طوفان الأقصى: العملية التي أغرقت المنطقة بأكملها ….

 

بقلم الكاتب : أمين السكافي

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تستيقظ المنطقة العربية على عملية عسكرية عادية، بل على زلزال استراتيجي أعاد رسم كثير من الأسئلة التي ظن العالم أنها أغلقت منذ سنوات. خرجت حركة حماس من غزة في عملية غير مسبوقة اخترقت فيها منظومة الأمن الإسرائيلية، واجتازت الحاجز الفاصل، وهاجمت مواقع عسكرية ومستوطنات ومهرجانًا موسيقيًا، وأسرت أكثر من 250 شخصًا، وقُتل في الهجوم نحو 1,200 إسرائيلي، وفق الأرقام الإسرائيلية التي استقرت لاحقًا.

 

لكن السؤال الذي بقي معلقًا منذ ذلك الصباح ليس فقط: كيف استطاعت حماس أن تفعل ذلك؟ بل: لماذا فعلت؟ وماذا كانت تتوقع بعده؟

 

لماذا بدأ الطوفان؟

 

كانت غزة تعيش منذ سنوات تحت حصار خانق، فيما كانت الضفة الغربية تشهد توسعًا استيطانيًا واقتحامات متكررة، وكانت القدس والمسجد الأقصى في قلب التوتر، بينما بدا المسار السياسي الفلسطيني شبه ميت. وفي المقابل كانت إسرائيل تتقدم في مسار التطبيع العربي، فيما كانت القضية الفلسطينية تتراجع في سلم الاهتمام الدولي.

 

من هذه الزاوية يمكن فهم أحد أهداف الطوفان: إعادة فلسطين إلى مركز الصراع الدولي بالقوة، بعد أن تراجعت إلى هامش السياسة الدولية.

 

لكن الهدف المباشر للعملية كان أيضًا عسكريًا وسياسيًا: ضرب صورة الجيش الإسرائيلي وأجهزة استخباراته، أسر جنود ومدنيين لاستخدامهم في عمليات تبادل، وتغيير قواعد الاشتباك وإجبار إسرائيل على التعامل مع غزة باعتبارها قوة عسكرية لا مجرد ملف أمني.

 

وتكشف التحقيقات اللاحقة أن التخطيط لم يكن وليد أيام أو أسابيع؛ فقد قاد محمد الضيف التخطيط العسكري للعملية بالتنسيق مع يحيى السنوار، وأن بناء القدرات وشبكة الأنفاق والاستعدادات بدأ قبل سنوات.

 

هل توقعت حماس الرد الإسرائيلي؟

 

هنا تبدأ المنطقة الأكثر غموضًا.

 

من الصعب تصديق أن قيادة حماس لم تكن تعرف أن إسرائيل سترد بعنف شديد. لكن هناك فرقًا هائلًا بين توقع حرب إسرائيلية واسعة وبين توقع حجم الحرب التي وقعت لاحقًا، والتي تحولت إلى حرب طويلة شملت تدميرًا واسعًا لغزة، وامتدت إلى لبنان واليمن والعراق، ثم دخلت إيران والولايات المتحدة في حروب ومواجهات لاحقة.

 

والأرجح أن قيادة حماس كانت تراهن على ثلاثة أمور: سرعة العملية، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين، واندفاع الجبهات الأخرى إلى الضغط على إسرائيل بما يمنعها من خوض حرب طويلة في غزة.

 

لكن هذا الرهان لم يتحقق بالصورة التي ربما تصورها المخططون.

 

لماذا لم تُبلّغ الحلفاء؟

 

هذه واحدة من أكثر علامات الاستفهام إثارة.

