حين يصبح تحرير المرأة سؤالاً عن تحرير المجتمع

 

مركز الحداثة الديمقراطية

أ. عامر داوود

 

قبل آلاف السنين، وفي قرية غوبكلي تبه، أحد أقدم المواقع الأثرية في منطقة الهلال الخصيب، كانت جماعات بشرية تعيش حياة تقوم على التعاون والمشاركة في تنظيم شؤونها اليومية، قبل أن تبدأ التحولات الكبرى التي رافقت الاستقرار الزراعي، وتراكم الفائض، وظهور الملكية والتراتبية وأشكال السلطة. ومع مرور القرون، أخذ جسد المرأة وعملها وإنجابها وحياتها الخاصة يدخل بصورة متزايدة في منظومات التنظيم والضبط الاجتماعي، حتى أصبحت بعض أدوارها تُعرَّف وفق ما تفرضه البنية الاجتماعية السائدة.

 

وبعد آلاف السنين، كانت امرأة تجلس في اجتماع عائلي، تستمع إلى الجميع وهم يتحدثون عن مستقبل الأسرة، بينما لم يسألها أحد عن رأيها في قرار سيحدد جانباً من حياتها ، وعندما حاولت أن تتحدث، قيل لها بهدوء: “نحن نعرف ما هو الأفضل لك” ،فلم يكن أحد يضربها، ولم يمنعها القانون من الكلام، لكنها اكتشفت في تلك اللحظة أن الحرية لا تُسلب دائماً بالقوة ؛ فأحياناً تُسلب حين يُتخذ القرار عن الإنسان بحجة حمايته . وبعد زمن طويل، أدركت أن قصتها لم تكن قصتها وحدها، بل صورة لعلاقة اجتماعية أوسع ، يتعلم فيها الإنسان منذ طفولته من يحق له أن يقرر، ومن عليه أن يطيع.

 

قد تبدو القصتان منفصلتين زمنياً، لكنهما تطرحان سؤالاً واحداً: كيف تحولت علاقة الإنسان بالإنسان من المشاركة إلى الوصاية والسيطرة؟ ومن هنا، لا تعود قضية المرأة مجرد قضية حقوق معاصرة، بل تصبح مدخلاً لفهم تاريخ طويل من إعادة تشكيل المجتمع والسلطة ومفهوم الإنسان نفسه.

 

لذلك، فإن السؤال عن تحرر المرأة يقودنا، في جوهره، إلى سؤال أوسع: أي مجتمع نريد أن نبني؟ وكيف يمكن تحرير الإنسان من العلاقات التي تجعل السيطرة على الآخر أمراً طبيعياً؟

 

ومن هنا أنطلق في مقالي السادس:

 

المصطلحات بين المعنى والواقع … تحرر المرأة … (6)

 

حين يصبح تحرير الإنسان سؤالاً عن تحرير المجتمع

 

لم تبدأ قضية المرأة مع لحظة اكتشافها أنها مقموعة، بل بدأت قبل ذلك بكثير، في اللحظة التي أُعيد فيها تعريف الإنسان نفسه وفق علاقات القوة والهيمنة ، فمنذ أن أخذ المجتمع يتحول من فضاء للتعاون والتكافل إلى بنية تقوم على التراتب والسيطرة والملكية، لم تعد المرأة مجرد إنسان يعيش داخل المجتمع ، بل أصبحت إحدى أهم الساحات التي تجسدت فيها السلطة ، ومنها أعادت السلطة إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل ، ولهذا، فإن سؤال المرأة لا يمكن اختزاله في قضية الحقوق القانونية ، أو في المساواة بين الجنسين ، أو في تحسين موقعها داخل مؤسسات الدولة ؛ لأن المسألة أعمق من ذلك بكثير . إنها تتعلق بالسؤال عن طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه ، وعن الكيفية التي تحولت بها علاقات إنسانية كان يمكن أن تقوم على المشاركة إلى علاقات تقوم على التملك والطاعة والسيطرة.

 

ففي المجتمعات الأولى، لم تكن المرأة مجرد كائن هامشي كما حاولت بعض السرديات اللاحقة تصويرها، بل كانت، في مراحل طويلة من التاريخ ، جزءاً أساسياً من تنظيم الحياة الاجتماعية ، ومن إنتاج المعرفة والخبرة ، ومن استمرار الجماعة ، ومع تطور الاستقرار الزراعي، وتراكم الفائض، وظهور الملكية الخاصة والمؤسسات السلطوية، بدأت بنية جديدة تتشكل؛ بنية لم تعد تنظر إلى الإنسان بوصفه عضواً متساوياً في جماعة، وإنما بوصفه موقعاً داخل هرم اجتماعي ، وفي هذا التحول أخذ جسد المرأة وحياتها وعملها وخصوبتها يتحول إلى مجال للسيطرة والتنظيم .

