من الحياد الدبلوماسي إلى أمن المنطقة مسؤولية أهلها

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد

 

لم تعد السياسة العُمانية مجرد نموذج للحياد الدبلوماسي أو الوساطة بين المتخاصمين، بل تبدو المنطقة اليوم أمام سؤال أكبر وأكثر أهمية:

هل يمكن أن ينتقل أمن المنطقة من كونه مسؤولية القوى الكبرى إلى كونه مسؤولية دول المنطقة وشعوبها؟

هذا هو السؤال الذي تفرضه التطورات المتسارعة في الخليج واليمن ومضيق هرمز وباب المندب.

فمنذ سنوات، اعتادت المنطقة أن يكون أمنها مرتبطاً بقوى خارجية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وأن تتحول الخلافات الإقليمية إلى ساحات تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.

لكن التجربة أثبتت أن الاعتماد الكامل على الخارج لم يصنع أمناً دائماً، بل أنتج أحياناً مزيداً من الاستقطاب، ومزيداً من الحروب بالوكالة، ومزيداً من التوتر بين دول المنطقة.

عُمان… من الوساطة إلى رؤية أوسع

تتميز سلطنة عُمان منذ عقود بسياسة تقوم على الحوار، وعدم قطع الجسور، والاحتفاظ بعلاقات مع الأطراف المتخاصمة.

وهذا ما منح مسقط دوراً دبلوماسياً يفوق حجمها الجغرافي والعسكري.

لكن أهمية الدور العُماني اليوم لا تكمن فقط في قدرتها على الوساطة بين إيران والولايات المتحدة أو بين الأطراف المتخاصمة.

فالأهمية الأكبر تكمن في السؤال الذي تفرضه التجربة العُمانية عملياً:

لماذا لا يكون لأهل المنطقة أنفسهم الدور الأساسي في صناعة أمن منطقتهم؟

وهذا السؤال يلتقي، من حيث المبدأ، مع الرؤية الإيرانية التي طالما دعت إلى أن يكون أمن الخليج مسؤولية دول المنطقة، لا أن يُفرض عليها من خارجها.

وهنا تنتقل المسألة من مفهوم الحياد الدبلوماسي إلى مفهوم المسؤولية الإقليمية المشتركة.

أمن الخليج لا تصنعه البوارج وحدها

قد تستطيع القوى الكبرى حماية طريق بحري لفترة، أو ردع طرف عسكرياً، أو فرض ترتيبات أمنية مؤقتة.

لكنها لا تستطيع أن تصنع وحدها سلاماً دائماً بين شعوب المنطقة.

فالأمن الحقيقي لا يبدأ من حاملات الطائرات وحدها.

إنه يبدأ من:

التفاهم بين دول المنطقة نفسها، واحترام السيادة، وعدم التدخل، وتسوية النزاعات، وضمان حرية الملاحة، وعدم استخدام أراضي أي دولة منصة للاعتداء على دولة أخرى.

وإذا كانت دول المنطقة وشعوبها هي التي ستدفع الثمن الأكبر للحرب، فمن الطبيعي أن تكون هي أيضاً صاحبة الدور الأكبر في صناعة السلام.

هرمز وباب المندب… مسؤولية إقليمية

مضيق هرمز ليس شأناً أمريكياً.

وباب المندب ليس شأناً دولياً فقط.

إنهما جزء من منظومة أمنية وجغرافية واقتصادية واحدة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر.

وأي اضطراب فيهما ينعكس على السعودية وعُمان والإمارات وإيران واليمن والعراق ومصر، وعلى التجارة والطاقة في العالم كله.

لذلك فإن حماية هذه الممرات الاستراتيجية ينبغي ألا تكون ذريعة لاحتكار القوى الكبرى القرار الأمني في المنطقة.

بل ينبغي أن تكون مدخلاً إلى تعاون إقليمي حقيقي، تتولى فيه دول المنطقة مسؤوليتها، مع احترام القانون الدولي وحرية الملاحة والمصالح المشروعة للمجتمع الدولي.

من أمن تفرضه القوى الكبرى إلى أمن يصنعه أهل المنطقة

المعادلة القديمة تقول:

القوى الكبرى تحمي المنطقة، والمنطقة تلتزم ترتيبات الأمن التي تضعها القوى الكبرى.

أما المعادلة التي تحتاجها المنطقة اليوم فهي:

أهل المنطقة يصنعون أمن منطقتهم، ويتعاونون مع القوى الدولية، لكنهم لا يسلمونها قرارهم.

وهذا لا يعني قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.

كما لا يعني الانحياز إلى إيران.

ولا يعني قبول سياسات أي دولة إقليمية بلا نقد.

بل يعني ببساطة:

لا أحد يستطيع أن يكون أكثر حرصاً على أمن المنطقة من أهلها.