 

إذا كانت حماس جزءًا من شبكة إقليمية واسعة تُعرف بمحور المقاومة، فلماذا لم يعرف حزب الله مسبقًا بالتوقيت والتفاصيل؟ ولماذا لم تدخل إيران الحرب مباشرة؟ ولماذا بدت الجبهات الأخرى وكأنها تتحرك تدريجيًا لا وفق خطة واحدة؟

 

المعلومات المتاحة لا تثبت أن حماس أخفت العملية عن الجميع، لكنها تؤكد وجود درجة عالية من السرية. وفي الأيام الأولى للحرب، قالت مصادر أميركية إن إيران كانت على الأرجح تعرف أن حماس تخطط لعمليات ضد إسرائيل، لكنها لم تكن تعرف التوقيت أو الحجم، وإن بعض المسؤولين الإيرانيين فوجئوا بالهجوم نفسه.

 

وهذا يجعل فرضية الاختراق الاستخباراتي سؤالًا مشروعًا للبحث، لكنه ليس دليلًا على وجود جهة استخباراتية دفعت حماس إلى تنفيذ العملية.

 

أما القول إن جهازًا استخباراتيًا مجهولًا “دفع” القيادة الحمساوية إلى الطوفان عمدًا، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تسمح بتحويل هذه الفرضية إلى حقيقة.

 

لماذا سادت الفوضى؟

 

لأن الطوفان لم يضرب إسرائيل عسكريًا فقط؛ بل ضرب منظومة إدارتها للصراع.

 

سقطت في الساعات الأولى صورة “الدولة التي لا تُخترق”، وظهر خلل استخباراتي وأمني وسياسي هائل. ثم جاء الرد الإسرائيلي بقوة هائلة، فتحولت العملية من ضربة مفاجئة إلى حرب مفتوحة.

 

وهنا بدأت المفارقة الكبرى: حماس أرادت كسر قواعد اللعبة، فإذا باللعبة كلها تنفجر.

 

غزة: الكارثة الأكبر

 

إذا كان السابع من أكتوبر قد قتل نحو 1,200 إسرائيلي، فإن الرد الإسرائيلي أدى إلى كارثة بشرية أكبر بكثير في غزة.

 

وبحسب أحدث الأرقام التي نقلتها رويترز في أيلول/سبتمبر 2026، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ بداية الحرب 73 ألفًا، مع دمار واسع في المساكن والبنية التحتية، ونزوح جماعي وانهيار قطاعات صحية وخدمية واقتصادية بأكملها.

 

ولا تختصر هذه الأرقام المأساة؛ فهناك آلاف المفقودين، والجرحى، والأطفال الذين فقدوا ذويهم، وأسر كاملة اختفت من السجلات، فضلًا عن ملايين الفلسطينيين الذين عاشوا سنوات من النزوح والدمار.

 

لقد أصبحت غزة، عمليًا، المختبر الأكثر قسوة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحديث.

 

إسرائيل: انتصار أمني مفقود وثمن اقتصادي هائل

 

إسرائيل نجحت عسكريًا في تدمير جزء كبير من البنية العسكرية لغزة وقتل عدد كبير من قادة ومقاتلي حماس، لكنها دفعت ثمنًا استراتيجيًا واقتصاديًا ضخمًا.

 

فالحرب التي بدأت بعد السابع من أكتوبر كلفت الخزينة الإسرائيلية، وفق بنك إسرائيل، نحو 350 مليار شيكل خلال 2023–2026، من دون احتساب القرارات والتكاليف المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 2026. كما بلغ الدين العام نحو 68.5% من الناتج المحلي في نهاية 2025، بينما قُدّر فقدان الناتج المتراكم حتى نهاية 2025 بنحو 177 مليار شيكل.

 

وهكذا تحولت العملية التي أرادت إسرائيل تقديمها باعتبارها هجومًا إرهابيًا يجب إنهاؤه سريعًا إلى حرب استنزاف طويلة أثرت في اقتصادها ومجتمعها وجيشها وصورتها الدولية.

 

لبنان: الجبهة التي دفعت الثمن

 

منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 دخل حزب الله في مواجهة عسكرية مع إسرائيل تحت عنوان إسناد غزة، وتحولت الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى جبهة حرب مستمرة.

