د. رائد المصري ….. الدولة… وطن الجميع أم ملكية..؟

 

 

كتب د. رائد المصري

يشتقُّ في التعريف مصطلح المواطنة من الوطن، والوطن هو المنزل الذي يُقيم فيه الإنسان، والجمع أوطان، كما جاء في معجم لسان العرب، وقد تطوّر مفهوم الوطن في بلاد العرب، فلم يعد مجرَّد تاريخ وجغرافيا، بل أصبح مكوناً للذات، ومساهماً بشكل فاعل في خلق الأنا والنحن، ويُعطي معنى للمفاهيم التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم، فهو صار مرادفاً للثقافة، وفي التعريف القانوني، فإن المواطنة هي أن تكون عضواً في مجتمع سياسي معين أو دولة بعينها، بحيث أنَّ القانون يؤسِّس الدولة ويطرح المساواة بين مواطنيها، ويُثبت دعائم النظام العام، من حقوق وواجبات تنطبق على كل أفراد المجتمع دون تفرقة، إذ عادة ما تكون رابطة الجنسية معياراً في تحديد من هو المواطن في الدولة، لتجعل شرط حيازتها سواء أكانت أصلية أم مكتسبة، للتمتُّع بكل الحقوق والحريات المدنية والسياسية.

 

حقوق وواجبات المواطنة القانونية

 

هنا تترتَّب على المواطنة القانونية، أي من حَمَل جنسية دولة ما، ثلاثة أنماط أو أنواع من الحقوق والواجبات، هي السياسية والمدنية والإقتصادية _الإجتماعية، إذ تشمل الحقوق السياسية الحق في الإنتخاب، والترشُّح، والتنظيم، وأهم الواجبات، دفع الضرائب المستحقة على كل مواطن وفق القوانين والإجراءات الضريبية المعمول بها، في حين تتضمَّن الحقوق المدنية، كلاًّ من الحريات الشخصية، والحق في الأمان والخصوصية والإجتماع، والحصول عن المعلومات، فضلاً عن حرية الإعتقاد والتعبير، وكذلك حرية تشكيل تنظيمات مدنية كالجمعيات والنقابات والمنظمات غير الحكومية، وحرية التنقل والحركة والمقاومة السلمية، والحق في محاكمة عادلة، ولا ترتبط الحقوق الإقتصادية _الإجتماعية بالحق في الملكية، ولكنها تمتد إلى الحقوق المرتبطة بممارسة العمل، كالحصول على أجر عادل، وعطلة دورية، والحق في الإضراب والتفاوض الجماعي.

 

وذهب البعض إلى أن المواطنة مصطلح مستحدث في اللُّغة العربية، أما عن تعريف المواطنة في الموسوعة العربية العالمية فهي اصطلاح يشير إلى الانتماء إلى أمة أو وطن، كما تُعرَّف بأنها علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات متبادلة في تلك الدولة ، وهنا يتوجَّب وجود سلطة قضائية مستقلة في تلك الدولة، قادرة على حماية حقوق الأفراد من أي إعتداء عليها، أو سلبها أو إنتقاصها، سواء من جانب مختلف أجهزة الدولة، أو على يد الأفراد أنفسهم في علاقة بعضهم ببعض.

 

والمواطنة ليست وضعية جاهزة بصورة آلية، عندما تتحقق الرغبة في ذلك، بل هي سيرورة تاريخية ودينامكية مستمرة، وسلوك يُكتسب عندما تتهيأ له الظروف الملائمة، وهي ممارسة في ظلِّ مجموعة من المبادئ والقواعد، وإذا كان من الطبيعي أن تختلف نسبياً هذه المتطلبات من دولة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر بسبب إختلاف الثقافات والحضارات والعادات والقيم، ومستوى النضج السياسي، فإنه لا بدَّ من توفُّر مجموعة من المقوِّمات الأساسية المشتركة، ووجود حد أدنى من الشروط، لتوضيح مفهوم المواطنة في الحياة اليومية للأفراد، وفي علاقاتهم بغيرهم وبمحيطهم السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي.

