صناعةُ الذريعة لقتل قاليباف: حين تُفصَّلُ «طائرةُ» الحربِ على مقاسِ الانتخابات

 

 

#لكلِّ حربٍ ذريعةٌ تُخترَع قبلَها… واليومَ يُحاكُ الخيطُ من قمرةِ طائرة.

 

#المقدمة

 

حين ينفي جيشُك روايتَك مساءً، ثمّ تُفصَّلُ لك «مؤامرةٌ» صباحاً، فاعلمْ أنّ الذريعةَ تُصنَعُ لا تُكتشَف. هبطت طائرةُ «فلاي دبي» اضطرارياً في تبوكَ إثرَ حادثةٍ في قمرتِها. العالمُ يقرأُها شجاراً بين طيّارَين؛ إسرائيلُ وحدَها تقرأُها «11 سبتمبرَ إيرانياً». هذه الفجوةُ بين الروايتين ليست تفصيلاً؛ إنها مسرحُ الجريمةِ السياسية.

 

#أولاً: القرينةُ التي تُدين التأطير

 

المصادرُ الدوليةُ تصفُ الحادثةَ اشتباكاً داخلَ القمرة. لكنّ ماكينةَ نتنياهو حوّلتها في ساعاتٍ إلى «محاولةِ إسقاطِ طائرةٍ على هدفٍ إسرائيليّ» بتدبيرٍ إيراني، مع مسؤولٍ يتوعّد: «إيرانُ ستدفعُ الثمنَ غالياً». والدليلُ الذي يفضحُ الفبركة جاء من داخلِ البيتِ الإسرائيليِّ نفسِه: لابيد أكّد أنّ لا شيءَ يشبهُ حادثةَ الطائرةِ ظهرَ في الإحاطةِ الأمنيةِ مساءَ أمس. أي أنّ «المعلوماتِ المسبقة» عن مؤامرةٍ إيرانيةٍ تناقضُ ما قيل قبلَ ساعاتٍ في أعلى غرفةٍ أمنية. حادثةٌ غامضةٌ + اتهامٌ فوريٌّ جاهز + تهديدٌ بالثأر = وصفةُ صناعةِ ذريعة.

 

#ثانياً: لماذا الآن؟ — الذريعةُ بنتُ التوقيت

 

بالأمسِ افتعلَ نتنياهو طوارئَ من قاعدةٍ جوية فكذّبه جيشُه؛ اليومَ تأتي «الطائرةُ» لِتملأَ الفراغَ الذي عجزَ التصريحُ عن ملئه. من يبحثُ عن حدثٍ مؤسّسٍ يبرّرُ ضربةً قبلَ 27 تشرين، وجدَ ضالّتَه في قمرةِ طيّارَين. الذريعةُ لا تُصنَعُ لذاتها، بل لِما بعدَها.

 

#ثالثاً: تحذيرٌ — إلى أينَ تقودُ الذريعة؟

 

هنا يجبُ أن نُحذّرَ بصراحة، لا أن نجزمَ بغيب. الغايةُ الأخطرُ من هذا التأطيرِ قد تكونُ تمهيداً لعملٍ اغتياليٍّ كبيرٍ يُحمَّلُ على «ردِّ الطائرة». والهدفُ الأثمنُ المرشّح: رأسُ الهرمِ التفاوضيِّ الإيرانيِّ الصلب — قاليباف، الذي جعلَ فتحَ هرمزَ رهنَ شروطِ طهران، فصار خصماً نداً لا يُلتَفُّ عليه. كسرُ هذا الرأسِ يحقّقُ للعدوِّ أربعاً معاً: تحطيمُ العقدةِ التفاوضية، وخدمةُ مشروعِ التطويقِ الذي رعاه لقاءُ أبوظبي، وصناعةُ «إنجازٍ أمنيٍّ» يُحصَدُ في الصناديق، واستدراجُ القيادةِ العليا للظهورِ والانكشاف. من يقرأُ الذريعةَ بمعزلٍ عن هذه الغاياتِ يقرأُ نصفَ المؤامرة.

 

#رابعاً: لماذا هي مقامرةٌ لا إنجاز؟

 

لأنّ الاغتيالَ الكبيرَ في هذا التوقيتِ لا يكسرُ إيرانَ بل يُفجّرُ رداً قد يجرُّ المنطقةَ إلى ما لا تريدُه واشنطنُ قبلَ انتخاباتِها، ويرفعُ النفطَ فوقَ سقفِه، ويكشفُ أنّ «الذريعةَ» مفبركة. من يظنُّ أنّ قتلَ مفاوضٍ يُنهي التفاوضَ يجهلُ أنّ القرارَ في طهرانَ مؤسسيٌّ لا فرديّ؛ يسقطُ الرأسُ فيقومُ سواه، ويبقى الشرطُ الإيرانيُّ قائماً. أمّا استدراجُ القيادةِ للظهور، فطُعمٌ لا تبتلعُه عقيدةٌ تعلّمت من كلِّ اغتيال.

 

#الخاتمة: التحذيرُ والخلاصة

 

الخلاصةُ: نحن أمامَ ذريعةٍ تُفصَّلُ على مقاسِ رجلٍ غارقٍ انتخابياً، يريدُ حرباً أو اغتيالاً يُنجيه من صندوقٍ يلفظُه. يراد من هذه المسرحية قتل قاليباف واستدراج السيد مجتبى خامنئي للظهور. التحذيرُ واجب: أيُّ عملٍ اغتياليٍّ يُبنى على «حادثةِ الطائرة» هو جريمةٌ مسبقةُ التبرير، وفخٌّ مكشوفُ الغاية.

 

وللمحورِ وبيئتِه: لا تُصدّقوا الذريعةَ، وافضحوها بالحقيقةِ الدوليةِ التي تُكذّبُها؛ واحذروا الاستدراجَ إلى ردٍّ أو ظهورٍ يخدمُ توقيتَ العدوّ لا توقيتَكم؛ والوعيُ بأنّ الفبركةَ نصفُ سلاحِها هو نصفُ إبطالِها. من يفتعلُ ذريعتَه على الهواءِ يكشفُ أنّه بلا قضية؛ ومن يُفصّلُ حربَه على مقاسِ انتخاباتِه يقايضُ دمَ المنطقةِ ببقاءِ كرسيّه. فلا تمنحوه لا الذريعةَ ولا الصورة.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر –

شارك