النخبة هي الحل … القانون الحديدي

الحلقة الثانية

كتب رياض الفرطوسي

 

في مطلع القرن العشرين، كان ثلاثة رجال في ثلاث دول أوروبية يتأملون الحقيقة نفسها من زوايا مختلفة، وكلهم خرج بنتيجة واحدة مزعجة.

 

الأول هو الإيطالي فيلفريدو باريتو، الاقتصادي الذي تحول إلى عالم اجتماع. لاحظ أن الثروة والسلطة في كل مجتمع تتركزان في قلة، مهما اختلف النظام، ملكياً كان أو جمهورياً. ثم أضاف ملاحظة أدق: النخب لا تبقى نخباً للأبد، بل تدور. وصف نوعين من الحكام استعارهما من ميكيافيلي: (الأسود) الذين يحكمون بالقوة والصلابة، و(الثعالب) الذين يحكمون بالدهاء والمناورة. حين يطغى الأسود يتراكم العنف، وحين يطغى الثعالب يتراكم الفساد، ثم تأتي نخبة بديلة تزيح السابقة. أما المجتمع الذي يمنع هذا التبادل فهو الذي ينفجر.

 

الثاني هو غايتانو موسكا، الذي رأى أن الأقلية المنظمة تغلب دائماً الأغلبية المبعثرة، لسبب بسيط: الأقلية تجتمع وتتفق وتخطط، والأغلبية لا يجمعها أحد. وهذا ما سماه (الطبقة السياسية)، وهي موجودة في كل نظام مهما ادعى أن الشعب يحكم نفسه.

 

أما الثالث، الألماني روبرت ميخلز، فكان اشتراكياً مخلصاً، وأراد أن يدرس كيف تعمل الأحزاب الاشتراكية التي تدعو إلى المساواة. فوجد أنها تحكم نفسها بقلة من القادة تتحول تدريجياً إلى طبقة لها مصالحها الخاصة. فأعلن ما سماه (القانون الحديدي للأوليغاركية): كل تنظيم، مهما بدأ ديمقراطياً، ينتهي في يد القلة. كان يكتب عن حزبه هو، ولذلك حمل كلامه وجع من يكتشف المرض في بيته.

 

هذا كله يبدو عند قراءته الأولى انتصاراً للفكرة النخبوية: ها هو العلم يقول إن القلة هي الحاكمة دائماً، فلماذا نتعب أنفسنا بالديمقراطية؟

 

والجواب أن هؤلاء لم يكونوا دعاة إلى الاستبداد، بل كانوا أطباء يصفون داءً. والطبيب الذي يقول (هذا المرض موجود) لا يقصد أن يُترك المريض يموت. موسكا نفسه عاد في كتاباته المتأخرة ليقول إن الحرية لا تُحفظ إلا بوجود قوى متعددة تتوازن فيما بينها. أي أن النخبة واقع لا مفر منه، لكن النخبة الواحدة خطر لا مفر من تفاديه.

 

وهنا تنقلب الأسئلة: إن كانت النخبة حتمية، فما يهم هو عددها وتنوعها وقابليتها للتبدل والمساءلة. نخبة واحدة مغلقة لا تُسأل هي الاستبداد، ونخب متعددة متنافسة تراقب بعضها هي أقرب ما عرفه الإنسان إلى الحرية.

 

وكأن ابن خلدون، قبل هؤلاء بخمسة قرون، كان يعرف ذلك. فقد رصد في (المقدمة) كيف تنشأ الدولة على (عصبية) قوية، ثم يستقر الحكم فيترف الحاكمون، ثم يضعفون فتسقطهم عصبية أخرى، في دورة تدوم عنده نحو ثلاثة أجيال. كانت دورة النخب التي وصفها باريتو، قد وصفها ابن خلدون بلغة البدو والحضر.

 

فإذا كانت النخبة قدراً، فماذا عن الجمهور؟ هل هو مجرد ظل يتبع؟ أم أن هناك من رأى فيه قوة لا تُقدَّر؟

 

في الحلقة القادمة نسمع المفكرين الذين خافوا من الجماهير، والذين آمنوا بها، وننظر من كان أقرب إلى الصواب.

شارك