تاريخ العلاقات العثمانية – التركية مع الحركة الصهيونية وإسرائيل

مركز آتون للدراسات | الموقع الرسمي

 

تحليل: د. رائد المصري/ أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية

 

توطئة:

 

بدأت العلاقات التركية_ الإسرائيلية رسمياً، في العام 1949 بإعتراف تركيا كأول دولة ذات أكثرية مسلمة بدولة إسرائيل، فهي سبقت إيران التي تأخَرت بإعترافها إلى العام 1950، حيث تطوَّرت هذه العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، في مختلف الحقول والميادين العسكرية والإستراتيجية والدبلوماسية، لتصبح إسرائيل أكبر شريك عسكري ومورِّد أسلحة للدولة التركية، وتوثَّقت علاقات التعاون السياسي والدبلوماسي بين الدولتين، على أساس وجود هواجس مشتركة لديهما، بسبب إضطراب الأوضاع في دول الشرق الأوسط، كما إستمرت علاقات التعاون الإستراتيجي بينهما حتى أواخر العام 2008، حين بدأت تشهد بوادر أزمة ثقة بين قيادة البلدين، بسبب الحرب التي شنَّتها إسرائيل ضدَّ قطاع غزة، بالإضافة إلى أسباب أخرى عديدة.

 

وتاريخياً، تعود علاقة اليهود بتركيا إلى الإعتقاد اليهودي، بأنَّ سفينة نوح قد إستقرَّت بعد الطوفان على قمة جبل أرارات في سلسلة جبال طوروس، وعلى مقربة من مثلّث الحدود الراهنة مع كل من أرمينيا وإيران، وكان قد أشار المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس، الذي عاش في القرن الأول، بحديثه عن وجود أصول يهودية في العديد من مدن آسيا الصغرى، الى أن حدثت الهجرة اليهودية الكبيرة نحو آسيا الصغرى في عهد الإمبراطورية العثمانية، فلقد أصدر السلطان بايزيد الثاني 1481_1512 ،خلف محمد الفاتح، دعوة رسمية إلى اليهود للإستقرار في بلاده، على أثر حملة الإضطهاد التي تعرّضوا لها في إسبانيا والبرتغال العام 1492 بعد طرد المسلمين من الأندلس، ورحَّب كذلك بإستقبال الجاليات اليهودية في المدن الغنية والمزدهرة من الإمبراطورية، وخصوصاً في القسم الأوروبي الذي حكمته السلطنة، أي في مقاطعات إسطنبول، وساراييفو وسالونيكا ونيكوبوليس وغيرها، وأيضاً في مناطق الأناضول وعلى شواطئ المتوسط الشرقية، وصولاً إلى القدس وصفد ودمشق والقاهرة، حيث نَعِمَت الجاليات اليهودية بالإستقرار الكامل، من خلال القانون الخاص بالمِلل غير الإسلامية، الذي إعتمدته السلطنة العثمانية، بعد أن خيّمت أجواء التسامح التي لم تكن موجودة في أوروبا المسيحية في تلك الحقبة.

 

بعدها بلغ عدد اليهود في السلطنة مع بداية القرن العشرين نصف مليون نسمة، لكنه بدأ بالتناقص مع بدء خسارة السلطنة التي كانت تسمَّى بالرجل المريض، المقاطعات المسيحية في بلاد البلقان، وتسبَّبت ما سمِّيت بضريبة الثروة التي طُبقت العام 1942 ، بهجرة العديد من العائلات اليهودية والمسيحية على حدٍّ سواء، كما تسبَّبت الهجمات التي شهدتها تركيا ضدَّ الجاليات اليونانية والأرمنية، في هجرة ما يقارب عشرة آلاف يهودي من تركيا، وخصوصاً بعد الهجمات التي تعرَّضت لها متاجر الأقليات ومنازلها في مدينة إسطنبول العام 1955.(1)

 

واليوم، تواجه العلاقات التركية_ الإسرائيلية، أزمة ثقة، بدأت مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم العام 2002، وقد دفعت حادثة الهجوم على أسطول الحرية، الذي كان متوجهاً لفك الحصار عن قطاع غزَّة، إذ وصلت الأمور إلى حدود المواجهة السياسية المفتوحة بين الطرفين، ولكنها بقيت دون مستوى قطع العلاقات الديبلوماسية، ويبدو بوضوح أنَّ إسرائيل لم تتفهَّم المتغيّرات التي طرأت بوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وخصوصاً محاولاته التي نجح فيها، بإنتزاع المبادرة من يد جنرالات الجيش، كخطوة على طريق إرساء حكم، يقدر فيه على خدمة المصالح التركية إبقاء هيمنة الحزب دفي الداخل والخارج.

 

تهدف هذه الدراسة، الى إستعراض المرحلة القوية لنموِّ العلاقات التركية_الإسرائيلية، مع تحليل المتغيِّرات التي طرأت على البيئتين الداخلية والخارجية، واللّتين فرضتا اليوم على حزب العدالة والتنمية، إعتماد خيارات سياسية جديدة، تقضي بإنفتاح تركيا على العالمين العربي والإسلامي، والتي كان من الطبيعي أن تُثير الشكوك الإسرائيلية، وتؤدي بالتالي إلى فقدان الثقة بين الطرفين، بعد العلاقات التاريخية الطويلة، خصوصاً مع النمو السريع للعلاقات التركية_ العربية، بعد أن تجاوبت حكومة أنقرة وقيادتها مع الشارع التركي، حيال الموقف من الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني، وهو ما أدَّى بطبيعة الحال، لدفع العلاقات إلى ما يُشبه حالة القطيعة الدبلوماسية، حيث كان من الطبيعي أن تؤدِّي سياسات حكومة أردوغان، إلى تصادم مع القرارات والمخططات الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وفي قضايا أساسية، كالحرب على العراق، والموقف من الحربين على لبنان وغزة، وأخيراً الأزمة بين الغرب وإيران على خلفية المشروع النووي الإيراني، وستطرح هذه الدراسة مستقبل العلاقات التركية _الإسرائيلية، والخروج بمجموعة إستنتاجات تساعد على إستشراف آفاق التعاون الإقليمي، بعد عودة تركيا كلاعب أساسي.

