
خلايا الموت الأكاديمية : كيف ينتج العقل الإسرائيلي مبررات التطهير العرقي.
أشرف التهامي.
حين يتحدث العالم عن الجرائم في فلسطين ولبنان، تتجه الأنظار فوراً إلى الجندي الإسرائيلي وإلىلدبابات وإلى طائرات الكيان الإسرائيلي ، لكن نادراً ما يسأل أحد: من الذي كتب للجندي الإسرائيلي المبرر؟ ومن الذي منح الطيار الشرعية الأخلاقية ليضغط على الزناد؟
في الكيان الإسرائيلي، لا يبدأ القتل في الميدان. يبدأ في قاعة الدرس ، في مركز الفكر. في ورقة بحثية ممولة ، هناك حيث تتحول “أوهام التطهير العرقي” إلى نظريات قابلة للتنفيذ، وحيث “رخص دماء العرب” تصبح بنداً أكاديمياً يُدرس ويُقتبس.
من المدرج إلى الميدان.
لفترة طويلة عملت الجامعات الإسرائيلية ومراكز الأبحاث الأمنية الإسرائيلية كـ “خلايا موت أكاديمية”. مهمتها ليست التعليم، بل الإنتاج ، إنتاج مفاهيم مثل “إدارة الصراع”، و”الفصل بين السكان”، و”تقليص الصراع”.
خذ مثلاً معهد دراسات الأمن القومي INSS التابع لجامعة تل أبيب ، في ورقة صدرت عام 2021 أوصى باحثوه صراحة بـ”تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية” باعتباره ضرورة أمنية.
أو مركز بيغن-السادات BESA بجامعة بار إيلان، الذي يصدر بشكل شبه شهري أوراقاً تبرر “الحرب الاستباقية” و”استهداف البنية التحتية المدنية”. أبرز كتابه البروفيسور إيال زيسر كتب: لا حل مع العرب إلا بفهم لغة القوة وفرض الأمر الواقع بالقوة.
ولا ننسى البروفيسور أورين يفتاحئيل من الجامعة العبرية، الجغرافي السياسي الذي صاغ فكرة “الكانتونات المعزولة” في الضفة الغربية و تُدرس اليوم في الكليات العسكرية كـ “حل ديموغرافي”.
هذه المصطلحات تبدو محايدة في الأوراق ، لكن على الأرض تترجم إلى حصار، وتهجير، وتجريف، وتفجير، فالأكاديمي يكتب عن “إعادة رسم الديموغرافيا”، وبعد شهر يجد الجندي الإسرائيلي نفسه ينفذ “إخلاء منطقة عازلة”.
الفكرة تخرج من الكتاب، فتصبح أوامر عمليات، وهنا تكمن الخطورة: القاتل لم يعد فرداً، بل صار منظومة.
صمت النخب الغربية وازدواجية العالم.
الأخطر ليس فقط ما يُنتج داخل إسرائيل، بل صمت النخب الغربية عنه ، نفس الجامعات التي تقيم الدنيا على كلمة في محاضرة، تمنح جوائز وتكريمات لمراكز أبحاث إسرائيلية كتبت صراحة عن “الحل الديموغرافي”.
هذا الصمت يمنح “رخصة دم” ، رسالة مفادها:
“ما دام المبرر أكاديمياً و”علمياً” فالدم العربي أرخص، و ما دام القاتل يرتدي بدلة ويستشهد بدراسة، فالمجزرة تصبح “سياسة أمنية”.
رخصة الدم.
النتيجة الحتمية لهذا التحالف بين الأكاديميات والسياسة والعسكر هي نزع الإنسانية عن الضحية ، حين تُختزل حياة عائلة كاملة إلى “عبء ديموغرافي” في ورقة بحث، يصبح قتلها أسهل. حين يُوصف شعب بأكمله بـ”التهديد الوجودي” في ندوة، تصبح إبادته “دفاعاً عن النفس”.
هذا هو جوهر “خلايا الموت الأكاديمية” ، ليست خلايا سرية، بل هي علنية وممولة ومرخصة ، تخرج توصياتها في مؤتمرات، وتُترجم إلى قوانين، ثم إلى رصاص.
الخاتمة.
السؤال اليوم لم يعد: لماذا يقتل الجندي الإسرائيلي ؟
السؤال الحقيقي و الخفي هو: من الذي جلس قبله بسنوات وكتب له أن هذا القتل مبرر، ضروري، وأخلاقي؟
طالما ظلت هذه “الخلايا” تعمل بلا محاسبة، وطالما ظل العالم يصفق لها تحت اسم “حرية البحث العلمي”، فسيظل الدم العربي هو الحبر الذي تُكتب به أبحاثهم.



