كيف تحول التوازن الدبلوماسي إلى صك ارتهان وتجريف للسيادة؟

كتب إسماعيل النجار،

 

الجمهورية اللبنانية المستباحه بين ثنائية بعبدا والسراي الحكومي، منعطفات في ميزان التاريخ، كيف تحول التوازن الدبلوماسي إلى صك ارتهان وتجريف للسيادة؟

 

*يخطئ من يظن أن المشهد اللبناني الراهن في عهد الرئيس جوزف عون ورئيس وزرائه نواف سلام مجرد محطة عابرة في كتاب الأزمات اللبنانية الممتده منذ قيام دولة لبنان الكبير؛

إننا اليوم نقف أمام تحول بنيوي جذري يعيد صياغة مفهوم الدولة والسيادة على الطرقه الأميركية الصهيونية!. وهذا يضع البلاد أمام اختبار وجودي لم تشهده منذ عقود. ففي غرف القرار ببعبدا والسراي الحكومي، تتبلور سياسات يراها طيف واسع ووازن من الشارع اللبناني والعربي والنُخَب الوطنية والنقدية أنها تتجاوز العجز التقليدي لتلامس حدود التواطؤ المكشوف.

إنها معادلة ترتكز على محورين خطيرين،،،

أولاً،،، الانكفاء العسكري المريب أمام غطرسة الاحتلال الإسرائيلي، والاستقواء بنخب داخلية وإملاءات خارجية لتجويع وإفقار الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني.

*ثانياً،،، الملف الأمني والعسكري وشرعنة الاستباحة بتسليم مفاتيح الحدود للعدو!.

في قراءة معمقة للمشهد العسكري، يتضح للجميع أن الشعار الذي ترفعه السلطة الحالية حول الالتزام بالقرارات الدولية لم يكن في الواقع سوى غطاء سياسي ودبلوماسي لتعرية الجبهة الداخلية وتفكيك عناصر القوة اللبنانية. فالانتقادات الحادة الموجهة لثنائية عون سلام لا تنطلق من فراغ، بل من معطيات ميدانية صادمة تعكس تسليماً غير مشروط بالواقع الأمني الذي يفرضه العدو الإسرائيلي.

تجلت هذه السياسة الأثرة في عدة مسارات؛

أولها،،، منح العدو حرية الحركة!، ورصد المراقبون الميدانيون انكفاءً غير مبرر من جانب مؤسسات الدولة الرسمية في مواجهة الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية وعمليات الإجرام التي ترتكب آلته العسكرية من قصف وقتل وتجريف مزارع وهدم قرى بكاملها دون أي رادع أو وازع!، واحتلال أجزاء حيوية من الأراضي اللبنانية، فضلاً عن السيطرة المطلقة على الأجواء بمرونة عسكرية كاملة وسط صمت رسمي لبناني وإقليمي ودولي.

هذا الصمت الرسمي اللبناني يُفسر شعبياً وفصائلياً على أنه ضوء أخضر ضمني “وهو كذلك”! وصك أمان رسمي لبناني ممنوح من العهد والحكومة للإحتلال.

*ثانياً،،، تفكيك أوراق القوة اللبنانية التي أرعبت العدو الصهيوني ل ٤٧ عاماً دون أي شك! في الوقت الذي يواصل فيه العدو مناوراته وعملياته التدميرية في قرى الجنوب المحتل،

ركزت جهود السلطة التنفيذية على محاصرة الأنشطة المقاومة وتجريد لبنان من قدراته الدفاعية الردعية تحت لافتة “التنظيم ونزع السلاح”، مما جعل مناطق الجنوب والحدود مكشوفة تماماً ومستباحة عسكرياً.

*ثالثاً،،، الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها مواقف بعبدا السراي بالإضافه إلى تحالف النخبة الحاكمة وثمن “المرونة المأجورة” أبرزت الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية كشاهد إدانة صارخ على النهج الإقصائي للعهد الحالي فالسلطة، بحسب القراءة النقدية الشاملة، اختارت الاتكاء على فئة محددة من النخب المالية والسياسية المقربة، مستندةً إلى شبكات مصالح ضيقة ودعم مالي خارجي مشروط، بهدف تثبيت أركان الحكم وحماية امتيازات هذه الطبقة.