 

العثمانيون واليهود: من الملاذ الأيديولوجي إلى المأزق الصهيوني عصر الإستيعاب والخدمة الإمبراطورية (1492–1800)

 

تذكر المصادر التركية، أنَّ بداية توطين اليهود المهاجرين من إسبانيا والبرتغال، بعد أن هربوا من المذابح التي قام بها الكاثوليك ضدهم، بدأت في عهد السلطان بايزيد الثاني، الذي قام بإستقبالهم وإسكانهم في عدة مناطق جغرافية تعود للدولة العثمانية، لا سيَّما في سالونيك وأدرَنة، وفي عهد السلطان سليم الأول، تمَّ تنظيم أوضاع اليهود، ويُعتبر دفتر طابو التحرير الخاص بمدينة أدْرنة، من أهم المصادر في هذا الشأن، إذ نَصّ في عام 1519 ، على ذكر ما يُسمَّى بجماعة إسبانيا، وذكر أسماء رؤساء العائلات اليهودية، التي طُرِدَت من إسبانيا وتمَّ إستقبالها وإسكانها في أدرَنة، وتوضح هذه الوثيقة، بأنَّ عدد هذه العائلات قد تجاوز الأربعين عائلة، كما يذكر التركي أحمد آق كوندز، أن الحكومة التركية قدمت في عام 1993، إلى اللَّجنة الأوروبية لحقوق الإنسان الوثيقة السابقة، بالإضافة إلى قوانين “ليفاديا” المرتبطة بسنجق آغريبوز الصادرة في عهد سليم الأول، وفيها الحكم الذي يُبَيِّن كيف سُمح لليهود بالإستقرار في الدولة العثمانية، واليهود الآتون من الغرب يعطون الخراج و25 أقجة كضريبة، وعند إنتقاد البعض للدولة العثمانية، إستقبال الصهاينة واليهود من الأندلس في الأراضي الإسلامية، يردُّ الأتراك المعاصرون، بأنَّ هذا الأمر، تمَّ في إطار تراث عهد الذمة، ومعاملة أهل الكتاب في الإسلام، في الوقت الذي أهْملوا فيه مسلمي الأندلس وجعلوهم يواجهون مصيرهم.

 

هنا وفي هذا الصدد، يقول المفكر والمناضل عبدالله أوجالان، بأنه قد كانت القومويةُ اليهوديةُ تتحركُ على شكلِ جناحَين خلال تلك الفترةِ المتسارعة، أولُهما، الجناحُ الناشطُ مع البورجوازيةِ البيروقراطيةِ الألمانيةِ والتركية، وثانيهما، الجناحُ الناشطُ مع البورجوازيةِ اللّيبراليةِ الإنكليزية، ويضيف، أن الجناحُ الأولُ كان يبحثُ عن وطنٍ منضوٍ تحت لواءِ وحدةِ الإمبراطوريةِ العثمانية، ومن بين المناطقِ التي جرى التفكيرُ فيها، كانت الأولويةُ من نصيبِ مدنِ إزمير ومانيسا وسلانيك وأدرَنة ومنطقة كردستان العراق الحالية، كما كان هناك مَن يَقبلُ بالإمبراطوريةِ وطناً دون تقسيمِها إلى مقاطعاتٍ محلية، وغالباً ما كان الدونمة، أي اليهودُ السبطائيين الذين يَعتَبِرون أنفسَهم يهوداً أتراكاً، ينتمون إلى هذه الفئة، وكونُ جميعِ الكوادرِ البارزين في جمعيةِ الإتحاد والترقي ماسونيين، وتعويلُهم على التركياتية (العربُ منهم والكردُ والألبانُ والشراكسة والآخرون)، إنما يبسطُ مدى قوةِ نفوذِ هذه الرؤية، إذ كانوا يشكّلون ضرباً من إئتلافِ الأتراك المتشددين من الأصولِ غيرِ التركية.

 

ويضيف أوجالان شرحه، أنه كان كوادرُ السلطةِ في جمعيةِ الإتحادِ والترقي وحزبِ CHP على حدٍّ سواء، سيُشَكِّلون مَن يتبنَّى هذه الرؤية، وكانت فلسفتُهم الوضعيةَ الدوركايميةَ الفظة، ورغمَ ظهورِهم بالمظهرِ التركيِّ المتطرف، إلاَّ أنّ كلَّ واحدٍ منهم كان يَعودُ إلى أصلِه الباطنيِّ كلّما واتَته الظروف، فيصبحُ قوموياً عربياً أو كردياً أو ألبانياً أو شركسياً أو أرمنياً أو رومياً أو بلغارياً متطرفاً، لقد كانوا يتحركون كإشتقاقٍ من المرتبةِ الثالثةِ للتجاربِ المُعاشةِ في أوروبا، وكانوا متأثرين بالدولتيةِ القوميةِ الفرنسيةِ والألمانيةِ بصورةٍ خاصة، بينما كان الجناحُ الثاني الأضعفُ، يتكونُ من الشرائحِ المُواليةِ للإنكليز، والتي تحلمُ بوطنٍ في أفريقيا أولاً، لكن، وحصيلةَ تمزُّقِ أوصالِ الإمبراطوريةِ العثمانية، طغَت عليها تدريجياً ميولُ إختيارِ فلسطين كأنسبِ منطقةٍ لها، فشُيِّدَت فيها المملكةُ اليهوديةُ–الإسرائيليةُ التقليدية، كان هذا الفريقُ يفكرُ بإنتهاءِ عمرِ الإمبراطورية وبضرورةِ تفكيكِها، وكانت معاهدةُ “تلسيت” المُبرَمةُ بين فرنسا النابليونيةِ وروسيا القيصريةِ في 1807 ، تُشَكِّلُ الدعامةَ الركنَ لهذا الرأي، لقد كانوا بمنزلةِ جناحٍ وطيدٍ وضخم، بالرغمِ من تمثيلِهم ضمن جمعية الاتحاد والترقي.