 

وهنا لم تعد الهيمنة على المرأة مسألة تخص النساء وحدهن ، بل أصبحت إحدى الركائز التي ساعدت نظام الهيمنة الأوسع على الاستقرار، فحين يتعلم المجتمع أن السيطرة على إنسان يمكن أن تصبح أمراً طبيعياً ، يصبح من الأسهل عليه أن يقبل أشكالاً أخرى من السيطرة : الحاكم على المحكوم، والمالك على العامل، والمركز على الأطراف، والقوي على الضعيف، والمؤسسة على الفرد، والإنسان على الطبيعة.

 

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو قضية المرأة ، في هذا التصور، وكأنها مرآة للمجتمع بأكمله ، فإذا كان المجتمع عاجزاً عن بناء علاقة متوازنة بين نصفه ونصفه الآخر، فكيف يمكن له أن يتحدث عن الحرية والعدالة؟ وإذا كانت الأسرة نفسها قائمة على علاقات غير متكافئة ، فكيف يمكن للمجتمع أن يؤسس ديمقراطية حقيقية خارجها؟

 

إن الديمقراطية التي تبدأ عند أبواب البرلمان وتنتهي عند أبواب المنزل ليست ديمقراطية مكتملة؛ لأن السلطة لا تسكن المؤسسات السياسية وحدها، بل تسكن أيضاً اللغة والعادات والتربية وتقسيم العمل والصورة التي يحملها الرجل والمرأة عن نفسيهما وعن بعضهما ، ولذلك، فإن تحرر المرأة لا يعني ببساطة أن تصبح المرأة نسخة أخرى من الرجل داخل النظام ذاته ؛ لأن المشكلة ليست في غياب المرأة عن بعض مواقع السلطة فحسب، وإنما في طبيعة السلطة نفسها.

 

فإذا كان المطلوب هو أن تدخل المرأة إلى عالم مبني على الهيمنة، ثم تصبح جزءاً من آلياتها ، فإن ذلك قد يغير الوجوه من دون أن يغير جوهر العلاقة ، أما التحرر الحقيقي ، فيبدأ عندما تصبح المرأة قادرة على امتلاك إرادتها ومعرفتها وقرارها ، وتنظيم حياتها بصورة مستقلة ، وعندما تتحول العلاقة بينها وبين الرجل من علاقة امتلاك إلى علاقة شراكة . هنا يتغير معنى الحرية ، فالحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء في عزلة عن الآخرين، وإنما أن يمتلك القدرة على المشاركة في صناعة حياته ومجتمعه، دون أن يتحول إلى تابع لإرادة شخص آخر، أو مؤسسة، أو منظومة سلطوية . ومن هذا المنظور، تصبح المرأة قضية اجتماعية شاملة ؛ لأن تحررها لا يمكن أن يتم بمعزل عن إعادة بناء العلاقات الاجتماعية نفسها على أسس التكامل والمشاركة الفعلية.

 

فالمرأة التي تحصل على حق قانوني، لكنها تبقى رهينة الخوف الاقتصادي أو الاجتماعي، لم تصل بعد إلى الحرية الكاملة ، وكذلك المرأة التي تدخل سوق العمل، لكنها تتحمل في الوقت نفسه العبء الأكبر من العمل المنزلي والرعاية، لا تزال تعيش داخل تقسيم غير متكافئ للعمل ، كما أن المرأة التي تستطيع التصويت، لكنها لا تستطيع اتخاذ قرار يتعلق بحياتها الخاصة، ما زالت تواجه شكلاً آخر من أشكال السلطة.

 

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ما الحقوق التي تمتلكها المرأة؟ بل أيضاً: ما مقدار قدرتها الفعلية على استخدام هذه الحقوق؟ ، وهنا تظهر أهمية المعرفة؛ فالهيمنة لا تعمل بالقوة وحدها ، وإنما تعمل أيضاً من خلال الأفكار التي تجعل الهيمنة تبدو طبيعية ، فعندما تتعلم الفتاة منذ طفولتها أن الطاعة فضيلة خاصة بها ، وأن التضحية قدرها ، وأن القوة صفة ذكورية ، وأن العقلانية للرجل والعاطفة للمرأة ، تكون السلطة قد زرعت نفسها داخل الوعي قبل أن تحتاج إلى فرض نفسها بالقانون.

 

ولهذا، فإن تغيير الثقافة ليس مسألة ثانوية، بل هو جزء من الصراع على إعادة تعريف الإنسان ، فالمرأة لا تتحرر فقط عندما تتغير القوانين، بل عندما تتغير الصورة التي ترى بها نفسها، وعندما تتوقف عن قياس قيمتها وفق المعايير التي صاغها المجتمع الأبوي، وعندما يصبح صوتها مصدراً للمعرفة، وليس مجرد صوت يطلب الاعتراف.

 

وفي المقابل، فإن تحرر المرأة يتطلب أيضاً تحرير الرجل من الدور الذي فرضته عليه المنظومة نفسها ، فالرجل الذي تربى على أنه يجب أن يكون المسيطر والمعيل والحاسم دائماً، حُرم بدوره من جزء من إنسانيته ، لقد تحولت الرجولة، في كثير من المجتمعات، إلى امتحان دائم للقوة والسيطرة وإخفاء الضعف والمشاعر، فأصبح الرجل مطالباً بأن يكون سلطة قبل أن يكون إنساناً . ولهذا، فإن تجاوز الهيمنة لا يعني تحويل العلاقة من سيطرة الرجل إلى سيطرة المرأة، وإنما تفكيك منطق السيطرة ذاته. إن الهدف ليس قلب الهرم، بل إزالة الهرم؛ وليس استبدال مركز مهيمن بمركز آخر، وإنما بناء علاقة إنسانية لا تحتاج إلى مركز مهيمن كي تستمر.

