روحي ليست موضعَ تنازل

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

ثمة أشياء كثيرة في الحياة يمكن للإنسان أن يتنازل عنها دون أن يخسر جوهره؛ قد يتنازل عن رأي، أو يؤجل رغبة، أو يغيّر طريقًا، أو يترك مكانًا ظنّ طويلًا أنه يشبهه. وقد يتنازل أحيانًا بدافع المحبة أو الحكمة أو رغبةً في استمرار علاقة تعني له الكثير. لكن هناك شيئًا واحدًا لا ينبغي أن يصبح يومًا ورقةً على طاولة المساومة: الروح. فالروح ليست مساحةً مفتوحة لكل عابر، ولا جدارًا نعلّق عليه أخطاء الآخرين، ولا ثمنًا ندفعه كي نحافظ على علاقة أو حضور أو مكان. روحي ليست موضعَ تنازل.

هذه ليست جملة كبرياء، ولا إعلانًا للحرب على أحد، ولا ذريعةً للهروب من الاعتذار أو مراجعة الذات؛ إنها عهدٌ هادئ يقطعه الإنسان على نفسه بعد أن يتعب طويلًا من محاولة إرضاء الجميع: ألّا يخسر ذاته كي لا يخسر الآخرين. أن يفهم، ولو متأخرًا، أن الإنسان حين يعتاد التنازل عن نفسه، يصبح من الصعب عليه أن يعرف أين تنتهي طيبته وأين يبدأ استنزافه.

فالكرامة ليست صوتًا مرتفعًا، ولا نظرةً متعالية، ولا قدرةً على كسر الآخرين بالكلمات. الكرامة علاقة الإنسان بنفسه حين يكون وحيدًا، حين لا يصفق له أحد، وحين لا يراه أحد وهو يتخذ أصعب قراراته. أن تعرف أنك تستحق الاحترام حتى عندما تخطئ، وأن تستطيع الاعتذار دون أن تُذلّ، وأن تستطيع التسامح دون أن تسمح بتكرار الأذى، وأن تستطيع الرحيل دون أن تتحول إلى عدو.

كم مرة ظننا أن الحفاظ على الأشياء يتطلب منا أن نتنازل أكثر؟ أعطينا فرصةً بعد فرصة، وابتلعنا كلماتٍ كان ينبغي أن تُقال، وصمتنا عن مواقف كان ينبغي أن نرفضها، وبررنا لمن نحب ما لا يمكن تبريره. قلنا: ربما يتغير، ربما يفهم، ربما ينتبه، ربما تكون هذه المرة الأخيرة. ثم اكتشفنا أن بعض الناس لا يقرأون صمتنا على أنه محبة، بل يقرؤونه على أنه سماح دائم.

وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إيلامًا في العلاقات الإنسانية: حين يتحول لطفك في نظر البعض إلى ضعف، وصبرك إلى حق مكتسب، وتسامحك إلى دعوة لمزيد من التجاوز. عندها لا يعود الصمت فضيلة، بل يصبح ظلمًا للنفس. فالطيبة التي لا تحمي حدودها قد تتحول من نعمة إلى باب يدخل منه الآخرون إلى الأماكن التي كان ينبغي أن تبقى مقدسة.

 

وليس معنى الكرامة أن نغلق قلوبنا. فالقلوب التي أُنهكت ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى حجارة، بل إلى أن تتعلم كيف تضع أبوابًا لها مفاتيح. يمكننا أن نحب بصدق، وأن نعطي بسخاء، وأن نثق، وأن نمنح الآخرين فرصةً ثانية وثالثة، لكن علينا أن نعرف متى تصبح الفرصة تكرارًا للوجع، ومتى يصبح الانتظار استنزافًا، ومتى يتحول الوفاء إلى إقامةٍ دائمة في مكان لا يشبهنا.