 

ويجزم أوجالان، بقوله: تنتصبُ أمامنا هنا ظاهرةُ مصطفى كمال، الذي يمثلُ الراديكاليةَ النموذجيةَ للبورجوازيةِ الصغيرةِ في ظلِّ ظروفِ الإحتلال، تماماً مثلما حصلَ وقتَها في روسيا والصين، هذا وإنّ مصطفى كمال المألوفَ في ظلِّ ظروفِ الإحتلالِ، مختلفٌ عن أتاتورك الذي كَوَّنَه الوضعُ السائدُ حينذاك، وكأنه أُنجِزَت ثورةٌ مضادةٌ في قلبِ الثورة، وهذه الثورةُ المضادةُ لَم تتحققْ في 1950، بل في 1925،وإذا عُدنا ثانيةً إلى الحقيقةِ اليهودية، يتعينُ علينا إستيعابُ دورِ اليهودِ في ثورةِ 1925 المضادة، إذ، وبحُكمِ طبيعتِه، ما كان بوسعِ مصطفى كمال المثابرةُ على راديكاليةِ البورجوازيةِ الصغيرةِ خارج ظروفِ الإحتلال، فالقوى الكائنةُ على يسارِه والمُواليةُ للسوفييت قد قُضِيَ عليها منذ زمنٍ طويل، وفي ظلِّ أوساطِ الثورةِ المضادةِ المُفتَعَلةِ بالمؤامرةِ الإستفزازيةِ التي إستهدَفَت الشيخ سعيد في 15 شباط 1925، كانت العقليةُ والطاقمُ الكادريُّ في جمعيةِ الإتحادِ والترقي، قد أمسكوا بزمامِ أمورِ الدولةِ الجديدةِ هذه المرة داخل CHP، وإستفردوا بها بصورةٍ تامة، فرسموا بأنفسِهم ملامحَها الأيديولوجيةَ والسياسية، أما حصةُ رئاسةِ الجمهوريةِ التي أُنيطَت بمصطفى كمال، فكانت فخريةً لا غير، والإغتياظُ الذي ساوَرَ مصطفى كمال من مجرياتِ الأحداث يؤيدُ مصداقيةَ هذه الحقيقة، فضلاً عن أنّ تجربةَ الحزبِ الليبراليِّ الجمهوريِّ أيضاً، برهانٌ قاطعٌ آخر، حيث وجَّهَت الانتقادَ إلى برنامجِ CHP، الذي أُعِدَّ سنةَ 1935 بإشرافِ أمينِه العامِّ رجب بكر، مشيرةً إلى مُحاكاتِه لفاشيةِ موسوليني، أنتهى نص الإقتباس لأوجالان.(2)

 

وعليه، تُجمع الكتابات التاريخية، على أنَّ اليهود عانوا من الإضطهاد في أوروبا، أكثر من باقي الأماكن في العالم، وهو ما جعل الإنتماء إلى اليهودية، يعادل القتل أو النفي في كثيرٍ من فترات التاريخ الوسيط في أوروبا، هذا الإكراه وهذه الحالة من الإضطهاد، دفعت صهاينة اليهود إلى البحث المستمر عن نظام سياسي يحتويهم ويأويهم، مهما كلَّف ذلك من تنازلات في التعامل السلوكي أو الإمتياز المادي، بحيث يمكن القول، أن بعضاً من حدود الدولة العثمانية، شملت مناطق عاش فيها اليهود، وكان لسلاطين آل عثمان علاقة خاصة جداً مع الصهاينة من اليهود، لذلك كان قبولهم لهم بإحتوائهم داخل النسيج المجتمعي للدولة كلّها، فذلك شجع يهود الشّتات على إختيار الأناضول ملجأً ومستقراً لهم، خاصة بعد التعامل الإيجابي الذي عوملوا به من طرف الأتراك، على خلفية التنسيق بين السلطة العثمانية واليهود القريبين جداً من بلاط السلاطين.

 

وهنا بدأ وصول الأفواج الأولى من اليهود، بعد عمليات طردٍ ونفْي تعرَّضوا لها في أوروبا، وكانت البداية في مدينة بورصة التركية، التي نزلت فيها جماعات أُطلق عليهم الرومانيوت، نسبة لحديثهم باللّغة الرومية، ثم أضيف إليهم الأشكيناز، وهم اليهود الفارُّون من فرنسا، إضافة إلى السفَرديم الذين جرى نفيُهم من إسبانيا سنة (1470)، وأيضاً الجماعات الأخرى التي هربت من أوروبا الشرقية مثل بولندا وأوكرانيا.

 

فبعد سقوط غرناطة عام 1492، تضاعفت الهجرات الجماعية اليهودية، نحو إسطنبول والمدن القريبة منها في الجانب الأوروبي وفي الأناضول، بعد أن نشطت محاكم التفتيش الأوروبية، والأوامر بطرد ونفْي المسلمين واليهود، الذين نجوا من الحرق في الأفران، ومع وصول اليهود إلى الأراضي العثمانية، وجدوا من سلاطينها الحماية التامة والمعاملة التفضيلية، ظاهرياً تحت شعارات التسامح وحرية المعتقد وعقْد الذمة، وباطنياً بسبب إعتبارات براغماتية، حيث رأى العثمانيون في العقلية التجارية الصهيونية، مرتكزاً مالياً يُمكن الإعتماد عليه، في دعم أجندات الدولة في الداخل والخارج.

