
المهندس الحقيقي لخرائط الفوضى القصة الكاملة لأخطر رجل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 5099
أشرف التهامي.
تُعدّ تحولات الشرق الأوسط الجيوسياسية والصراعات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة موضوعاً يستدعي البحث والتحليل العميق ، فالأحداث والحروب والتقسيمات التي نراها اليوم لم تكن نتاج الصدفة الحتمية للظروف، بل وضعت أساساتها النظرية والجغرافية في أروقة مراكز الأبحاث والدراسات الاستخباراتية الغربية قبل عقود.
ومن أبرز وأخطر تلك الشخصيات التي صممت هذه الخرائط وروجت لمشاريع إعادة تشكيل المنطقة هو المؤرخ والمستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس.
نستعرض في هذا المقال الرؤية والتفاصيل الكاملة لمشروع تقسيم الشرق الأوسط الذي أطلقه لويس، وكيف أصبحت أفكاره مرجعية للسياسات الخارجية الغربية حتى يومنا هذا.
المهندس الحقيقي لخرائط الفوضى القصة الكاملة لأخطر رجل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 5238
برنارد لويس

جلسة الكونغرس التاريخية (1983): إطلاق مشروع “تقسيم المُقسَّم”.
في عام 1983، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حدثاً استثنائياً لم يتكرر في تاريخ الكونغرس الأمريكي منذ تأسيسه؛ حيث عقدت أهم ثلاث لجان (القوات المسلحة، المخابرات، والعلاقات الخارجية) اجتماعاً مشتركاً بناءً على توصية من البيت الأبيض والبنتاغون.
لم يكن الهدف الاستماع إلى شهادة ضابط عسكري أو رئيس جهاز استخباراتي، بل للاستماع إلى المؤرخ والمستشرق برنارد لويس.
حيث قدم لويس رؤيته التحليلية تحت عنوان “تصحيح خطأ سايكس بيكو”، معتبراً أن التقسيم الذي أقرته بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الأولى لم يكن كافياً، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من “التقسيم” إلى “تقسيم المُقسَّم” عبر إذكاء النعرات الطائفية والإثنية.
المهندس الحقيقي لخرائط الفوضى القصة الكاملة لأخطر رجل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 5168
خريطة برنارد لويس لتفتيت العالم العربي والإسلامي.
خريطة مشروع برنارد لويس لتقسيم الشرق الأوسط والأقاليم المجاورة.
تضمنت الخرائط والرؤى التي عرضها لويس على صناع القرار الأمريكيين تفكيك العديد من الدول العربية والإسلامية إلى دويلات و كانتونات طائفية وعرقية:
1-العراق: تفكيكه إلى ثلاث كيانات: شمال كردي سني، وسط عربي سني، وجنوب شيعي (وهو المخطط الذي ظهرت ملامحه بوضوح عقب حرب 2003) .
2-سوريا: تقسيمها إلى كيانات طائفية ومناطقية تضم دمشق وحلب، ودولة للساحل السوري، وجبل الدروز.
3-السودان: فصل الجنوب المسيحي عن الشمال المسلم (وهو ما تحقق بالفعل عام 2011)، بالإضافة إلى اقتطاع إقليم دارفور والنوبة.
4-مصر والسودان والنوبة: اقتطاع أجزاء لإنشاء كيانات قبطية ونوبية، وتقليص المساحة الجغرافية للدول الوطنية.
5-الخليج العربي والجزيرة العربية: دمج الكيانات الصغيرة في إقليم الشرق وإعادة تقسيم المنطقة إلى إمارات طائفية وقبائلية تتوزع بين الحجاز ونجد.
6-شمال أفريقيا ولبنان وباكستان: تفكيك لبنان إلى كانتونات طائفية، ودعم النزاعات الانفصالية في بلوشستان باكستان وإقليم كردستان الكبرى الذي يمتد عبر تركيا وإيران وسوريا والعراق.
النظريات الأيدولوجية وتوظيف الفوضى.
لم يقتصر دور لويس على رسم الخرائط الجغرافية، بل صاغ الإطار الأيدولوجي للصراع من خلال طرح مفهوم “صراع الحضارات”، والذي طوره لاحقاً مفكرون وسياسيون بارزون مثل صامويل هنتنغتون.
