
الرقصة الأخيرة لنتنياهو في الأمم المتحدة.
أشرف التهامي.
سيحاول رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقناع عالمٍ معادٍ، مع إظهار صورة رجل الدولة في الداخل؛ غير أن هذا الأداء قد يبدو أجوفَ بعد سنوات من الانقسام والحرب وتآكل الثقة؛ بل إن الفشل في كلا الأمرين هو مصيره المحتوم.
المشهد المعتاد.
في وقت لاحق من اليوم، سيعود ليقف مجدداً على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ستكون البدلة مفصّلة عليه بإتقان، وستخفي درجات المكياج آثار الزمن والواقع، أما اللغة الإنجليزية — آهٍ، تلك الإنجليزية — والكلمات، فستكون فخمةً مهيبة.
سيقول بنبرة مشحونة بالعاطفة: “أبدية الشعب اليهودي”. وسيقول: “ساعة مصيرية”. وبالطبع، سيتحدث عن “البطولة الإسرائيلية”.
إلى جانب الكلمات، قد تكون هناك شريحة عرض، أو ربما حيلة أخرى؛ وحتى في غياب ذلك، سنظل قادرين على استشعار عبق التاريخ ، فعلى صعيد المظهر، لم يخذلنا يوماً؛ إذ لطالما كان المظهر الخارجي متألقاً وبراقاً.
على مر السنين، عاش نتنياهو لحظاتٍ لافتة في الجمعية العامة؛ لحظاتٍ كان بوسع المرء فيها أن يشعر بالفخر لكونه إسرائيلياً ، فالحق يُقال ويُنسب لأهله، وإن كان هو ينسبه لنفسه حتى في الحالات التي لا يستحقه فيها.
· في عام 2009، وبعد عودته إلى السلطة -وفي اليوم التالي لخطاب محمود أحمدي نجاد الذي ينكر الهولوكوست- هتف “عارٌ عليكم” بينما كان يحمل خرائط لمعسكر الإبادة “أوشفيتس”.
· في عام 2012، ألقى خطاباً تاريخياً آخر تحدث فيه عن “الخط الأحمر” المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، مستعيناً برسم توضيحي لقنبلة وفتيل اشتعال.
· في عام 2015، ساد صمتٌ دام 40 ثانيةً للدلالة على صمت الأمم المتحدة إزاء نوايا إيران.
· في عام 2017، خاطب الشعب الإيراني باللغة الفارسية قائلاً: “أنتم لستم أعداءنا”.
كانت كلماتٍ تنبؤية بين ” خطاب البركة و خطاب اللعنة”كان خطاب العمى عن الحقيقة.
بالنسبة لي، كان الخطاب الأهم في الجمعية العامة للأمم المتحدة هو ذلك الذي ألقاه عام 2023، عشية السلام مع السعودية الذي لم يتحقق قط، وعشية أحداث السابع من أكتوبر ، كان في ذلك الخطاب طابعٌ تنبؤي.
إذ عرض خريطتين للشرق الأوسط: خريطة إسرائيل وحلفائها، التي تمثل “البركة”، وخريطة إيران وحلفائها، التي تمثل “اللعنة”؛ وسرعان ما تحولت هاتان الصورتان إلى واقع ملموس ، وكان هناك أيضاً ذلك العمى (عن الحقيقة ) ، لقد ردد كلمة “سلام” أربعين مرة، وذلك عشية وقوع الكارثة في السابع من أكتوبر2023.
وكان هناك أيضاً ذلك التصور؛ فقد هاجم السلطة الفلسطينية ومحمود عباس، لكنه لم ينبس ببنت شفة عن حركة حماس.
كيف لرجلٍ يعجز عن إقناع الأغلبية داخل إسرائيل أن يقنع العالم بأسره؟
حتى الذكاء الاصطناعي كان حاضراً؛ فقد حذّر -في مفارقة لافتة- من تقويض الديمقراطية، والتلاعب بالرأي العام، والحروب التي يقودها الذكاء الاصطناعي على نطاق لا يمكن تصوره.
كان كل شيء حاضراً، باستثناء ذلك الشعب المنقسم الذي تركه وراءه، قبيل أن يتغير كل شيء… كل شيء.
وبالنظر إلى الوراء، ندرك أن ذلك القائد الذي عرفناه لم يعد موجوداً هو الآخر.
المرة الأخيرة.
سيكون المشهد مختلفاً هذه المرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ فمن المرجح أن يكون هذا آخر ظهور له على مسرح دولي ، إنها “الرقصة الأخيرة”.
يحمل تعبير “الرقصة الأخيرة” دلالاتٍ تنطوي على رقيٍّ وجلال، ويُعد تذكيراً رومانسياً بأن جمال الأشياء يزداد تألقاً تحديداً لأنها توشك على الانتهاء.