 

تسلَّل اليهود إلى قصور السلطنة العثمانية في وقت مبكِّر من تاريخ الدولة، وفي سنوات قليلة، أصبحوا المتحكِّمون في مفاصلها، فوجدوا موطئ قدم في الدولة العثمانية في فترتها الأولى، وقد وصلت بعض الشخصيات اليهودية إلى مكانة مرموقة، ففي عهد السلطان مراد الثاني 1421-1451، سمح لهم بتملُّك الأراضي، فلقَّبوه بالرجل الإنساني الكبير، وخلال عهد مراد الثاني، برز كبير الأطباء الصهاينة إسحاق باشا، وهو من أوائل الذين أصبح لهم نفوذ واسع في بلاط السلطان، حتى أصدر مراد فرماناً، يُعفي هذا الطبيب وعائلته من الجزية، وكان ذلك بداية لتولِّي العديد من الأطباء اليهود مناصب ووظائف مهمَّة في الحكومة العثمانية، كما إستدعى محمد الفاتح، العديد من العائلات اليهودية للعيش في إسطنبول، وبرز في عهده الطبيب يعقوب اليهودي، الذي حصل على رتبة الوزارة، وقد قام بأعمال دبلوماسية مختلفة للدولة العثمانية، في مقابلها أعْفته من الجزية والضرائب، ولا شك فقد نَعِم اليهود في الدولة العثمانية أيام الفاتح، بعيشٍ رغيد يختلف بشكل كبير عما كانوا يجدونه من حكومات أوروبا.

 

وعلى أية حال، فقد إستفاد اليهود كثيراً من نظام ميليت في الدولة العثمانية، وهو أشبه بنظام المواطنة، فجعلهم يتمتّعون من خلاله بمرور الوقت، ببعض من مزايا الإستقلال، وأصبح الحاخامات يمارسون سلطتهم في شؤونهم الدينية وحقوقهم المدنية، بعد إستقرار اليهود في أراضي الدولة العثمانية، في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وتجمُّعهم من شتاتهم من جهات الأندلس، التي طُرد منها قرابة 300 ألف يهودي، توزَّعوا بين البرتغال وإيطاليا والمغرب والدولة العثمانية.

 

وفي عهد السلطان بايزيد الثاني 1481-1512م، تقدمت إليه مجموعة من حاخامات اليهود_ الصهاينة، بطلب السماح لهم بالهجرة إلى الدولة العثمانية، وقد لبّى بايزيد هذا الطلب دون قيدٍ أو شرط، وجلبهم من الأندلس وأسْكنهم تركيا العثمانية وثغورها، وأرسل جزءاً منهم إلى جزيرة ساقز، وأمَر بأن يعيش هؤلاء بحرية تامة، بل أكثر من ذلك، فقد أمَر ولاة الأقاليم في الدولة، بعدم رفض دخول اليهود أو إثارة المتاعب أمامهم، وأن يتمَّ إستقبالهم بحرارة وحفاوة، ويقول عن ذلك الكاتب الإنجليزي ذي الأصول اليهودية والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط برنارد لويس: أنه لم يُسمح لليهود فقط للإستيطان في الأراضي العثمانية، بل إن العثمانيين شجَّعوا وساعدوا اليهود، وفي بعض الأحيان أجبروهم على الإستيطان، وهو ما أكَّد عليه المؤرخ الفرنسي أندريه ميكال عندما قال: لقد قدمت الإمبراطورية لكلّ هؤلاء كيان الوطن ضماناً، أي أنها قدمت لهم كفالة الأمة المنظمة، والحماية اللازمة تحت سيطرتها الخاصة، وبذلك أصبح كل يهود الإمبراطورية خاضعين للحاخام باشي المقيم في إسطنبول ويعدُّ شخصية رسمية في الدولة.(3)

 

ويشير مؤرِّخو المذكرات الأوروبيون، إلى نفوذ اليهود في بلاط السلطان العثماني، فضلًا عن ثرواتهم المشبوهة، فيقول أحد هؤلاء المؤرخين: أنه لم يكن من الأمور الإستثنائية أن تجد بين اليهود أشخاصاً، يملك الواحد منهم ثروة تصل إلى مائتي ألف دوكاتية وهي عملة أوربية ذهبية، وهو مبلغ كبير جداً في تلك المرحلة التاريخية، ولعلَّ من الشخصيات التي برزت، وكان لها تأثير واسع في الحكومة العثمانية خلال عهديْ سليمان القانوني وإبنه سليم الثاني، اليهودي يوسف ناسي، المنحدر من إحدى العائلات الإسبانية المهاجرة إلى إسطنبول، فالمصادر التاريخية في مجملها تشير، إلى أن نفوذ يوسف ناسي قد بلغ ذروته في عهده، فقد أصبح مسؤولاً عن الخزانة، وكان قائماً على تحصيل الواردات من إثنتي عشرة جزيرة من جزر أرخبيل بحر إيجه، ويذكر أنَّ مداخيل يوسف ناسي السنوية، قد بلغت حوالي ستين ألف دوكاتيه، وبهذا أصبح شخصية نافذة من الجالية اليهودية في إسطنبول، فقد كان يشعر بالثقة والإستقلالية داخل بلاد السلطان العثماني، بل كانت له تأثيراته السياسية وسلطته الواضحة على العلاقات العثمانية الفرنسية آنذاك، الى أن إنتهى نفوذه الفعلي بوفاة السلطان سليم الثاني، وهناك شخصيات يهودية كثيرة في تاريخ الدولة العثمانية، كان لها تأثيرها في الحكومة العثمانية على المستوى السياسي والإقتصادي والإجتماعي.

 

فقد حظي اليهود داخل حدود الدولة العثمانية، بمكانة لم يحظَ بها غيرهم من باقي الديانات والأعراق، نظراً لمداخيلهم التجارية التي ظهرت بصْمتها على الإقتصاد التركي، وأيضاً الدعم المالي السّخي للباب العالي، حيث بلغ الأمر ببعضهم إلى إقراض سلاطين آل عثمان مبالغ مالية مهمة، للتصرف فيها حسبما تقتضيه مصلحتهم الخاصة أو العامة، إذ ساهم موقع اليهود في الدورة الإقتصادية للدولة العثمانية، في تمتّعهم بإمتيازات ومناصب عُليا، جعلت غيرهم من أهل الذمة، وخاصة الروم والأرمن، يحقِدون عليهم ويتنافسون معهم ويكيدون لهم، ورغم هذا التدافع الديني والعِرقي، فقد إستطاع اليهود أن يكوِّنوا لوبياً قويّاً داخل عجلة الإقتصاد للدولة العثمانية، ووجدوا طريقهم إلى البلاط السلطاني، ليعيشوا حالة من الرخاء والإستقرار، جعلت المؤرخين يطلقون على تلك الفترة العصر الذهبي لليهود، كما ويوضح التاريخ أنَّ العلاقات التركية الإسرائيلية المتميزة لم تنشأ من فراغ، بل نتيجة مرتكزات قديمة، إستمرت حتى بعد سقوط العثمانيين ودولتهم، هذا التتويج جسدته الإحتفالات التي أقامتها الصهيونية العالمية سنة 1992 بمناسبة الذكرى الخمسمائة للترحيب الرسمي الذي قدمته الدولة العثمانية لهم عام 1492.

