
بين ثوابت السيادة ورهانات الاستقرار قراءة استراتيجية في كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أشرف التهامي.
بين ثوابت السيادة ورهانات الاستقرار قراءة استراتيجية في كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. 5028
لم يكن الوقوف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً طارئاً في مسار الدبلوماسية المصرية، بل هو امتدادٌ لتقليد سيادي يعود إلى لحظة تأسيس المنظمة الدولية؛ إذ كانت مصر من بين الدول الخمسين الأولى التي وقّعت على ميثاق “سان فرانسيسكو” عام 1945.
وعلى مدار أكثر من ثمانية عقود، لعبت القاهرة دوراً محورياً في صياغة أطر العمل متعدد الأطراف، وقيادة حركة عدم الانحياز، ودعم قضايا التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي، وصولاً إلى كونها إحدى أكبر الدول المساهمة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
ومن هذا الموروث التاريخي العريق، جاءت كلمة رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، لتستحضر الثقل الإقليمي والدولي لمصر في ظروف بالغة التأزم.
إنها لم تكن مجرد كلمة بروتوكولية في المحفل الدولي، بل امتداداً لدعائم “المدرسة الدبلوماسية المصرية” التي تقرأ التحولات الدولية ببراجماتية هادئة، وتتمسك بأولويات القضايا الوطنية والإقليمية، وتطرح رؤية الجنوب العالمي في مواجهة اختلالات النظام الدولي المعاصر.
ألقى رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، كلمة جمهورية مصر العربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، متناولاً الرؤية المصرية تجاه القضايا الإقليمية والأزمات الهيكلية التي تواجه النظام الدولي متعدد الأطراف.
يمكنكم مشاهدة الفيديو الكامل للكلمة من خلال الفيديو المرفق بالتقرير أدناه.
أهم المحاور والرسائل الرئيسية في الكلمة:
1-القضية الفلسطينية وأزمة غزة.
· رفض التهجير القسري: التأكيد القاطع على رفض مصر لأي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
· إيقاف الحرب والحل السياسي: المطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والبدء في جهود إعادة الإعمار، مع التمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
· إنهاء المعايير المزدوجة: التشديد على أن السلام لا يمكن أن يُبنى على اقتلاع الشعوب من أرضها، ونقد سياسة إدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه.
2-الأمن المائي المصري ونهر النيل.
· حق وجودي: التأكيد على أن الأمن المائي لمصر هو “قضية وجودية لا تحتمل المساومة”.
· المكفول دولياً: احتفاظ مصر بحقها المشروع والمكفول في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لحماية أمنها المائي ومقدرات شعبها.
· التعاون والاتفاقات الإلزامية: المطالبة بإدارة الموارد المائية العابرة للحدود عبر التعاون حسن الجوار واتفاقيات قانونية إلزامية تمنع الإجراءات الأحادية.
3-الاستقرار الإقليمي والأزمة السودانية.
· دعم السودان الشقيق: التأكيد على مساندة مصر الكاملة لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية وحفظ مقدراته.
· حماية السيادة الوطنية: رفض الاعتداء على الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية أو تقديم الدعم للميليشيات المسلحة على حساب المؤسسات الوطنية.
4-إصلاح النظام الدولي ومجلس الأمن.
· أزمة ثقة في المنظومة: الإشارة إلى أن النظام الدولي يواجه أزمة ثقة بسبب الانتقائية في تطبيق القانون الدولي وتراجع سيادته.
· تمثيل أفريقيا: المطالبة بإصلاح شامل لمجلس الأمن وفق توافق “أوزولويني”وإعلان سرت لرفع الظلم التاريخي الواقع على القارة الأفريقية.
5-الهيكل المالي والتنمية وتكنولوجيا المستقبل.
· أعباء الديون والتنمية: التنبيه إلى ضرورة عدم تخيير الدول النامية بين خدمة الديون أو تمويل الصحة والتعليم والبنية الأساسية، مؤكداً أن التنمية حق واستثمار في الاستقرار العالمي.
· الذكاء الاصطناعي: الإعلان عن إطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025–2030) لتعزيز الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.
· العمل المناخي: المطالبة بتحويل تعهدات مؤتمرات المناخ (ولا سيما قمة شرم الشيخ COP27) إلى تدفقات تمويلية حقيقية ونقل للتكنولوجيا للدول الأكثر احتياجاً.
التحليل السياسي والإستراتيجي للخطاب.
· البعد الأمني والسيادي: ربط ملف المياه بالأمن القومي الوجودي صراحةً لتوجيه رسالة دولية صارمة بأن حقوق مصر المائية خط أحمر لا يخضع للتفاوض أو الإجراءات الأحادية.
· البعد الإقليمي: التأكيد على الدور المصري كركيزة أساسية للاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا من خلال دعم مؤسسات الدولة الوطنية في السودان وفلسطين ورفض مخططات التهجير.
· بعد الجنوب العالمي: تبني قضايا الدول النامية في أروقة الأمم المتحدة، وسعي مصر لتقليل الفجوة التكنولوجية والمالية بين دول الشمال والجنوب.
في المحصلة الختامية، لم تكن الكلمة مجرد بيان دبلوماسي ينتهي بانتهاء أعمال الدورة الدولية، بل جاءت بمثابة “وثيقة موقف استراتيجي” في لحظة فارقة يُعاد فيها تشكيل الخرائط وتوازنات القوى.
إن الرسالة الأكثر عمقاً التي وجهتها مصر من على منصة الجمعية العامة تتلخص في أن السلام الدائم لا يمكن أن يُبنى على أنقاض العدالة، ولا على سياسات الأمر الواقع التي تتجاهل الحقوق الوجودية للشعوب- سواء كان ذلك حق الشعب الفلسطيني في أرضه ودولته، أو حق الشعب المصري التاريخي والوجودي في مياه النيل.