 

لا تتحقق المواطنة إلاَّ بتساوي جميع المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، وتتاح أمام الجميع نفس الفرص من المساواة وتكافؤ الفرص، ويعني ذلك التساوي التام أمام القانون، الذي يُعد المرجع الوحيد في تحقيق تلك الحقوق والواجبات، وإذا إهتزَّت حالة عدم إحترام مبدأ المساواة، يؤدي إلى تهديد الإستقرار، لأنَّ كل من يشعر بالحيف، أو الحرمان دون حق ممَّا يتاح لغيره، وتغلق أبواب الإنصاف في وجهه، يصبح متمرداً على قِيم المواطنة، ويكون بمثابة قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار بأي شكل من الأشكال.

 

فالوطن الذي تتعدد أصول مواطنيه العرقية وعقائدهم الدينية، وإنتماءاتهم الثقافية والسياسية، لا يمكن ضمان وحدته وإستقراره، إلاَّ على أساس مبدأ المواطنة، الذي يرتكز على منظومة قانونية وسياسية وإجتماعية وأخلاقية متكاملة، والمساواة كمقوم رئيسي للمواطنة، تعني أنه لا مجال للتمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو اللون، أو الأصل العرقي، أو المعتقد الديني، أو القناعات الفكرية، أو الإنتماء والنشاط السياسي والنقابي وغيره، فلا يمكن إلْغاء الصفات والإنتماءات والمعتقدات وغيرها من خصوصيات بعض الفئات، وإنما يقوم على إحترامها، وإتاحة لها فرص المشاركة في تنمية رصيده الثقافي والحضاري، ولضمان مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع أفراد الوطن الواحد، وفي المجتمع الذي تتناقض فيه المصالح والأغراض، فإنه لا بدَّ من وجود ضمانات قانونية، وقضاء مستقل وعادل، يتمُّ اللُّجوء إليه من قبل كل مَن تعرَّضت حقوقه للمسّ أو الإنتهاك.

 

كما أنَّ المشاركة في الحياة العامة، لتمكين المواطنين من المشاركة الفعلية في الحياة العامة، هي التي توفِّر إستعدادات حقيقية لدى المشاركين في الإنتماء إلى الوطن، وهذه الإستعدادات لا تتوفر، إلاَّ في حدود ضيِّقة في ظروف قمع الحريات، ومصادرة الفكر المتحرر من التبعية والخنوع، وفي ظلِّ الأنظمة التي تناهض العمل السياسي الذي يحمل رؤية إنتقادية، أو موقف معارض للحكام والسياسات المتَّبعة، ففي مثل هذه الظروف التي تعرفها المجتمعات عموماً، والعربية خصوصاً، يُلاحظ إنزواء كثير من الكفاءات، لتبرز الفردانية، وحالات الإبتعاد عن المشاركة في الحياة العامة، والنفور من العمل السياسي، وغير ذلك من الظواهر المناقضة للمواطنة، إذ أنَّ الأنظمة القمعية، حتى ولو إختفت وراء ديمقراطيات شكلية، فهي مسؤولة عن تقليص فرص المشاركة، وتدمير قِيَم المواطنة، ولا يأتي نمو إستعداد المواطنين والمواطنات للمشاركة في الحياة العامة، إلاَّ في ظل مناخ حرية الفكر والتعبير، وحرية الإنتماء والنشاط السياسي والنقابي، وفي إطار الديمقراطية التي يكون فيها الشعب هو صاحب السيادة، ومصدراً لجميع السلطات.