 

السلطان عبد الحميد الثاني والحركة الصهيونية.. الواقع السياسي خلف الأسطورة

 

أولاً: الأوضاع العامة للدولة العثمانية

 

عُرف السلطان عبد الحميد الثاني بحنكته السياسية، إذ كان رجلاً لامعاً وأديباً، صاحب فكر ثاقب ومتوقِّد، يُدرك كل ما يدور من حوله بفطنته وسرعة بديهته، كان مجتهداً يتمتَّع بطاقة وحيوية كبيرتين، ويهتم بكلّ شيء، ويتابع كل صغيرة وكبيرة في قضايا السلطنة، وكانت له معرفة قوية بالشؤون الأوروبية، فهو يعرف باللُّغات والعادات والشؤون الخارجية لكلا العالمين الغربي والشرقي، إذ إرتكزت سياسته الخارجية على السلطة المركزية، والتوازن والإعتدال والإستقلالية وعدم الإنحياز، فهو شخصية ليست ضعيفة لا تقرأ ما يدور حولها من أحداث، حيث مرَّت الدولة العثمانية إبَّان حكمه، بأزمات دولية وأخرى داخلية، هدَّدت مصير الدولة ووحدة أراضيها، فمنذ اليوم الأول الذي تربَّع فيه على عرش الإمبراطورية، وجد أنَّ ثورات هادرة تعمّ إقليمي البوسنة والهرسك وفي بلغاريا، إضافة إلى الحرب المباشرة مع روسيا القيصرية، التي كشفت عن ضعف الدولة العثمانية في حماية حدودها، كما إستولت فرنسا على تونس عام 1881، وإنكلترا على مصر عام 1882.

 

داخلياً، فقد تمَّ إعلان الدستور عام 1876 وإنشاء مجلس نيابي، لكن السلطان عبد الحميد عاد وعطَّل الدستور وحلّ البرلمان سنة 1878، وهو ما جعل حكمه أوتوقراطياً على مدى ثلاثة عقود متتالية، ومعها كانت خزينة الدولة فارغة، الأمر الذي دفع الحكومة، إلى البحث بإستمرار عن مصادر دولية جديدة للقروض بفوائد وشروط غير مريحة، فهي ترِكة ثقيلة ورثها السلطان عبد الحميد، لكنه نجح في المحافظة على حكمه، عبر كسْب ولاء المسلمين بدعمه فكرة الجامعة الإسلامية، التي رأى من خلالها وفيها، سياجاً يحمي الدولة من الأخطار التي كانت تهدِّد بها الدول الغربية، وفي المقابل حارب الأفكار اللِّيبرالية والقومية، مستعيناً بأجهزة أمن قمعية، تعتمد على شبكة واسعة من المراقبة والتجسُّس، فهذه السياسات كانت سبباً في الإنتقادات الشديدة التي وُجِّهت إلى نظام حكمه وسياسته الداخلية.

 

في هذا التوقيت كان يطلق مصطلاح الصهيونية، على فئة وجماعة محددة، ظهرت في أوروبا، كانت ترى أن اليهود ليسوا جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي، بل هم شعب الله المختار والجماعة المقدسة، التي إستوطنت القدس في فلسطين، ويجب أن تهجَّر إليها، وبعد المؤتمر الصهيوني الأول، تحدَّد المصطلح، وأصبح يشير الى الدعوة التي تبشِّر بها المنظمة الصهيونية وإلى الجهود التي تبذلها، وأصبح الصهيوني هو مَن يؤمن ببرنامج بازل، وأصبحت الصهيونية تعني تهجير اليهود المشتَّتين إلى فلسطين، لتأسيس الدولة اليهودية التي تدين بالدين اليهودي، وتتميَّز بالعنصر اليهودي والثقافة اليهودية، وتعمل على بعث مملكة داود، وإعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، ثم إتخاذ فلسطين مركز إنطلاق للسيطرة على المناطق المتاخمة لها، والتي تمتد من النيل إلى الفرات، فإنطلقت الحركة الصهيونية مع مؤسّسها ثيودور هرتزل، الذي بدأ يدعو إلى إنشاء دولة يهودية مستقلة، عبر كتابه الدولة اليهودية الصادر عام 1896 ، الذي نبّه فيه إلى أنَّ مشكلة اليهود مسألة قومية، ويجب على الدول أن تنظر إليها بوصفها سياسة دولية، وعلى الدول المتحضِّرة أن تجتمع لمناقشتها، وقرَّر أن اليهود لا يمكنهم العيش في المجتمعات الأخرى، لأنه ليس لهم مكان يجمعهم، معتبراً أن فلسطين هي الوطن التاريخي الذي لن يُنسى أبداً، وإسمها فقط سيجذب شعب اليهود إليها بقوة، وإعتبر أن السلطان سيعطي فلسطين لهم، مقابل تولِّي إدارة المالية العثمانية كلها، وساندت الجمعيات اليهودية فكرة هرتزل ومشروعه، الذي أُطلق عليه لقب موسى الجديد، ودعته إلى قيادة الحركة السياسية، وبهذا يكون هرتزل، قد شكَّل حجر الأساس في إنطلاقة الحركة الصهيونية وتحقيق أهدافها في إستعمار فلسطين.

