من بلاغ كاذب إلى حافة الفتنة… الدولة والفعاليات الاجتماعية أمام مسؤولية حماية السلم الأهلي والأمن الوطني في سورية الجديدة

 

 

كتب سعيد فارس السعيد :

 

لن أتحدث هنا عن أهمية بناء الإنسان قبل العمران، ولا عن ضرورة تمسكنا بالمبادئ والقيم الإنسانية، ولا عن واجبات التمسك بالقرآن وسنة رسوله الأكرم ﷺ، ولا عن مبادئ العيش المشترك والمواطنة وسيادة القانون.

سأتحدث عن محبتنا وإخلاصنا لسورية الجديدة، وعن مسؤوليتنا جميعاً في حماية سلمها الأهلي وأمنها الوطني، وعن ضرورة أن ندرك أن حادثة فردية، مهما بلغت خطورتها، لا يجوز أن تتحول إلى شرارة لصراع بين أبناء الوطن الواحد.

ما جرى في قبتان الجبل، من بلاغ عن اختطاف طفلة، وما تبعه من اتهامات وتحركات مسلحة باتجاه أحد مداخل مدينة نبل، وصولاً إلى مقطع مصور تضمن تهديداً بإحراق المدينة بعد مهلة زمنية، كان يمكن أن يدفع المنطقة إلى مواجهة خطيرة، ويفتح الباب أمام فتنة يصعب التحكم بنتائجها.

فالخطر لم يكن في البلاغ الكاذب وحده، بل في سرعة انتقال الأمر من خبر غير متحقق منه إلى اتهامات وفزعة وتحرك مسلح وتهديد بالمواجهة.

وهذا يستوجب تحقيقاً جدياً لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يكشف كيف حدث، ولماذا حدث، ومن تسبب في دفعه نحو التصعيد.

تحقيق مستقل لكشف الحقيقة كاملة

إن ما جرى يستوجب فتح تحقيق رسمي ومستقل وشامل، دون تأخير، على أن تكون مهمته الوصول إلى الحقيقة كاملة، بعيداً عن الضغوط المحلية والمناطقية والعائلية وأي تأثير يمكن أن يؤثر في مساره أو نتائجه.

ويجب أن يشمل التحقيق جميع مراحل الواقعة، بدءاً من مصدر البلاغ، مروراً بكيفية انتشار المعلومات وتداولها، وصولاً إلى التحركات المسلحة والتهديدات التي ظهرت في التسجيل المصور.

كما يجب تحديد المسؤوليات بدقة: من أطلق المعلومة؟ من نشرها؟ من حرّض على التصعيد؟ من دعا إلى التحرك المسلح؟ ومن هدد بإحراق مدينة؟

هذه ليست أسئلة للنقاش العام، بل وقائع يجب أن يجيب عنها التحقيق بالأدلة.

ولضمان مصداقية التحقيق، ينبغي أن تكون الجهة القائمة عليه مستقلة عن الأطراف المحلية المعنية بالحادثة، وألا يكون لأي طرف مصلحة مباشرة في توجيه نتائجه، مع توثيق الأدلة والشهادات والوقائع بصورة مهنية، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام بالقدر الذي لا يضر بسير العدالة أو حقوق الأطراف.

فالتحقيق المستقل ليس ترفاً، بل شرط أساسي للوصول إلى الحقيقة، وحماية الأبرياء، ومحاسبة المسؤول الحقيقي.

لا نريد تحقيقاً يبحث عن متهم، بل تحقيقاً يبحث عن الحقيقة.

الدولة مسؤولة عن حماية القانون

مسؤولية الدولة لا تنتهي عند تهدئة الموقف، بل تبدأ من ضمان ألا يتحول الخوف والغضب إلى بديل عن القانون.

وعلى مؤسسات الدولة أن تقوم بواجبها في حماية المواطنين، ومنع أي تحرك مسلح خارج إطار القانون، والتحقيق في التهديدات والتحريض، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

كما أن عليها أن تمنع أي محاولة لفرض العقوبة أو العدالة خارج المؤسسات المختصة.

فالدولة القوية ليست التي تتدخل بعد وقوع الكارثة فقط، وإنما التي تمنع تحول حادث فردي إلى صراع جماعي.

والفعاليات الاجتماعية أمام اختبار حقيقي

في المقابل، فإن للأعيان والمخاتير والفعاليات الاجتماعية مسؤولية واضحة في منع التصعيد.

فالأعيان إذا لم يكونوا فعاليات اجتماعية فاعلة، وإذا غاب دورهم في لحظات الخطر والأزمات، فإنهم يصبحون مجرد فعاليات كرتونية لا حضور حقيقياً لها ولا تأثير، بينما يحتاج المجتمع في لحظات الخطر إلى أعيان حقيقيين، قادرين على التدخل وتحمل المسؤولية واحتواء الأزمات ومنع الفتنة.