هناك لحظة في حياة كل إنسان تتغير فيها معانٍ كثيرة؛ لحظة لا يكون فيها السؤال: هل ما زلت أحب؟ بل: هل ما أعيشه يحفظني أم يستهلكني؟ عندها يبدأ الإنسان في رؤية الأشياء بعين مختلفة. يدرك أن الحب الذي يجعلك تخاف من نفسك ليس أمانًا، وأن القرب الذي يسلبك سلامك ليس قربًا حقيقيًا، وأن العلاقة التي تجبرك باستمرار على إثبات قيمتك ليست المكان الذي ينبغي أن تقيم فيه روحك.

 

قد نحب أشخاصًا لا يعرفون كيف يحبوننا، وقد نخلص لمن لا يعرف معنى الوفاء، وقد نعطي قلوبنا لمن يرى في العطاء أمرًا عاديًا لا يستحق الامتنان. وليس في ذلك عيب فينا؛ فالإنسان لا يختار دائمًا أين يضع قلبه، لكنه يستطيع أن يختار متى ينقذ هذا القلب من الاستنزاف. فليس من الحكمة أن نبقى في المكان نفسه فقط لأننا قضينا فيه وقتًا طويلًا، وليس من الوفاء أن نخسر أنفسنا كي نثبت أننا أوفياء.

والرحيل، حين يصبح ضروريًا، ليس دائمًا قسوة. أحيانًا يكون الرحيل أرقى أشكال الرحمة بالنفس. أن تغادر دون ضجيج، ودون تشهير، ودون رغبة في الانتقام، ودون أن تحمل معك قائمة طويلة من الاتهامات. تغادر لأنك فهمت أن بعض الطرق، مهما أحببت بدايتها، لن توصلك إلى المكان الذي تستحقه. تغادر لأنك لم تعد تريد أن تشرح ألمك لمن كان سببًا فيه، ولأنك أدركت أن بعض الأبواب لا تُغلق كراهيةً لمن خلفها، بل حمايةً لمن يقف أمامها.

ومع ذلك، ليست الكرامة هشاشة تجعلنا نترك كل شيء عند أول جرح، وليست عنادًا يمنعنا من قبول النقد أو الاعتراف بالخطأ. الإنسان الكريم يعرف كيف يقول: كنت مخطئًا، وكيف يصلح ما أفسده، وكيف يمنح الآخرين حقهم، وكيف يراجع نفسه قبل أن يحاكمهم. فالكرامة الحقيقية لا تحمي الإنسان من الاعتراف، بل تحميه من الإذلال. أن تعتذر عندما تخطئ كرامة، وأن تسامح عندما تستطيع كرامة، وأن تمد يدك للصلح كرامة؛ لكن أن تعتذر عن خطأ لم ترتكبه خوفًا من خسارة أحد، وأن تقبل الإهانة بحجة الحب، وأن تستمر في مكان يُطفئ روحك بحجة الوفاء، فذلك ليس كرمًا ولا محبة ولا تواضعًا.

إن الإنسان الذي لا يعرف قدر نفسه سيقضي عمره يبحث عن الآخرين كي يخبرونه كم يساوي. سيجعل قيمته معلقةً على كلمة، وعلى رسالة، وعلى اهتمام، وعلى حضور شخص أو غيابه. فإذا اقترب منه أحد شعر أنه مهم، وإذا ابتعد عنه شعر أنه لا شيء. وهنا تصبح الروح رهينةً لأمزجة الآخرين. أما حين يعرف الإنسان قيمته، فإنه لا يحتاج إلى إثباتها كل يوم؛ لا يركض خلف من يتجاهله، ولا يستجدي مكانًا في قلب أغلق بابه، ولا يطلب من أحد أن يراه بالقيمة التي يرى بها نفسه. هو لا يكره من لم يقدّره، لكنه يتعلم ألا يبقى طويلًا حيث لا يُقدَّر.

