في هذا الزمن المضطرب، حيث انتشرت الأحقاد، وتعاظمت الكراهية، وغلبت المصلحة على الرحمة، أصبح الإنسان يخشى على ما تبقّى من جوهر الإنسانية. كأنّ النفوس نسيت رسالتها الحقيقية في هذه الأرض.
لو أنّ كلَّ واحدٍ منّا نظر إلى آخرته، وتأمّل في مصرعه الأخير، وتذكّر أنّ بقاءه في هذه الدنيا ليس إلا فترةً قصيرةً من رحلةٍ أبدية، لتغيّر كثيرٌ من سلوكه، ولخفَّ ظلمه، ولسكنت أحقاده، ولصار أكثر رحمةً وعدلًا.
لكنّ أكثر الناس يتعاملون مع الدنيا وكأنها دار خلود، يتنازعون عليها، ويتخاصمون من أجل زائلٍ لا يدوم، وينسون أنّ ساعة الموت آتية لا محالة، وأنّ كل ما جمعوه سيتركونه خلفهم، ولن يبقى معهم إلا ما قدّموه من خيرٍ أو شر.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فما خُلقنا لنتحاقد، ولا لنتباغض، ولا لنأكل بعضنا بعضًا، بل خُلقنا لنتعارف، ونتراحم، ونعمر الأرض بالخير.
وقال الإمام عليّ عليه السلام:
“اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.”
وما أعمق هذه الحكمة؛ فهي تدعونا إلى التوازن، فلا نهمل الدنيا، ولا ننسى الآخرة، ولا نغرق في صراعٍ يفقدنا إنسانيتنا.
إنّ قيمة الإنسان ليست بما يملك، ولا بما يُظهر من قوة، ولا بما يجمع من مال، بل بما يتركه من أثرٍ طيب، وبما يزرعه في القلوب من محبة، وبما يصنعه من عدلٍ ورحمة.
وقد تحدّث الفلاسفة عن هذا المرض الخفي؛ فرأى شوبنهاور أن الحقد صورة من صور العجز الداخلي، حين يعجز الإنسان عن مواجهة نقصه فيصب غضبه على الآخرين. ورأى أرسطو أن تهذيب النفس وضبط الغضب من أعظم الفضائل، لأن النفس إذا انفلتت أفسدت صاحبها.
إنّي أخاف من دنيا صار الانتقام فيها بطولة، والقسوة قوّة، والكراهية رأيًا، وأخاف أكثر على أجيالٍ تربّت على أصوات الحروب، وعلى مشاهد الدم، وعلى لغة الثأر، حتى كادت الرحمة تصبح غريبة بينهم
لقد أصبحنا نرى أجيالًا تنشأ على أصوات الحروب، وعلى لغة الانتقام، وعلى مشاهد القسوة، حتى صارت الرحمة غريبة، والتسامح ضعفًا في نظر البعض، مع أنّ الأقوياء الحقيقيين هم الذين يملكون قلوبًا نظيفة، ويقدرون على الصفح، ويزرعون السلام.
نحن جميعًا عابرون في هذه الدنيا… سنغادر يومًا، وتبقى سيرتنا إمّا نورًا في ذاكرة الناس، أو وجعًا في قلوبهم. فطوبى لمن رحل وترك دعوةً صادقة، أو كلمةً طيبة، أو يدًا امتدّت بالخير.
اللهم أصلح قلوبنا، وانزع منها الحقد والكراهية، واملأها رحمةً وعدلًا، واجعلنا ممن يتركون في الدنيا أثرًا جميلًا، ويأتونك بقلوبٍ سليمة.
بقلم عصام كحلة



