كتب رياض الفرطوسي

عندما يتحول المجتمع إلى منصة هتاف دائم، تصبح الكلمة الصادقة جَرِيمة. السياسة بضاعة حزبيّة تسعى إلى إقناعك بأجوبة جاهزة لترويضك، بينما الفن والأدب نداء حرّ يطرح السؤال ليوقظك. حين تحاكم الكلمة بغير منطقها، كأنك تطلب من طبيب جراح أن يستعين بنشرة حزبيّة ليجري عملية في القلب؛ فالأدب مرجعيته الجمال والوجع الإنساني، والسياسة مرجعيتها المكسب والسيطرة.

 

المأساة ليست في السياسيّ الصريح، بل في “مثقف الصالونات” الذي يجلس في المقهى المعتم خلف أدخنة السجائر، يفتي في أسباب الحروب وهو لم يذق طعم الخوف في خندق، ويشرح فقر الناس وهو لم يدخل بيتاً لأرملة أو يتيم. هؤلاء أدعياء يحللون النفوس عن بُعد، ويبيعون الوهم لجمهور جائع إلى الحقيقة. يحولون البشر إلى أرقام في حساباتهم، ويرفضون أي واقع لا يخدم قوالبهم الفكرية المغلقة.

 

لقد نقل هؤلاء عاهات التلقين والتعصب من مقر الأحزاب إلى صفحات الكتب، فخربوا الكلمة وحولوها إلى شعار خشبي. حين كتب “إريك ماريا ريمارك” عن الحرب، لم ينظر إليها كمخطط سياسي، بل كجروح حية تصيب أجساد الشباب. وحين صرخ “جورج أورويل” بوجه الاستبداد، كان يدافع عن حق البسيط في أن يرى الواقع كما هو، لا كما تصنعه وسائل التضليل.

 

في سوق يسيطر عليه النفاق، يُعامل الإنسان الصادق كأنه مجنون أو غبي؛ لأن صراحته تفضح أقنعة الجميع. التمسك بالبراءة والوضوح في وجه زيف الصالونجية ليس ضعفاً، بل هو الطبيعة النقية التي ترفض التلوث. لا تبتئس إذا وجدت نفسك غريباً عن هذا الضجيج؛ فأن تكون صادقاً ومستقلاً في عزلتك، أطهر وأبقى من أن تكون بوقاً يصفق لسرقة وعي الناس.

شارك