فمكانة الأعيان والفعاليات الاجتماعية لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يلتفون حولهم في الظروف الطبيعية، وإنما تظهر حقيقتها عند الأزمات، حين يحتاج الناس إلى صوت العقل، وإلى من يمتلك القدرة على التدخل والتهدئة وتحمل المسؤولية.

ودور هذه الفعاليات يجب أن يكون واضحاً: التحقق من المعلومات، تهدئة النفوس، التواصل مع مؤسسات الدولة، منع الفزعات، ورفض أي خطاب يمكن أن يحول حادثة فردية إلى مواجهة جماعية.

لا اتهام جماعياً ولا عقوبة جماعية

قبتان الجبل ونبل ليستا منطقتين متخاصمتين، وأبناء المنطقتين أبناء وطن واحد.

والجريمة، إن وقعت، لها مرتكبها، وليست لها مدينة.

والمتهم شخص، وليس جماعة أو طائفة أو منطقة.

لذلك:

لا اتهام جماعياً، ولا عقوبة جماعية، ولا انتقام جماعي.

وفي الوقت نفسه، فإن رفض التعميم لا يعني التساهل مع المسؤولين عن التحريض أو التهديد أو إشعال الفتنة، إذا أثبت التحقيق مسؤوليتهم.

هل هناك من أراد استغلال الحادثة؟

يجب أن يتضمن التحقيق أيضاً التحقق من احتمال وجود تخطيط أو تحريض من جهات تسعى إلى زعزعة استقرار سورية الجديدة.

لا يجوز اتهام أي جهة دون دليل، لكن لا يجوز كذلك إهمال هذا المسار إذا كانت الوقائع تستدعيه.

فإذا أثبت التحقيق وجود قوى معادية لسورية الجديدة أو جهات أخرى خططت أو حرّضت أو استغلت الحادثة لدفع الناس نحو المواجهة، فيجب كشفها ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون.

أما إذا لم يكشف التحقيق الحقيقة، ولم يحدد مصادر البلاغ والتحريض ومسار التصعيد، فستبقى الثغرة قائمة، وسيبقى احتمال تكرار السيناريو قائماً ضد مكوّن سوري آخر أو منطقة أخرى أو مدينة أخرى.

كلمة أخيرة

المطلوب اليوم ليس طيّ صفحة الحادثة، بل فتحها أمام تحقيق مستقل وشامل حتى نهايتها.

نطالب بتحقيق رسمي مستقل، بعيد عن أي ضغط أو تأثير محلي أو مناطقي، يكشف مصدر البلاغ، ومسار انتشار المعلومة، وأسباب التحرك المسلح، وهوية من حرّض أو هدد، وما إذا كان هناك تخطيط متعمد لاستغلال الحادثة في إشعال الفتنة.

ونطالب بأن تُعلن نتائج التحقيق للرأي العام بوضوح، وأن تتم محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو انتماؤه، وفق القانون وحده.

كما نطالب الفعاليات الاجتماعية والأعيان والمخاتير بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تكون حاضرة في الأزمات، لا بعد انتهائها فقط.

فالسكوت عن مصدر الفتنة لا يحمي المجتمع، وإخفاء الحقيقة لا يمنع تكرارها.

إذا كان ما جرى مجرد فوضى وانفعال، فعلينا أن نعرف كيف حدث ذلك حتى لا يتكرر.

وإذا أثبت التحقيق أن وراءه تخطيطاً أو تحريضاً، فعلينا أن نعرف من خطط ومن حرّض ومن استغل مخاوف الناس، وأن تتم محاسبته وفق القانون.

لا نريد تحقيقاً شكلياً يغلق الملف، بل تحقيقاً مستقلاً يفتح الطريق أمام الحقيقة.

لا نريد البحث عن ضحية سهلة، ولا عن متهم جاهز، ولا عن تحميل مدينة أو مكوّن مسؤولية فعل فرد.

نريد الحقيقة.

ونريد العدالة.

ونريد دولة يحكمها القانون.

ونريد فعاليات اجتماعية تعرف أن مسؤوليتها في لحظة الخطر هي حماية المجتمع من الانقسام، لا دفعه إليه.

فالسلم الأهلي مسؤولية مشتركة، والأمن الوطني مسؤولية الدولة والمجتمع معاً.

سورية الجديدة أمانة في أعناقنا جميعاً… ومحبتنا وإخلاصنا لها يفرضان علينا أن نحميها بالحقيقة والقانون والوعي، وأن نقطع الطريق على كل من يحاول دفع السوريين إلى مواجهة بعضهم بعضاً.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

 

“صوت من أجل بناء شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام”

 

 

شارك