والأجمل في الكرامة أنها لا تحتاج إلى جمهور. قد تكون أعظم انتصاراتك تلك التي لم يصفق لها أحد؛ حين كنت قادرًا على الرد ولم ترد، وحين كنت قادرًا على الانتقام واخترت أن تمضي، وحين كان بإمكانك أن تفضح ما تعرفه لكنك آثرت الصمت، لا خوفًا، بل لأنك لا تريد أن تجعل أخلاقك نسخةً من أخلاق من أساء إليك. فليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما نشعر به يجب أن ننتقم بسببه، وليس كل من خذلنا يستحق أن نحمل اسمه في قلوبنا كجرح أبدي.

الكرامة أن تستطيع أن تغلق الباب دون أن تحرق البيت، وأن تبتعد دون أن تكره، وأن تنتهي الحكاية دون أن تتحول إلى معركة. أن تقول: لقد تعبت، دون أن تحتاج إلى شرح كل التفاصيل. وأن تعرف أن بعض النهايات لا تحتاج إلى منتصر وخاسر؛ يكفي أن ينجو الإنسان من شيء كان يستهلكه.

ولعل أصعب ما في حفظ الكرامة أن الإنسان قد يعرف تمامًا ما ينبغي أن يفعله، لكنه يتردد لأن قلبه لا يزال متعلقًا. العقل يقول: ارحل، والقلب يقول: انتظر. العقل يرى الحقيقة، والقلب يتشبث بالاحتمال. وبينهما يعيش الإنسان معركةً صامتة لا يسمعها أحد. لكن القلب، مهما كان وفيًّا، يحتاج أحيانًا إلى أن يتعلم أن الحب لا يعني أن نتمسك بما يؤذينا. فبعض الأشياء نحبها ونتركها، لا لأن الحب انتهى، بل لأننا أدركنا أن استمرارها سيحوّل الحب نفسه إلى وجع.

وهناك أشخاص يمرون في حياتنا ليتركوا أثرًا، لا ليبقوا إلى الأبد، وأبواب تُفتح كي نتعلم ثم تُغلق كي نكبر، وخسارات نظنها في البداية نهاية العالم ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية علاقتنا الحقيقية بأنفسنا. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود يخاف من الوحدة كما كان؛ يكتشف أن الوحدة ليست دائمًا فراغًا، وأن وجود الآخرين ليس دائمًا امتلاءً. قد يكون المرء محاطًا بالعشرات ويشعر بأنه وحيد، وقد يجلس وحيدًا في غرفته ويشعر للمرة الأولى بأنه عاد إلى نفسه.

لذلك، لا تجعل خوفك من الوحدة يدفعك إلى قبول ما يكسر قلبك، ولا تجعل خوفك من الفقد يجعلك تفقد نفسك. فالأشخاص قد يأتون ويرحلون، والأماكن تتغير، والظروف تتبدل، والوعود قد لا تكتمل، لكنك ستبقى الشخص الذي عليك أن تعيش معه طوال العمر. فكن صديقًا لنفسك، لا خصمًا لها. لا تقف ضدها كلما أحببت أحدًا، ولا تعاقبها كي ترضي الآخرين، ولا تطلب منها أن تصمت إلى الأبد. اسمعها حين تتعب، واحترمها حين ترفض، وأنقذها حين تشعر أنها تغرق.

قد أتنازل عن كثير من الأشياء من أجل من أحب، وقد أغفر، وأتجاوز، وأعطي فرصة، وأبدأ من جديد. قد أختار الصمت بدل الجدال، والحوار بدل القطيعة، والتسامح بدل الحقد. لكن هناك حدودًا إذا تجاوزها الآخرون، لم يعد بإمكاني أن أسمّي بقائي وفاءً. لن أخسرني كي لا أخسرك، ولن أطفئ نوري كي تشعر أنك أكثر إشراقًا، ولن أصغر كي يتسع لك المكان، ولن أضع قلبي في موضع يُطلب مني فيه كل يوم أن أثبت أنني أستحق أن أبقى.