 

ثانياً: موقف السلطان عبد الحميد الثاني من الهجرة اليهودية إلى فلسطين

 

كانت فلسطين تشكِل في مرحلة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وكانت تابعة لأقسام الشام الإدارية، وبناء على توجُّهات السلطان عبد الحميد، فقد ثُبِّتت متصرفية القدس الشريف عام 1887، كياناً إدارياً مستقلاً عن ولاية سورية، تُحكم من القدس ومرتبطة بوزارة الداخلية مباشرة، وأصبحت فلسطين تُدار من مركز إسطنبول مباشرة، ، وأن إجراء أي تصرُّف أو إتفاق للحكام الإداريين، كان يتطلب تفويضاً رسمياً من إسطنبول، ولقد تمَّ العمل بهذا النظام المركزي، لضمان عدم وجود أي إنحراف في تطبيق الفرمانات والأوامر المركزية، وخلال حكم الدولة العثمانية للبلاد العربية، كان اليهود من رعايا السلطان، ينتقلون بحرية من فلسطين وإليها، وأقاموا في الأماكن المقدسة في القدس وصفد وطبريا والخليل، ومع نظام الحماية الذي طبَّقته الدولة العثمانية على الأقليات الدينية، عبر منحهم المساواة التامة مع المسلمين، أصبح هؤلاء الرعايا يلجأون إلى القناصل الأجنبية في القدس، ليكونوا تحت حماية دولهم، وليصبحوا مواطنين أجانب لهم إمتيازات أجنبية معطاة لهم بشكل كامل.(3)

 

كما زاد قرار إصدار فرمان تملُّك الأجانب لعام 1869، من قدوم اليهود الأجانب إلى فلسطين، ولم تدقِّق الدولة العثمانية في أسباب دخولهم، الأمر الذي مكّنهم من شراء الأراضي، والبدء في إنشاء المستعمرات، وأعطيت لهم الحقوق الكاملة، في التملك والعمل على كلِّ الأراضي العثمانية، ما عدا الحجاز، كما أدّت عوامل عديدة دوراً أساسياً في تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين منها، المذابح والإعتداءات المنظمة ضد اليهود في روسيا عام 1881، التي أسفرت عن هجرات جماعية إلى فلسطين، والنشاطات التشجيعية التي كان يقوم بها أغنياء يهود أوروبا أمثال روتشيلد وهيرش، وكذلك الجمعيات اليهودية التي كانت تهدف إلى مساعدة يهود أوروبا، ومنها التحالف الإسرائيلي العالمي.

 

من حكم البلاد بشكل مستقل، ليسارع بعدها إبن جنبلاط، إلى عقد معاهدة مع الآرشيدوق فرديناند ملك حكومة توسكانا، وأمام هذا التحدي للسلطان العثماني، كلّف الصدر الأعظم الشهير قويوجى مراد باشا، بإخماد ثورة إبن جنبلاط، ليلتقي الجيشين في سهل أورج بتاريخ 24 أكتوبر سنة 1607، ودارت بينهما معارك دامية، قضت على نصف جيش إبن جنبلاط، وهو ما إضطره إلى التراجع والإنسحاب، وعلى إثر هذه الهزيمة، توجَّه إبن جنبلاط إلى الآستانة، بعد أن عفا عنه السلطان أحمد الأول، وعينه بكلربكيا لإيالة طمشوار، غير أن هذا العفو، لم يجد قبولاً عند الصدر الأعظم مراد باشا السفاح، فأرسل من يقتله في قلعة بلغراد، وهو في الطريق إلى عمله.

 

وفي عام 1806، نشبت ثورة كبرى في منطقة السليمانية، قادها الزعيم الكردي عبد الرحمن باشا الباباني، وتمكَّن خلالها الأكراد من تحقيق نجاحات تكتيكية مهمة، لكنها لم تكن كافية لتحقيق الهدف السياسي الأسمى، في الإستقلال عن سلطة العثمانيين، وبقيت الإشتباكات مستمرة لمدة سنتين، حقَّق فيها الأكراد إنتصارات مهمة، ولكن الثورة إنتهت بمقتل زعيمها في إحدى المعارك، ولم يكن هناك من يتولى القيادة بعده، فإنتهت الثورة في مهدها وفي سنواتها الأولى، وكذلك في عام 1812، إندلعت في السليمانية أيضًا ثورة أخرى، بقيادة أحمد باشا الباباني، وإستطاعت تحقيق نتائج باهرة، وهو ما دفع الثوار إلى محاولة الزحف على بغداد للإستيلاء عليها، وهو الهدف الذي كاد يتحقق لولا وفاة زعيمها، لتلقى الثورة مصير سابقتها، وفي العام 1820، ثار الأكراد في منطقة الظاظا، وإمتدت ثورتهم إلى باقي المناطق الكردية، وإستمرت بضعة أشهر قبل أن تفشل، بسبب نقص المؤونة وقلَّة التسليح، وهو ما دفع الثوار إلى التحصُّن بالجبال، قبل أن يقوم الأتراك بمحاصرتهم وتعطيل نشاطهم الثوري، وبذلك شكّلت ثورة الظاظا عاملا مضافاً، إلى الجرائم التي تورَّط فيها العثمانيون بحقِّ السكان الأصليين، وبعد عقدٍ من الزمن، ثار الأكراد في منطقة سنجار عام 1830، وإنتظرها المصير ذاته، بالنظر إلى المقدمات نفسها التي سبقت إنطلاق شرارة الثورة.

 

وفي تحليل لإحدى أهم الثورات الكردية، نعطي دليلاً كافياً على إزدواجية المعايير التي تعاملت بها السلطنة العثمانية، ومن بعدها الدولة التركية ما بين حق الأكراد التاريخي في الوجود وما بين موجات هجرات لقطعان المستوطنين من اليهود الى الأراضي العربية وفلسطين، والتي تميَّزت من خلال وجود زعامة ثورية تمثل القيادة، فإنَّ الملاحظ من خلال ما تقدم، أن زعماء العشائر ورؤساء القبائل الكردية، تبنُّوا ولو مُكرهين الخيار الثوري للتحرُّر، كونه إحدى المداخل العنيفة المشروعة لتحقيق الحلم القومي للأكراد في الإستقلال، عبر السيطرة على المناطق الكردية، إذ يبدو أن غياب تنظيم مركزي يمثّل الطليعة التحررية، وزعيمٍ حقيقيٍ يملك أدوات الضبط والربط، بمفهومها العسكري، بين القبائل والعشائر، ذلك كلّه ساهم في فشل هذه المحاولات، لينخفض مستوى تطلُّعاتهم: من الإستقلال إلى الحكم الذاتي.(6)

 

كقناة إتصال بين سوريا وإسرائيل، وفي زيارة إستمرت ثلاثة أيام لأنقرة في نوفمبر 2007، إلْتقى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بالرئيس التركي عبد الله غول، وألْقى كلمة أمام الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، كما وعد غول بتقديم المساعدة للإفراج عن ثلاثة جنود إسرائيليين مخطوفين وهم: جلعاد شاليط، إيهود غولدفاسر والداد ريغيف.

