العالم يفكر ونحن نتفرج

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

في الربيع الماضي، وفي خضم التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، كاد خطأ صغير في سطر برمجي أن يشعل مواجهة بين أكبر قوتين في العالم. فبحسب ما كشفته شبكة “سي إن إن”، أعدّ محلل في قيادة العمليات الخاصة الأمريكية تقريراً استخباراتياً بمساعدة روبوت محادثة، خلص فيه إلى أن سفينة صينية تبحر في الشرق الأوسط تنقل مكونات مرتبطة ببرنامج نووي. تحرك الجيش الأمريكي فوراً: جنود مسلحون استعدوا للصعود إلى متن السفينة، وطائرات عسكرية حلّقت في الأجواء استعداداً لاعتراضها. لم يكتشف المسؤولون الخطأ إلا في اللحظات الأخيرة، حين تبيّن أن الذكاء الاصطناعي أساء تحديد طبيعة الشحنة كلياً. وصف أحد المصادر التقرير بأنه “خاطئ بالكامل”، لكنه “كاد يشعل حرباً”.

 

هذه الحادثة ليست مجرد خطأ تقني عابر، بل نافذة تكشف حجم المفارقة التي يعيشها العالم اليوم: بينما تتسابق القوى الكبرى على دمج الذكاء الاصطناعي في أخطر قراراتها العسكرية، وربما بسرعة تفوق قدرتها على ضبط الأخطاء، ما زلنا نحن ننظر إلى هذه التقنية كأداة للترفيه أو الفضول العابر.

 

الصحفية فيفيان وانغ، مراسلة “نيويورك تايمز” في بكين، تشرح في تغطياتها كيف تحوّلت خطة أطلقتها الصين عام 2017 إلى سباق محموم بين الحكومات المحلية، كل منها يحاول إثبات ولائه لرؤية مركزية واحدة: أن تكون الصين القوة الرائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030. والباحث كاي-فو لي، في كتابه “القوى العظمى للذكاء الاصطناعي”، يوثّق كيف تحوّلت هذه الرؤية إلى سياسة تنافس فيها الشركات الخاصة والبنوك الحكومية على ضخ عشرات المليارات في هذا القطاع، حتى وصف الرئيس الصيني الذكاء الاصطناعي بأنه “الإوزة” التي ستقود الاقتصاد والحياة في العقود القادمة.

 

الأمر نفسه، بمقياس مختلف، ينطبق على إسرائيل. رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت وصف الذكاء الاصطناعي بأنه لحظة فارقة لا تتكرر إلا مرة كل قرن، ووضع خطة من مئة يوم لربط التعليم والدفاع والاقتصاد حول هذا المحور. والبروفيسور إسحاق بن يسرائيل، الذي وضع سابقاً الأساس لثورة إسرائيل في مجال الأمن السيبراني، يكرر اليوم الهدف ذاته بصيغة مختلفة: أن تكون إسرائيل من بين أقوى خمس دول في العالم في هذا المجال. وهذه ليست شعارات فارغة؛ فإسرائيل بالفعل تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عدد الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، خلف الولايات المتحدة والصين فقط.

 

الأخطر في القصة الأمريكية أن الجيش لا ينوي التباطؤ رغم ما كشفته حادثة السفينة. وزير الدفاع الأمريكي أعلن في يناير الماضي عن استراتيجية لتسريع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة العسكرية، بهدف وضع أحدث نماذج هذه التقنية في متناول أكثر من ثلاثة ملايين عسكري ومدني. لكن مسؤولين مطلعين يحذرون من أن هذا التوسع يفتقر إلى معايير موحدة؛ فكل جهة تستخدم أدوات مختلفة، دون ضوابط واضحة تضمن دقة المعلومات أو تمنع تكرار “الهلوسة” التي كادت تودي بحياة بحّارة على متن سفينة لم ترتكب ذنباً.

 

وهنا يكمن الدرس الأعمق: الخطر الحقيقي ليس أن يتفوق الذكاء الاصطناعي يوماً على البشر، بل أن يتخذ البشر أنفسهم قرارات كارثية بناءً على معلومات مضللة أنتجتها آلة لا تفهم حقاً ما تحلله. ومع ذلك، فإن الدول التي تدرك هذا الخطر لا تتراجع عن السباق، بل تسرّع خطاها وتحاول فقط ضبط القواعد أثناء الركض.

 

أما نحن، فما زلنا في مكان آخر تماماً. دول الخليج التي أنفقت العقد الماضي على الأبراج والناطحات، وجامعات تُخرّج آلاف الطلاب ليجد كثير منهم أنفسهم يقودون سيارات أجرة، ومجتمعات ما زالت تسأل الذكاء الاصطناعي عن الطقس أو عن اقتراح لوجبة الغداء. بينما يخطط الآخرون لعقود قادمة، ويقاتلون أحياناً من أجل ألا يخطئ الذكاء الاصطناعي في تحديد هوية سفينة، ما زلنا نحن ننشغل بتسقيط بعضنا بعضاً. العالم يفكر، فعلاً، وبعضه يخطئ وهو يفكر. لكننا، للأسف، ما زلنا نتفرج.

شارك