سأظل إنسانةً تعرف كيف تحب، لكنني سأتعلم أيضًا كيف أحمي هذا الحب من أن يتحول إلى استنزاف. سأظل قادرةً على التسامح، لكنني لن أخلط التسامح بالتنازل عن حقي في الاحترام. وسأظل أؤمن بالناس، لكنني لن أضع روحي كاملةً بين يدي من لم يتعلم كيف يصونها. فأنا لا أريد أن أربح أحدًا وأخسرني، ولا أريد علاقة تجعلني أعتذر عن وجودي، ولا حبًا يجعلني أشك في قيمتي، ولا قربًا يطلب مني أن أصغر كي يشعر الآخر بأنه أكبر.

وفي نهاية الطريق، قد لا نملك السيطرة على ما يفعله الآخرون بنا، لكننا نملك القرار بشأن ما نسمح له أن يفعله بنا بعد ذلك. قد يجرحوننا، لكنهم لا يملكون حق تحديد شكل حياتنا بعد الجرح. قد يخذلوننا، لكنهم لا يملكون أن يحولوا الخذلان إلى تعريف لنا. وقد يرحلون، لكن رحيلهم لا يعني أن علينا أن نرحل نحن عن أنفسنا.

وفي آخر الطريق، حين تسقط كل الأقنعة، وتخفت الأصوات، ويصبح الإنسان وحيدًا أمام نفسه، لن يسأله أحد كم مرة تنازل، ولا كم شخصًا أبقى في حياته، بل ستسأله روحه سؤالًا واحدًا: هل حافظتَ عليّ حين كان الحفاظ عليّ أصعب من البقاء؟

لهذا، لن أعتذر عن كرامتي، ولن أساوم على سلامي، ولن أضع قلبي في مكان يُطلب مني فيه أن أدفع من روحي ثمنًا للبقاء. قد أخسر أشخاصًا أحببتهم، وقد أغادر أماكن تركت في قلبي أثرًا، وقد أبكي على أشياء تمنيت لها أن تدوم، لكنني لن أقبل أن يكون ثمن أي إنسان أن أخسر نفسي.

فأنا أستطيع أن أعيش بلا كثير من الأشياء، لكنني لا أستطيع أن أعيش بعيدًا عن ذاتي. قد ينكسر قلبي، لكنه سيشفى؛ قد تضيق بي الحياة، لكنها ستتسع؛ وقد يرحل من أحب، لكنني سأبقى، وسأجمع ما تبقى مني، وأمضي.

سأمضي لا لأنني لم أحب، بل لأنني أحببت نفسي بما يكفي لأحميها. سأغادر لا كراهيةً لأحد، بل احترامًا للروح التي أودعها الله في داخلي، تلك الروح التي لا يحق لأحد أن يهينها أو يساوم عليها أو يجعلها ثمنًا لوجوده.

قد أتنازل عن أشياء كثيرة، وقد أصفح عن أشياء كثيرة، وقد أفتح أبوابًا ظننت أنني أغلقتها إلى الأبد… لكن حين يصل الأمر إلى كرامتي، سأختارني.

لأنني تعلمت أخيرًا أن بعض الخسارات لا تُبكينا لأنها أخذت منا شيئًا، بل لأنها أنقذتنا من أن نفقد كل شيء.

روحي ليست موضعَ تنازل… وكرامتي ليست ثمنًا لأي حب، وسلامي الداخلي ليس مساحةً للمساومة.

فمن أرادني، فليأتِ إلى قلبي دون أن يطلب مني أن أترك نفسي على عتبة بابه؛ ومن أراد الرحيل، فليأخذ طريقه… أما أنا، فسأبقى واقفةً، أحمل روحي كما هي، وأمضي.

سأمضي مرفوعة الرأس، لا أحمل في قلبي انتقامًا، ولا في روحي ندمًا؛ فقد خسرتُ أشياء كثيرة في الحياة، لكنني لن أسمح للحياة أن تجعلني أخسر أعظم ما أملك: نفسي.

روحي ليست موضعَ تنازل.

شارك