 

وفي حرب 2023–2024 أعلن حزب الله لاحقًا إستشهاد نحو 5,000 من مقاتليه، وفق أرقام نقلتها رويترز، فيما سقط مدنيون وعسكريون لبنانيون أيضًا وتعرض الجنوب والبنية التحتية لأضرار كبيرة.

 

ثم جاءت حرب جديدة في آذار/مارس 2026 رفعت الكلفة اللبنانية إلى مستوى أكثر خطورة؛ فقد أعلنت السلطات اللبنانية مقتل أكثر من ألف شخص خلال الأسابيع الأولى وحدها ونزوح نحو مليون شخص، بينما أفادت مصادر مطلعة بأن أكثر من 400 من مقاتلي حزب الله قتلوا في تلك المرحلة الجديدة.

 

وهنا يظهر السؤال اللبناني المرير: هل كان لبنان مستعدًا أصلًا لدفع هذه الكلفة؟

 

اليمن: البحر الأحمر يدخل الحرب

 

منذ أواخر 2023 دخل الحوثيون المواجهة عبر استهداف سفن في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، معلنين أن عملياتهم مرتبطة بحرب غزة.

 

ثم دخلت الولايات المتحدة وبريطانيا على خط المواجهة، وتعرض اليمن لغارات إسرائيلية وأميركية واسعة.

 

وفي 2025 وحده، خلص تقييم للبنتاغون إلى أن العمليات العسكرية الأميركية في اليمن أدت إلى مقتل 153 مدنيًا وإصابة 243، وجاءت كل هذه الخسائر المدنية المسجلة في التقييم من ثلاث ضربات خلال نيسان/أبريل 2025.

 

أما إسرائيل فضربت مطارات وموانئ ومحطات كهرباء يمنية، فيما أدى استهداف البحر الأحمر إلى إعادة توجيه قسم كبير من حركة التجارة العالمية حول رأس الرجاء الصالح.

 

أي أن غزة أصبحت، بصورة غير مباشرة، سببًا في زعزعة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

 

العراق: حرب بلا إعلان

 

العراق لم يدخل الحرب بجيش الدولة، وإنما عبر فصائل مسلحة هاجمت القوات والقواعد الأميركية في العراق وسوريا، تحت عنوان دعم غزة ومواجهة الوجود الأميركي.

 

ومنذ 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدأت الهجمات على مواقع تستضيف القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي في العراق، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

 

لكن الخسائر العراقية الدقيقة المرتبطة تحديدًا بحرب غزة يصعب فصلها عن ملفات العراق الأمنية الأوسع، ولذلك فإن تقديم رقم واحد شامل سيكون تضليلًا أكثر منه تحقيقًا.

 

وماذا عن إيران؟

 

هنا يجب التفريق بين مرحلتين.

 

إيران كانت الداعم السياسي والعسكري الأبرز لحركات “محور المقاومة”، لكنها لم تدخل حرب غزة مباشرة في 2023.

 

أما الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية اللاحقة في 2025 و2026 فهي تطور إقليمي مرتبط بالمسار الذي فتحه طوفان الأقصى، لكنها ليست كلها “خسائر حرب غزة”.

 

في حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025، أعلنت إيران مقتل 935 شخصًا، بينهم 38 طفلًا و132 امرأة.

 

أما في الحرب اللاحقة خلال 2026، فقد ارتفعت الخسائر الإيرانية بصورة كبيرة، وأعلنت طهران عبر مندوبها لدى الأمم المتحدة أرقامًا تجاوزت ألف قتيل مدني في مرحلة من الحرب.

 

وهنا يصبح طوفان الأقصى نقطة بداية لمسار إقليمي أوسع، لا يمكن اختزاله في غزة وحدها.