 

فالمشاركة في الحياة العامة، تعني أن إمكانية تفعيل جميع المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، متاحة أمام الجميع دون أي تمييز، والتمتُّع بحرية الإبداع الفكري والفني، وحرية النشاط الثقافي والإجتماعي، وحق المشاركة في تدبير الشأن العام بشكل مباشر، كتولي المناصب العامة أو بعملية الإنخراط بحرية في الأحزاب السياسية، وإبداء الرأي حول السياسات المتَّبعة، والمشاركة في إنتخاب أعضاء المؤسسات التمثيلية على المستوى المحلي والوطني والمهني، وهذا ما يضمن فعالية النُّخب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ويضيف الحيوية على المشهد الوطني، مما يساهم في خلق واقع ينشد التطور المتواصل والإرتقاء المستمر.

 

لبنان وأزماته التاريخية

 

هنا نجد أن مشكلة لبنان، ليست في مشكلة الدولة، أو بأنّ السلطة فاسدة فحسب، ولا بأنّ إدارته العامة ضعيفة، ولا بأنّ طبقته السياسية إعتادت تحويل النصوص الدستورية إلى أدوات في المنازعة، لا إلى قواعد في الإجتماع، بل أزمة لبنان هي أزمة تكوُّن وطني لم يبلغ تمامه، فالدولة، في معناها الحديث، لا تقوم بمجرد وجود إقليم وسكان وسلطة، بل تقوم حين يتحول السكان إلى جماعة سياسية، وحين تصير الأرض مجالاً مشتركاً للإنتماء، وحين يصبح القانون مرجعاً أعلى من العصبية القبلية أو الدينية أو الطائفية_المذهبية، وحين تحتكر السلطة العامة حق القرار بإسم المصلحة الوطنية، وليس بإسم الحصص والولاءات، حيث يتنازع اللبنانيين خلافٌ يتجاوز السياسة إلى المعنى، فهم لا يختلفون فقط على الحكومات والرئاسات والبرامج، بل على التاريخ والهوية والعدو والصديق، ووظيفة الدولة وموقع لبنان من محيطه والعالم، ففي مجتمعات سياسية كثيرة يدور الصراع داخل إطار وطني مستقر، أما في لبنان، فكثيراً ما يكون الإطار نفسه محل منازعة، حول لبنان العربي والمشرقي، ووطن الحياد أو المقاومة، وكيان نهائي أم ساحة عبور، وهذا لا يدل على ثراء فكري، بقدر ما يكشف عن هشاشة التعاقد الوطني، ذلك أنّ الأمم لا تُبنى بإلغاء الإختلاف، ولكنها لا تقوم أيضاً إذا تحوّل كل إختلاف إلى نقض للأصل الجامع.

 

فأول مظاهر هذه المعضلة كان إنقسام الذاكرة، فاللبنانيون لا يملكون رواية مشتركة عن تاريخهم الحديث، والحرب الأهلية، مثلًا، ليست حدثاً واحداً في الوعْي الجمعي العام، بل حروب كثيرة تتجاور في الذاكرة الطائفية، فلقد خرج لبنان من الحرب الأهلية بتسوية سلطة لا بمصالحة وطنية، وجرى العفو عن الجرائم، لكن لم تُبنَ حقيقة مشتركة، وتمت إعادة توزيع المواقع، لكن لم تُرمَّم الثقة، وإنتقل أمراء الحرب إلى المؤسسات، وإنتقلت خطوط التماس من الشوارع إلى الإدارات والإعلام والذاكرة، لذلك بقيَ اللُّبناني يرى وينظر الى الدولة بعين الريبة، وحين لا تكون الدولة موضِع ثقة، يعود كل فرد إلى جماعته، وكل جماعة إلى زعيمها، وكل زعيم إلى راعٍ خارجي أو داخلي يحمي حصته.