في المقابل، تُركت الغالبية العاجزة من الشعب اللبناني تواجه وحيدةً مصيراً قاتماً قد يؤدي الى الإنفجار الإجتماعي. إذ يئن اللبنانيون تحت وطأة كلفة إعادة إعمار وبنى تحتية مدمرة تجاوزت قيمتها 27 مليار دولار ناتجة عن جولات الصراع، في ظل عجز حكومي مطبق وممنهج عن تقديم أي خطط إغاثية أو خدمات أساسية أدَّت إلى سحق الفئات الهشة، وتحولت المساعدات والمكتسبات الاجتماعية إلى عملة مقايضة سياسية وطائفية، وتم تهميش مئات الآلاف من النازحين وسكان القرى الحدودية المتضررة، لإجبار الشارع على القبول بـالمرونة الدبلوماسية كخيار وحيد مقابل البقاء على قيد الحياة.

*رابعاً،،، التقاطع الإقليمي مع الداخل اللبناني بهندسة خارجية بَحتَه أوصلت إلى غليان الشارع، إذ لا يمكن فصل خطورة هذا الأداء عن البيئة الإقليمية والدولية؛ حيث تتحرك ثنائية عون سلام بموجب مظلة رعاية أميركية وغربية واضحة. ويرى الخصوم أن المجتمع الدولي وجد في هذه المنظومة الأداة المثالية لتمرير اتفاقيات إطار وترتيبات أمنية تخدم أمن الحدود الإسرائيلية بالدرجة الأولى، مستغلين حالة الانكفاء العربي التقليدي لفرض سياسة الأمر الواقع.

لكن هذه الهندسة الخارجية تصطدم اليوم بجدار صلب من الغليان الداخلي ونقمة الشارع الميدانية التي امتدت من الصالونات السياسية لتتحول إلى احتجاجات ومواجهات إعلاميه حادة الخوف أن تنتقل إلى الشارع فينقط حينها الأمل ببقاء لبنان، ولا سيما الأمر في عمق المناطق الجنوبية وخصوصاً مدينة النبطية. حيث يرفض المواطنون تقديم التنازلات السيادية وتجريد بلادهم من كرامتها الوطنية.

*الشرخ الأهلي والفصائلي في لبنان أوصل البلاد إلى حد أنها أصبحت تعيش انقساماً طائفياً ومذهبياً حاداً ينذر بشرخ أهلي خطير بين فئة تتمتع بالشرعية الدولية والتمويل الخارجي، وبين قوى وطنية وفصائل مقاومة ترى في قرارات حظر الأنشطة الدفاعية طعنة صريحة في ظهر الوطن واستسلاماً مخزياً لعدو تاريخي لم تتوقف أطماعه.

*في خُلاصة قرائتي إن لبنان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي فبينما تتلقى سلطة بعبدا والسراي الثناء من عواصم القرار الغربي على حكمتها ودبلوماسيتها، يسطر الشارع اللبناني بحبر الاحتقان والغضب حقيقة أخرى، أن السيادة لا تُقايَض بالبقاء، وأن العهد الذي يستمد قوته من التنازل للعدو وإفقار الشعب، إنما يكتب بيده السطور الأخيرة في كتاب شرعيته السياسية والوطنية. وأعتبرَ أن حظر الأنشطة الدفاعية للمقاومة يعتبر طعنة صريحة في ظهر الوطن واستسلاماً مخزياً لعدو تاريخي لم تتوقف أطماعه ولن تتوقف.

هنا يتقدم سؤال يطرح نفسه وبقوة إلى أين سيأخذ جوزف عون ونواف سلام لبنان؟ في ظل وجود لطائفه تتمتع بالقوة العسكريه والمادية وتحظى بتأييد شعبي لبناني واسع الطيف وتمسك بمبدأ الصراع مع الكيان الصهيوني؟

 

بيروت في،،،4/10/2026

شارك