لكن هذه العلاقة تدهورت، بعد إدانة الحكومة التركية للنزاع بين إسرائيل وغزة 2008-2009 وتوترت العلاقات بين البلدين، ووصفت السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، بأنها إرهاب ترعاه الدولة، حيث كانت هناك مظاهرات في جميع أنحاء تركيا ضد الأعمال الإسرائيلية في غزة، وفي 5 مارس 2009، ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليومية، أن محادثات المصالحة السرية على أعلى مستوى، قد عقدت لإعادة العلاقات الإسرائيلية التركية إلى مسارها الصحيح، ومع ذلك، منعت تركيا إسرائيل من التدريبات العسكرية لنسر الأناضول، وبعد حظر تركيا مشاركة إسرائيل في مناورة نسر الأناضول العسكرية، إعترض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تركيا كوسيط، قائلاً أنه لا يمكن لتركيا أن تكون وسيطًا نزيهاً بين سوريا وإسرائيل.

كما إنتقد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حينها سلوك إسرائيل في غزة،  وغادر المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا في العام 2009، وفي العام 2010، قُتل تسعة نشطاء، ثمانية مواطنين أتراك وواحد تركي أمريكي يحمل جنسية مزدوجة، وأصيب عدد آخر بجروح على أيدي القوات الإسرائيلية، وأصيب سبعة جنود إسرائيليين بجروح على مافي مرمرة، وهو جزء من أسطول الحرية لغزة، على قافلة من ست سفن تحمل 663 شخصًا من 37 دولة، بما في ذلك نشطاء مؤيدون للفلسطينيين، بعد الغارة التي وقعت في البحر الأبيض المتوسط في المياه الدولية، تصاعد التوتر بين البلدين، كانت إحدى السفن المشاركة ترفع العلم التركي، ووصف رئيس الوزراء التركي أردوغان الغارة بأنها إرهاب دولة، فإستدعت تركيا سفيرها من إسرائيل، وإستدعت السفير الإسرائيلي للمطالبة بتوضيح، وذكرت وزارة الخارجية التركية أن الحادث قد يؤدي إلى عواقب لا يُمكن إصلاحها في العلاقات الثنائية.

نتيجة عدم الإستقرار في الدول المجاورة، ولم يكن في وسعها، الوقوف مكتوفة الأيدي، إزاء ما تعتبره تدخلات خارجية من شأنها زعزعة الإستقرار على حدودها، ومن ثم، فإن إنخراطها في أزمات الإقليم، يعود لإعتبارات تتعلَّق بالأمن القومي، وإستمرار النشاط الإقتصادي، والحفاظ على الإستقرار الداخلي، ووفق هذا المنظور، فإن الإمتناع عن التحرّك، سيؤدي إلى إنتقال حالة الفوضى إلى الداخل التركي.

ولهذا تبنّت أنقرة سياسة إقليمية أكثر حزماً، وهي سياسة تتقاطع بحكم طبيعتها، مع الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في المنطقة، في الوقت نفسه، تتزايد الإنتقادات الدولية للسلوك الإقليمي الإسرائيلي، بما في ذلك من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويرى منتقدو إسرائيل، أن إستمرار الإعتماد على القوة العسكرية والتوسُّع الإقليمي، لا يهيِّء الظروف اللازمة لتحقيق سلام مستدام، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحركات التركية، بوصفها محاولة للحفاظ على توازن إقليمي يعلن معظم الفاعلين الدوليين، على الأقل من حيث المبدأ، تأييدهم له، كما أن التداعيات الإقتصادية لإستمرار الصراعات في المنطقة، بما في ذلك إرتفاع أسعار الطاقة، تُعزِّز الحجَّة القائلة إن عدم الإستقرار في الشرق الأوسط، يفرض كلفة تتجاوز بكثير حدود ساحات الصراع المباشرة.

وُجهة التنافس التركي مع إسرائيل

لم يعدْ التنافس التركي مع إسرائيل يقتصر على أبعاده السرية، بل بات يأخذ طابعاً علنياً بشكل واضح، إلى درجة أن إحتمالية إندلاع المواجهة العسكرية لم تعُدْ مستبعَدة، ففي أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية_الإيرانية، وصف مسؤولون إسرائيليون تركيا، علناً بأنها تهديد آخذ في التشكّل، وذلك على خلفية موقفها الداعم للفلسطينيين، وتصاعد إنتقادات الرئيس رجب طيب أردوغان للقيادة الإسرائيلية، وإستمرار أنقرة في عرقلة الخطط الإقليمية الإسرائيلية، كذلك، أصبحت اللُّغة التي يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون أكثر حدة وحزماً، وهو ما قابله المسؤولون الأتراك بخطاب مماثل، فإنعكس هذا التوتُّر المتصاعد في وسائل الإعلام لدى الطرفين، حيث أصبحت الإنتقادات المتبادلة سِمة مألوفة، كما عمد أردوغان، في تصريحاته العلنية الأخيرة، إلى تغيير نبرته بصورة مقصودة، مؤكداً بشكل صريح، أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان تشكل تهديداً لتركيا، ويعكس هذا تحولاً عن الخطاب الأكثر تحفظاً، الذي ساد في مراحل سابقة، ويتضمَّن في الوقت نفسه، تحذيراً ضمنياً من تداعيات إستمرار هذا المسار.