 

من المستفيد؟

 

إذا بحثنا عن رابح عسكري واضح، فسنجد أن إسرائيل حققت مكاسب ميدانية كبيرة في غزة، لكنها لم تستطع تحويلها إلى انتصار سياسي نهائي.

 

حماس دفعت ثمنًا بشريًا وعسكريًا هائلًا، وغزة دُمرت بدرجة غير مسبوقة.

 

لبنان دفع من دماء شعبه وممتلكاتهم .

 

اليمن دفع من بنيته التحتية وأمنه.

 

العراق وجد نفسه مرة أخرى في قلب الصراع الأميركي الإيراني.

 

إيران خسرت قادة وقدرات ومنشآت في الحروب اللاحقة.

 

أما الولايات المتحدة، فوجدت نفسها تعود إلى قلب الشرق الأوسط رغم محاولاتها الانسحاب التدريجي منه.

 

إذن من المستفيد؟

 

ربما لا أحد من الذين دخلوا الحرب، باستثناء صناعة السلاح وبعض القوى الدولية التي أعادت ترتيب مواقعها ونفوذها.

 

لكن هناك رابحًا سياسيًا لا يجوز تجاهله: القضية الفلسطينية نفسها.

 

الانتصار الذي لا يمكن إنكاره

 

قد يختلف العالم في تقييم طوفان الأقصى، وقد يدين قتل المدنيين وأسرهم، وقد يختلف في جدوى القرار العسكري وتوقيته، لكن ثمة نتيجة تاريخية لا يستطيع أحد إنكارها:

 

فلسطين عادت إلى مركز العالم.

 

عاد ملايين البشر إلى قراءة تاريخ النكبة والتهجير والاستيطان والاحتلال والحصار. خرجت القضية من غرف الدبلوماسية المغلقة إلى شوارع العواصم والجامعات والبرلمانات ووسائل الإعلام.

 

وفي أيلول/سبتمبر 2026، ظهر مشهد شديد الدلالة داخل الأمم المتحدة عندما غادرت عشرات الوفود القاعة مع بدء بنيامين نتنياهو خطابه، في احتجاج دبلوماسي صارخ على إسرائيل وسياساتها.

 

وهذه الصورة ربما تختصر التحول كله.

 

فطوفان الأقصى لم يغرق غزة وحدها، ولم يغرق إسرائيل وحدها، بل أغرق الرواية القديمة التي أرادت أن تجعل فلسطين ملفًا منسيًا.

 

ويبقى السؤال الأصعب:

 

هل كان الطوفان قرارًا فلسطينيًا جريئًا أُسيء تقدير أثمانه؟

 

أم أنه عملية عسكرية نجحت في تحقيق صدمة استراتيجية لكنها فتحت على أصحابها وعلى حلفائهم أبوابًا لم يكونوا جاهزين لتوقيتها أو مستعدين للأنخراط بها ؟

 

أم أن هناك، خلف الستار، حرب استخبارات لم نعرف بعد كل فصولها؟

 

حتى الآن لا نملك الدليل الذي يحسم الاحتمال الثالث.

 

لكننا نملك شيئًا آخر أكثر وضوحًا: أن السابع من أكتوبر 2023 غيّر الشرق الأوسط، وأن صورة فلسطين في العالم تغيّرت معه.

 

وقد يكون هذا، في ميزان التاريخ، أهم أثر سياسي لطوفان الأقصى: أنه أعاد فتح الملف الذي ظن كثيرون أن الزمن استطاع دفنه.

 

فلسطين التي أراد البعض تحويلها إلى حدود منسية، عادت لتصبح سؤالًا عالميًا.

 

والسؤال الذي بدأ من غزة لم يعد: ماذا تريد حماس؟

 

بل أصبح، في جزء متزايد من العالم:

 

ماذا حدث لفلسطين أصلًا؟ ومن أعطى أحدًا حق اقتلاع شعب من أرضه، ثم مطالبته بالصمت إلى الأبد؟

شارك