المهندس الحقيقي لخرائط الفوضى القصة الكاملة لأخطر رجل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 5320
صامويل هنتنغتون (Samuel Huntington)
· صراع الحضارات: كان لويس أول من طرح مفهوم “صراع الحضارات” وصاغ مصطلحه عام 1957، قبل أن يطوره صامويل هنتنجتون.
· إعادة كتابة التاريخ: ساهم في ترويج الخطاب الذي يرجع أزمات المنطقة إلى بنية المجتمعات والثقافة ذاتها، مبرراً التدخلات الخارجية تحت شعارات “نشر الديمقراطية والحداثة”.
· الفوضى الخلاقة: الاستفادة من النزاعات الداخلية كبديل أقل تكلفة وأكثر نجاحاً من الاستعمار العسكري المباشر، لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.
من هو صامويل هنتنغتون (Samuel P. Huntington) ؟

هو أحد أشهر علماء السياسة والمفكرين الأمريكيين في القرن العشرين (1927 – 2008)، وشغل منصب أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد ومستشاراً للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
أهم إسهاماته وأفكاره السياسية.
1- نظريّة “صراع الحضارات” (The Clash of Civilizations):
· تُعد أشهر أطروحاته، حيث نشرها كأطروحة عام 1993 ثم ككتاب عام 1996.
· فحوى النظرية: رأى أن الصراعات المستقبلية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لن تكون أيدولوجية (بين الرأسمالية والشيوعية) ولا اقتصادية، بل ستكون صراعات ثقافية وحضارية بين حضارات رئيسية (أبرزها الحضارة الغربية، الإسلامية، الصينية/الكونفوشيوسية، والأرثوذكسية( .
2- العلاقة ببرنارد لويس:
استلهم هنتنغتون المصطلح والشرارة الأولى لهذه الفكرة من المستشرق والمؤرخ برنارد لويس )الذي كان قد طرح عبارة “صراع الحضارات” في مقاله الشهير عام 1990 “جذور الغضب الإسلامي”). قام هنتنغتون بتطوير الفكرة وتحويلها إلى نظرية شمولية للسياسة الدولية.
3- النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة (Political Order in Changing Societies):
· كتاب أصدره عام 1968 وناقش فيه أن التحديث الاقتصادي والاجتماعي ليس بالضرورة أن يؤدي إلى الديمقراطية، بل قد يؤدي إلى الفوضى إذا لم تكن هناك مؤسسات سياسية قوية تستوعب هذا التغيير.
4- الموجة الثالثة للديمقراطية (The Third Wave):
· كتاب حلل فيه التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وآسيا.
الخداع الاستراتيجي: حظر السادات لثعلب التقسيم.
على الرغم من قوة ونفوذ شبكات التخطيط الغربية، سجل التاريخ مواقف استطاعت فيها القيادات العربية مناورة هذا المخطط ، ففي عام 1971، وخلال زيارة لويس لإسرائيل كمستشار لجولدا مائير، استُخدم لويس كقناة غير مباشرة لنقل رسائل إشارات استراتيجية مضللة من الرئيس المصري محمد أنور السادات، أوهمت القيادة الإسرائيلية بعدم نية مصر خوض الحرب، مما ساهم في نجاح خطة الخداع الاستراتيجي للجيش المصري قبل حرب أكتوبر 1973.
المهندس الحقيقي لخرائط الفوضى القصة الكاملة لأخطر رجل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 5415
الرئيس المصري محمد أنور السادات (Anwar Sadat)
الخاتمة.
في ختام القراءة التحليلية لمشروع برنارد لويس، يتضح جلياً كيف تتشابك الرؤى الأكاديمية مع الأجندات الاستخباراتية لتوجيه مسارات السياسة الدولية وتحديد مصائر الشعوب.
إن المخططات التي صُممت في أروقة الكونغرس ومراكز الفكر لم تكن مجرد فرضيات نظريّة، بل تحولت إلى استراتيجيات عُمل بها على مدى عقود لإضعاف مفهوم الدولة الوطنية وتغذية الصراعات الداخلية.
ورحيل لويس لا يعني نهاية الأفكار التي غرسها، بل إن مواجهة هذه التحديات تفترض بالضرورة تعزيز الوعي الاستراتيجي العربي، والحفاظ على وحدة وسيادة المجتمعات الوطنية، وبناء الرؤى الذاتية القادرة على إجهاض مشاريع التفكيك والتجزئة.