هنا، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ هذا التحوُّل، لم يحدث بصورة مفاجئة، فقد تغاضت أنقرة لسنوات عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان وفلسطين وإيران، ما دامت ضمن حدود معينة، غير أنَّ تعمّق العلاقات الإسرائيلية مع قبرص واليونان، التي تنظر إليها تركيا بإعتبارها محاولة لتطويقها، أحدث تحوُّلاً ملموساً في إدراكها لمصادر التهديد، حيث تعتقد أنقرة أنَّ حصول إسرائيل على إمكانية إستخدام قواعد عسكرية في قبرص وعدد من الجزر اليونانية، يهدف إلى توفير مواقع إنطلاق عسكرية متقدمة بحال إندلاع حرب، كما تدرك أنقرة، أن جماعات الضغط الإسرائيلية سعت، إلى تعقيد موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي في بعض الظروف المعينة، ومن ثم، فإن إنتقال العلاقة من تنافس خفي إلى مواجهة سياسية أكثر إنكشافاً، يعكس ضغوطاً بنيوية تواجه الطرفين، فإعتراضات تركيا، تنطلق بحسب رؤيتها من رفض ما تصفه بالنزعة التوسعية الإسرائيلية، وليس من الميل إلى الإنخراط في مواجهة عسكرية، أما إسرائيل، فيبدو أنها تُبدي قلقاً متزايداً، من صعود قوة إقليمية ذات غالبية مسلمة، قد تمتلك القدرة على الحدِّ من هامش تحركاتها العسكرية وطموحاتها التوسعية، وفي هذا السياق، يندرج حرص أنقرة على الإعلان بمتابعة الخطط والقدرات والنوايا الإسرائيلية عن كثب، ضمن رسائل الردع الإستراتيجية، التي الهادفة لمواجهة التهديدات الإسرائيلية.

وعليه هنا، لا ينبغي الإستهانة بمخاطر سوء التقدير، فبينما جرى إحتواء مراحل التوتر السابقة بين البلدين عبر القنوات الدبلوماسية، ووساطات لأطراف أخرى، تبدو البيئة الإقليمية الحالية أكثر تعقيداً، لا سيّما في ظلِّ الثقة التي إكتسبتها إسرائيل، عقب نجاحاتها العسكرية التكتيكية منذ السابع من أكتوبر، وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن، وتعزيز تعاونها الأمني مع اليونان وقبرص، وهو ما قد يدفعها  إلى الإعتقاد، بأن القيود الإستراتيجية التي كانت تكبح تحركاتها أصبحت أقل تأثيراً.

بالإضافة إلى ذلك، يكمن الخطر الحالي في تراكم الخلافات غير المحسومة عبر ساحات متعددة، لا في إندلاع أزمة واحدة، صحيح أنَّ سوريا أصبحت ساحة للتنافس التركي_الإسرائيلي، لكنها لم تعد ساحته الوحيدة، إذ تتَّسع الهوَّة بين الجانبين تدريجياً، بفعل الخلافات المتزايدة حول الأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وشرق البحر المتوسط، وطبيعة علاقة كل منهما بواشنطن، ومع إزدياد وضوح طموحات ومستقبل الطرفين، في إعتبار كل منهما الآخر عقبة أمام طموحاته الإقليمية، يُرجح أن يصبح هذا التنافس أكثر ظهوراً وأشد تأثيراً، وأكثر صعوبة على الإحتواء، وإذا كانت سوريا تمثل اليوم ساحة المواجهة الأكثر إلحاحاً، فإنَّ جوهر الصراع، بات يتجاوزها ليتمحور حول شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور في المرحلة المقبلة.  (10)

اليوم وفي هذا السياق، يبرز الدور الأميركي بإعتباره عاملاً حاسماً، فالولايات المتحدة تحتاج إلى تركيا في ترتيبات سوريا الجديدة، وفي الوقت نفسه تريد أن تحافظ على إلتزامها بأمن إسرائيل وتفوّقها، ولذلك، فإن مصلحتها الأساسية، تتمثّل في منع تحوّل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، والعمل على بلورة قواعد غير مُعلنة لتوزيع النفوذ وترسيم حدود الإنتشار ، ومع ذلك، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوات مستقبلية محتملة:

 الأوّل، يقضي بالتوصّل إلى تفاهمات غير مباشرة تسمح بإستمرار التعاون السوري_ التركي ضمن حدود لا تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً.

 الثاني، إستمرار إختبار الخطوط الحُمر من جانب الطرفَين.

 وأمّا الثالث، والأخطر، فتحوّل التنافس إلى سباق على تثبيت وقائع عسكرية متبادلة، بما يشمل نشر دفاعات جوية أو تعزيز الوجود العسكري الدائم، أما التقدير الأرجح، فهو أن الطرفَين سيسعيان إلى تجنّب المواجهة المباشرة، لكن من دون التخلّي عن أهدافهما الأساسية، فتركيا لن تتراجع بسهولة عن إرادتها تعزيز نفوذها داخل سوريا، وإسرائيل لن تَقبل بقيام بنية عسكرية سورية _تركية واسعة، تستطيع مستقبلاً تقييد حرية عملها.(11)

 

 صفحة 386.

3-https://whiteink.info/zionism-and-the-ottoman-empire-1-full-page-57/

4-https://caus.org.lb/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%87/

5- مصطفى مراد الدباغ، «الاستيطان اليهودي في ريف فلسطين في العهدين العثماني والبريطاني، 1854 ـ 1948،» مجلة دراسات عربية، العدد 5 (1975)، ص 30 ـ 35، وعوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث، 1831 ـ 1914، ص 67.

6-https://whiteink.info/the-ottomans-worked-to-impose-the-end-of-history-on-the-kurds/6-

7-https://www.prc.ps/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%87%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A-1864-1939/

8-https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D8%A3%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%83-%D9%88%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D9%91%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9

9- بيان نويهض الحوت، فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة (بيروت: دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1991)، ص 360.

10-على موقع واي باك مشين

Ethnic Turkification and homogenization from Ottoman empire to the Turkish republic: critical investigations

11-https://www.thisislebanon.com/foreign-press/760196/-

12-https://mecouncil.org/ar/blog_posts/%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88/

 

شارك