اشتهر بأساليبه الاستعراضية خلال خطاباته في الأمم المتحدة.
إلا أن هذا الظهور سيكون زائداً عن الحد بالنسبة لمعظمنا. إنه زعيمٌ ولّى زمنُه ، فمع كل يوم يمر، يتآكل شيء ما: إرثه، وشعبيته، وجدواه.
إنه أشبه بلاعب كرة قدم متقدم في العمر — نوعٌ من “رونالدو” — يبحث في الملعب عن مجدٍ ولّى؛ يبحث عنه لنفسه، بينما يُدمر الفريق، إنه ضعيف.
ستتمثل مهمته على منصة الأمم المتحدة في إقناع عالمٍ معادٍ يراه كعلامة خطر (أو “راية حمراء”)، وفي الوقت ذاته — كعادته — إظهار نفسه أمامنا بمظهر رجل الدولة ذي المكانة المرموقة ، لكنه محكوم عليه بالفشل في الأمرين.
كيف يمكن لرجلٍ عجز عن إقناع الأغلبية في إسرائيل أن يُقنع العالم؟
وحين يكون هناك، مطارداً، ومُثيرًا للشفقة في عناده، وحاملاً على كاهله تاريخاً ملطخاً بالدماء،
ومحطماً لسمعته على يد الأغلبية حتى حين يتخذ قرارات — فتلك ضريبة انعدام الثقة — سنسأل أنفسنا: إلى أي مدى يمثل هو الروح الإسرائيلية؟
وإلى أي مدى يعكس هذا الرجل المنبوذ، المهدد بمذكرات اعتقال، صورتنا أمام العالم؟
الشعب اليهودي طائر “العنقاء”؛ شعبٌ يصمد وينتصر. أما هو؟
قائدٌ تجاهل التحذيرات ولم يستفق.
نحن شعبٌ يختار الحياة، بينما يقاتل هو ليبقينا رهينةً معه، ومع حالة الاستقطاب والمتاعب التي يثيرها ، نحن شعبٌ تضرب جذوره وتستمد قيمها من الكتاب المقدس ، أما قيمه هو، فقد ضاعت ، وفي أحسن الأحوال، لم تعد تتجاوز قوائم الكرسي الأربع؛ بل وأحياناً أقل من ذلك.
باسم من يسافر هذا الرجل الضعيف — الضعيف لا بسبب سنه أو صحته، بل بسبب استسلامه لعدم المساواة والعنف واللاأخلاقية — إلى الخارج؟
باسم أي أيديولوجية؟
وباسم أي شعب؟
وحين يقف على تلك المنصة، سنسأل:
ما علاقته بنا؟
هذا هو رأي كل من يعيش في الأراضي الفلسطينية العربية المحتلة من قبل الكيان الإسرائيلي و الذي عبر به نيابة عنهم المحلل السياسي العبري” Lior Ben Ami” و الذي نشرته صحيفة ” يديعوت احرونوت ” العبرية اليوم على موقعها الرسمي .
يعكس هذا الرأي للكاتب الإسرائيلي “ليئور بن عامي” حقيقة الأزمة العميقة والانقسام البنيوي الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي عقب سنوات من حرب الإبادة والتخبط السياسي.
لكن الغوص في تفاصيل هذا النص يكشف للقارئ العربي حقيقةً مهمة لا يجب الغفلة عنها:
1- صراع على البقاء السياسي لا على القيم: المعارضة والاعتراض داخل الشارع والإعلام الإسرائيلي على نتنياهو لا ينبعان من صحوة أخلاقية أو ندم على جرائم الحرب المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بل يتركزان على إخفاقه في تحقيق “النصر”، وتسببه في العزلة الدولية، وتأكلاً للدعم الخارجي لكيانهم.
2- الانفصال عن الواقع: يصف المحلل نتنياهو بـ “المطارد والضعيف” لأنه لم يعد قادراً على تسويق الخطاب الاستعراضي، ويعترف بأن الهالة الخارجية المعتادة للكيان قُضِيَ عليها تحت ضربات الصمود والواقع الميداني، تاركةً قيادته محاصرة بمذكرات الاعتقال الدولية والرفض الشعبي الداخلي.
3- توزيع الأدوار: محاولة الكاتب تنزيه المجتمع الإسرائيلي أو إظهاره بمظهر “المتضرر” من سياسات رجل واحد ليست سوى محاولة لغسل يد المجتمع الإسرائيلي الداعم في مجمله لمسار العدوان والاستيطان، وإلقاء اللائمة كاملةً على رأس الهرم السياسي المحتضر.