 

ومن هنا يصبح الحب نفسه سؤالاً فلسفياً واجتماعياً ، فهل يمكن أن يكون الحب حراً داخل علاقة تقوم على الخوف والامتلاك؟ وهل يمكن أن تكون العلاقة عاطفية حقاً إذا كان أحد الطرفين يرى الآخر ملكاً له؟ إن الحب الذي يقوم على التملك يتحول بسهولة إلى رقابة وغيرة وابتزاز، أما الحب الذي يقوم على الحرية، فيرى في الآخر إنساناً مستقلاً، ويجد في استقلاله قيمة لا تهديداً ، لذلك فإن إعادة بناء العلاقة بين المرأة والرجل تبدأ من إعادة تعريف الحب نفسه: من الامتلاك إلى المشاركة، ومن السيطرة إلى الثقة، ومن الاعتماد القسري إلى التكامل الحر.

 

وفي هذا السياق، تصبح الأسرة واحدة من أهم ساحات إعادة البناء الاجتماعي ، فالأسرة ليست مجرد وحدة بيولوجية، وإنما مؤسسة تنتج القيم والعلاقات والأدوار ، وإذا كانت الأسرة تعيد إنتاج التمييز، فإن المجتمع سيحمل هذا التمييز معه إلى المدرسة والجامعة والعمل والسياسة ، أما إذا أصبحت الأسرة فضاءً للتشارك والحوار والمسؤولية المتبادلة، فإنها يمكن أن تكون المدرسة الأولى للديمقراطية. لذلك فإن مستقبل الديمقراطية لا يُقرَّر فقط في المؤسسات العامة، بل يُقرَّر أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها الأب مع ابنته، وفي الطريقة التي ينظر بها الرجل إلى شريكته، وفي الطريقة التي يتقاسم بها أفراد الأسرة العمل والرعاية والقرار.

 

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين قضية المرأة والديمقراطية ، فالديمقراطية ليست مجرد نظام انتخابي ، بل ثقافة اجتماعية تقوم على الاعتراف بالآخر، وحقه في الاختلاف والمشاركة وصناعة القرار . وحين تصبح المرأة قادرة على تنظيم نفسها ، وبناء مؤسساتها ، وإنتاج معرفتها ، والمشاركة في إدارة مجتمعها ، فإنها لا تطالب بمكان داخل النظام فقط ، بل تساهم في إعادة تعريف النظام نفسه.

 

ولذلك، فإن المجتمعات التي تريد تجاوز أزماتها البنيوية تحتاج للنظر إلى المرأة باعتبارها قوة تاريخية واجتماعية قادرة على إنتاج بدائل جديدة ، لا باعتبارها فئة تحتاج دائماً إلى الحماية ، فالحماية حين تتحول إلى وصاية قد تصبح شكلاً آخر من أشكال السيطرة ، أما الاعتراف بالقدرة والاستقلال والمسؤولية ، فهو الذي يفتح الطريق أمام علاقة أكثر توازناً.

 

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر عمقاً هو: كيف نحرر المرأة؟ لأن هذا السؤال قد يوحي بأن هناك طرفاً يمتلك الحرية ويمنحها لطرف آخر . أما السؤال الأعمق فهو: كيف نبني مجتمعاً لا يحتاج فيه الإنسان إلى السيطرة على إنسان آخر كي يشعر بالأمان أو القوة أو القيمة؟

 

عندها تصبح قضية المرأة جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الإنسان والمجتمع.

 

فالمرأة ليست قضية منفصلة عن الديمقراطية، ولا عن العدالة، ولا عن الاقتصاد، ولا عن الثقافة، ولا عن الحرية. إنها نقطة تتقاطع عندها كل هذه الأسئلة ، وكل مجتمع يريد أن يغير مستقبله مطالب بأن يعيد النظر في الطريقة التي ينظر بها إلى المرأة ؛ لأن الطريقة التي يعامل بها المجتمع المرأة تكشف ، في جانب عميق منها ، الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه.

 

فحين تتحول المرأة من موضوع للحديث عنها إلى ذات تتحدث وتقرر وتنظم وتنتج المعرفة ، يبدأ المجتمع نفسه في الانتقال من ثقافة السلطة إلى ثقافة الحرية ، وحين تصبح العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة بين ذاتين حرتين، لا بين مالك ومملوك، أو حاكم ومحكوم، أو حامٍ وتابع، يصبح بالإمكان الحديث عن ولادة جديدة للمجتمع؛ مجتمع لا يقيس قوته بقدرته على السيطرة ، بل بقدرته على خلق حياة يستطيع فيها الجميع أن يكونوا أحراراً، دون أن تتحول حرية أحدهم إلى قيد على حرية الآخر.

 

 

شارك