 

كما أنَّ إنقسام الهوية والإنتماء، هو مظهر آخر من التفسُّخ الوطني، إنّ لبنان لو إمتلك دولة عادلة، كان يمكن أن يجعل من تعدُّده رصيداً حضارياً وسياسياً، غير أنّ التعدُّد حين لا ينتظم في عقد وطني، يتحوَّل إلى تنازع ولاءات، فلا تعود الهوية فضاءً رحباً تتجاور فيه العروبة والمشرقية والمتوسطية، والدين والثقافة والخصوصيات المحلية، بل تصبح كل هوية مشروعاً لإمتلاك لبنان، أو تعريفه على صورة جماعة بعينها، فكل فريق يريد لبنان الذي يشبهه وحده، لبنان الحياد، لبنان المقاومة، لبنان الغرب، لبنان العروبة، لبنان السوق، لبنان الرسالة، لبنان الجبل، لبنان الجنوب، لبنان العاصمة،وهذا أخطر ما يكون على الوطن، بأن لا يبقى لبنان إلاَّ مجموع تعريفات متخاصمة، وهنا لا يكون علاج هذا الخلل بتجريد اللُّبنانيين من إنتماءاتهم، فالوطنيّة لا تُبنى على محو الذاكرة، إنما تُبنى بإعادة ترتيب الإنتماءات داخل سلَّم أعلى، لا إنتماء فوق المصلحة الوطنية، ولا ذاكرة تخوّل صاحبها إحتكار الدولة، ولا علاقة خارجية تبيح الإستقواء على الداخل، ولا خوف جماعياً يُبرِّر تعطيل المؤسسات، وبهذا المعنى، لا تكون الأمة إلغاءً للطوائف، بل تحريراً للسياسة من أسْر الطوائف، ولا تكون المواطنة محواً للجماعات، بل منعاً للجماعات من أن تصير بديلًا من

 

واليوم، تُقرأ الأرض اللبنانية في الوجدان السياسي، على أنها ليست أرضاً مشتركة لجميع اللبنانيين، فمناطق كثيرة تُقرأ بوصفها إمتدادًا لطائفة أو حزب أو زعيم أو محور، فالجنوب يُحصر في جماعة، والجبل في ذاكرة، والشمال في عصبية، والبقاع في الهامش، وبيروت في مركز متنازع عليه، وحين لا يشعر اللبناني بأنَّ كل الأرض له، ولا يشعر بأن كل الناس شعبه، من هنا يصبح الإعتداء على منطقة شأنًا خاصاً بأهلها، ويصبح حرمان الأطراف مسألة محلية لا جرحاً وطنيًا، وهذه من أخطر علامات فشل الدولة، بأن تتحول الجغرافيا إلى إقطاعات نفسية وسياسية.

 

أخيراً.. هناك حاجة إلى إعادة تعريف السيادة بوصفها قدرة لا شعاراً، فلا سيادة لدولة من دون إقتصاد، ولا دولة من دون قضاء وبلا جيش قادر، ولا دولة تستدين رواتبها، ولا قيام لدولة يشتري الخارج قرارها، فالسيادة ليست حياداً لفظياً ولا مقاومة لفظية، إنها بناء قدرة وطنية على الحماية والقرار، من هنا لا بدَّ من عقد دفاعي وطني، يخرج من الإبتزاز المتبادل، أن لا تكون الدولة أداة لنزع عناصر القوة من لبنان، ولا تبقى عناصر القوة خارج أفق الدولة إلى الأبد، تلك معادلة صعبة، ولكن لا دولة من دونها، والأمة اللبنانية بهذا المعنى، ليست معطى جاهزاً، بل مهمة تاريخية، فاللبنانيون موجودون، لكنهم لم يصبحوا بعد جماعة سياسية واحدة كاملة،تجمعهم الجغرافيا واللُّغة اليومية والمصالح والإغتراب والخوف من الإنهيار، وتفرقهم الطائفية والذاكرة والخارج والإقتصاد الريعي، لذلك لا بدَّ من الحذر حيال وهْم أن لبنان يستحيل أن يكون دولة، وهو إستسلام ولو بدا واقعياً، ووهْم أن الدولة تقوم بخطاب وطني جميل، فبناء الدولة أمرٌ ممكن، دولة لا تلغي التعدُّد بل تنظمه، ولا تخاف من قوة المجتمع بل تؤطِّره، لا تكون محاصصة بين الداخل والخارج، بل عقداً بين المواطنين.

 

 

شارك