فأمن المنطقة يجب أن يكون أولاً مسؤولية دولها، وأن تقوم علاقاتها الخارجية على المصالح المتبادلة، لا على التبعية أو الإملاء.

فلا تبعية لأمريكا… ولا تبعية لإيران

وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً.

إذا كنا نرفض أن تتحول الدول العربية إلى أدوات في يد الولايات المتحدة، فعلينا أيضاً أن نرفض أن تتحول المنطقة إلى أدوات في مواجهة إيران، أو أن تتحول دول المنطقة إلى أدوات ضد بعضها البعض، لصالح قوى من خارج المنطقة أو أي قوة أخرى.

فالاستقلال الحقيقي ليس تغيير جهة التبعية.

إنه إنهاء التبعية نفسها.

ومن هنا فإن أمن المنطقة يجب أن يقوم على توازن المصالح، لا على توازن المحاور.

فالمنطقة ليست مطالبة بأن تختار بين هيمنة أمريكية أو هيمنة إيرانية، ولا بين محور وآخر.

إنها مطالبة بأن تختار استقلال قرارها.

ماذا يمكن أن تفعل دول المنطقة؟

ربما آن الأوان لطرح مشروع إقليمي للأمن المشترك، تشارك فيه دول الخليج وإيران والعراق واليمن، وسائر الدول المعنية بأمن الخليج والبحر الأحمر.

مشروع يقوم على مبادئ واضحة:

احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

عدم استخدام أراضي أي دولة للاعتداء على دولة أخرى.

حماية الملاحة الدولية.

رفض الحروب بالوكالة.

عدم استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية.

فتح قنوات اتصال دائمة بين دول المنطقة.

معالجة الخلافات بالحوار قبل تحولها إلى صراع عسكري.

التعاون في مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

وضع ترتيبات مشتركة لأمن الخليج وباب المندب.

بناء آليات إقليمية للإنذار المبكر ومنع التصعيد.

وعندها يمكن للقوى الدولية أن تكون شريكاً في الأمن والسلام، لا وصياً على المنطقة ولا صاحبة القرار الوحيد فيها.

وهذه هي الرسالة الأعمق من عُمان

ربما لا تقول مسقط بصوت مرتفع:

«نريد نظاماً أمنياً إقليمياً جديداً».

لكن سياستها القائمة على الحوار، ورفض الاصطفاف الحاد، وفتح قنوات الاتصال مع الجميع، تقدم نموذجاً يمكن البناء عليه.

فالدبلوماسية العُمانية أثبتت أن الدولة ليست مضطرة دائماً إلى الاختيار بين معسكرين.

يمكنها أن تكون دولة مستقلة، تتحدث مع الجميع، وتختلف مع الجميع عندما تقتضي مصالحها ذلك.

وهذا النموذج يستحق أن يتحول من تجربة دولة إلى فكرة إقليمية.

فالشرق لا يحتاج إلى شرطي أجنبي

لقد جرب الشرق الأوسط الأمن القائم على التدخل الخارجي، وجرب الحروب، وجرب الأحلاف، وجرب العقوبات، وجرب القوة العسكرية.

ومع ذلك بقيت المنطقة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.

لذلك فإن السؤال اليوم ليس:

من سيحمي المنطقة؟

بل:

متى يصبح أهل المنطقة قادرين على حماية منطقتهم بأنفسهم؟

وهذا لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بإرادة سياسية مشتركة لدول المنطقة، وبناء الثقة بينها، ومعالجة أسباب النزاعات، وإقامة منظومة أمن إقليمي لا تستثني أحداً ولا تسمح لأحد باحتكارها.

خلاصة القول

من هنا يمكن قراءة الدور العُماني بصورة أوسع من مجرد «الوساطة».

إنه نموذج يقول إن الحياد الدبلوماسي يمكن أن يكون خطوة أولى نحو استقلال القرار، وإن استقلال القرار يمكن أن يكون مدخلاً إلى أمن إقليمي يصنعه أهل المنطقة بأنفسهم.

فالخليج لأهله.

والبحر الأحمر لأهله.

وأمن المنطقة مسؤولية دولها وشعوبها أولاً.

أما القوى الدولية، فينبغي أن تكون شريكاً يحترم سيادة دول المنطقة، لا قوة تفرض شروطها عليها بالقوة، ولا جهة تنفرد بتحديد مستقبل أمنها.

لقد آن الأوان لأن ينتقل الشرق الأوسط من أمن يُرسم له من الخارج، إلى أمن يصنعه أهله، ويتحملون مسؤولية حمايته.

فأمن المنطقة لا ينبغي أن يكون هبة من الخارج، ولا امتيازاً لقوة كبرى، بل حقاً ومسؤولية مشتركة لأهلها.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك