إسناد الله …«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»

 

بقلم : أمين السكافي

ثمة لحظات في حياة الأمم لا يعود فيها الصمت حيادًا، ولا يعود الوقوف على مسافة واحدة من المتخاصمين فضيلة، ولا يبقى الإنسان حرًّا في اختيار المكان الذي يقف فيه. تأتي لحظةٌ يصبح فيها التاريخ نفسه واقفًا على مفترق طرق، ويُسأل كل شعب: ماذا فعلت حين كان الظلم يمرّ أمام عينيك؟

 

في مثل تلك اللحظات، لا تُقاس الأمم بمساحتها، ولا بعدد سكانها، ولا بحجم اقتصادها وجيوشها. تُقاس بما تفعله حين يكون الثمن باهظًا.

 

وهنا يأتي لبنان.

 

ذلك البلد الصغير على خريطة العالم، الكبير في ذاكرة أهله، الذي لم يكن الجنوب فيه يومًا مجرد طرف جغرافي بعيد عن العاصمة، بل كان على الدوام المكان الذي تُختبر فيه كرامة الوطن، وحيث تتحول الكلمات إلى مواقف، والمواقف إلى أثمان.

 

ومنذ أن اشتعلت غزة، لم يكن الجنوبيون أمام مشهد عابر.

 

كانت فلسطين بالنسبة إليهم أبعد من حدود الجغرافيا، وأقرب من أن تُرى كقضية تخص شعبًا آخر وحده. وكان السؤال الذي طرق أبواب الضمير قبل أبواب السياسة:

 

هل نترك غزة وحدها؟

 

كان يمكن أن يقال إن لبنان لا يحتمل حربًا، وإن اقتصاده منهك، وإن شعبه تعب، وإن الجنوب دفع من دمه وأرضه ما يكفي.

 

وكل ذلك صحيح.

 

لكن التاريخ لا يسأل الإنسان دائمًا عمّا يستطيع تحمّله، بل عمّا يعتقد أنه لا يستطيع التخلي عنه.

 

ومن هنا جاء قرار الإسناد، وفق الرؤية الدينية والوطنية التي حملها أهله ومقاتلو المقاومة.

 

أما التكليف الديني، فلكل إنسان عقيدته التي تحدد له معنى النصرة، وموقعه حين يلتقي الظلم بالضعف. وأما الوطن، فله في الجنوب ذاكرة أخرى: ذاكرة تقول إن العزة ليست كلمة في كتاب، وإن كرامة الإنسان لا تُجزّأ، وإن الظلم إذا أصبح عاديًا في مكان، فلن يظل غريبًا عن مكان آخر.

 

لقد تربى أبناء هذا الجنوب على أن المظلوم لا يحتاج إلى كثير من الشرح كي يُعرف، وأن الظالم لا يصبح أقل ظلمًا لأن العالم اعتاد على أفعاله.

 

ومن هنا تبدو فلسطين في الوجدان الجنوبي امتدادًا لقضية أقدم من الحدود.

 

إنها قضية الإنسان حين يُطلب منه أن يختار بين أن يكون شاهدًا أو أن يكون جزءًا من محاولة تغيير المشهد.

 

وهنا نستعيد أولئك الذين صاروا في الذاكرة أكثر من أسماء.

 

علي.

 

الحسين.

 

العباس.

 

ثم أولئك الذين جاءوا بعد قرون طويلة، فوجدوا أنفسهم أمام السؤال نفسه وإن تغيّرت الجغرافيا والأسلحة والأزمنة:

 

الحاج قاسم.

 

الحاج رضوان.

 

السيد أبو ياسر.

 

رجال من الرعيل الحديث، اختاروا طريقهم كما اختار الذين سبقوهم طريقهم، وبقي المعنى واحدًا: أن هناك لحظات لا يستطيع الإنسان المؤمن فيها أن يختبئ خلف حسابات السلامة الشخصية.

 

لكن الإسناد لم يكن وجدانًا فقط.

 

لقد كان له أثر عسكري وسياسي حقيقي.

 

فمنذ 8 أكتوبر 2023، فتحت المقاومة في لبنان جبهة الشمال الإسرائيلي، فوجدت إسرائيل نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي كانت ستواجهها لو بقيت الحرب محصورة في غزة.

 

أُخليت مستوطنات ومناطق واسعة من الشمال الإسرائيلي، وأصبح عشرات الآلاف من الإسرائيليين بعيدين عن منازلهم، وتحولت الحدود الشمالية إلى جبهة تستنزف القوات والموارد وتفرض على القيادة الإسرائيلية أن تبقي عينها مفتوحة على احتمال توسع الحرب.

 

لم يعد القرار العسكري الإسرائيلي متعلقًا بغزة وحدها.

 

كان على القيادة أن تسأل في كل خطوة: ماذا سيحدث في الشمال؟

 

هل تتوسع المواجهة؟

 

هل تتعرض المنشآت العسكرية والبنية التحتية والمستوطنات لهجمات أكبر؟

 

كم من القوات يجب إبقاؤها في الشمال؟

 

وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه إسرائيل إذا تحولت الجبهة اللبنانية إلى حرب شاملة؟

 

وهكذا، فإن الإسناد اللبناني لم يكن تفصيلًا هامشيًا في حرب غزة، حتى لو لم يكن قادرًا وحده على تغيير نتيجة الحرب.

 

لقد أضاف إلى الحساب الإسرائيلي جبهةً أخرى، وفرض كلفة أمنية وعسكرية وسياسية، وأبقى جزءًا من الجيش الإسرائيلي مرتبطًا بالشمال، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تخوض حربًا طويلة ومرهقة في غزة.

 

وهذه هي إحدى الحقائق التي يجب أن تُقرأ بعيدًا عن المبالغة وبعيدًا عن الإنكار في آن واحد.

 

فلا يصح القول إن الإسناد اللبناني حسم حرب غزة، كما لا يصح تجاهل أنه غيّر البيئة الاستراتيجية التي جرت فيها الحرب.

 

لقد أصبحت غزة تقاتل فيما عين إسرائيل لا تستطيع أن تغادر الشمال.

 

وهذه، في لغة الاستراتيجيا، ليست مسألة صغيرة.

 

لكن وراء كل ذلك يبقى سؤال الإنسان.

 

ما الذي يجعل شعبًا صغيرًا يتحمل كل هذا؟

 

ربما لأن الجنوب لم يرَ في فلسطين قضية سياسية فقط.

 

ربما لأنه رأى فيها مرآةً لجرحه القديم.

 

فالجنوب الذي عرف الاحتلال، وعرف القرى المهدمة، وعرف الانتظار على الحواجز، وعرف معنى أن تكون الطائرات في السماء والإنسان أعزل تحتها، لم يكن بحاجة إلى أن يتخيل معنى غزة.

 

لقد عرفه.

 

ولهذا حين رأى أطفالها، رأى شيئًا من أطفاله.

 

وحين رأى بيوتها تهدم، رأى ذاكرته.

 

وحين رأى أهلها يخرجون من بين الركام، رأى الجنوب نفسه في صور قديمة لم تُدفن بعد.

 

وهنا تلتقي كربلاء بفلسطين.

 

ليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، ولا لأن كل معركة هي كربلاء، بل لأن ثمة معنى إنسانيًا عابرًا للقرون: ماذا يفعل الإنسان حين يجد الظلم أمامه؟

 

في كربلاء كان السؤال عن الكرامة.

 

وفي فلسطين هو سؤال الكرامة نفسه وقد ارتدى ثوبًا آخر.

 

وفي الجنوب، بالنسبة إلى من اختاروا الإسناد، صار السؤال امتحانًا جديدًا للذاكرة.

 

كأن التاريخ يقول إن الأزمنة تتبدل، وإن السيوف تصبح صواريخ، وإن الخيام تصبح مدنًا مهدمة، وإن أسماء الأماكن تتغير، لكن الإنسان يبقى هو الإنسان، والظلم يبقى ظلمًا، والكرامة لا تتغير.

 

ولذلك لم يكن الشهداء الذين سقطوا في طريق الإسناد مجرد أرقام في نشرات الأخبار بالنسبة إلى أهلهم.

 

كانوا أبناء بيوت.

 

كان لكل واحد منهم أم تنتظر، وأب يختزن صورته، وزوجة، وأطفال، وأصدقاء، وشارع يعرف خطواته.

 

وهنا تكمن مأساة المقاومة وحقيقتها الإنسانية في آن.

 

فالذين يكتبون التاريخ بالدم ليسوا حروفًا في كتاب.

 

إنهم بشر.

 

وحين يسقط أحدهم، لا يسقط مجرد مقاتل؛ يسقط عالم صغير كامل من العلاقات والذكريات والأحلام.

 

لكن الذين آمنوا بهذا الطريق رأوا في الشهادة استمرارًا لمعنى أكبر من أعمار الأفراد.

 

من علي إلى الحسين والعباس، ومن شهداء الجنوب الأوائل إلى الحاج رضوان والحاج قاسم والسيد أبو ياسر، وصولًا إلى شهداء هذه المرحلة، هناك سلسلة طويلة من الأسماء التي تقول إن بعض الناس اختاروا أن يجعلوا حياتهم جزءًا من قضية يعتقدون أنها أكبر من حياتهم.

 

وهنا نفهم الآية على نحو آخر:

 

«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى».

 

فالإنسان يأخذ بالأسباب، ويخطط، ويقاتل، ويصبر، ويقدم ما يستطيع.

 

لكن المؤمن يعرف أن النتائج ليست ملكه.

 

قد ينجح وقد يخفق.

 

قد ينتصر في معركة ويخسر أخرى.

 

وقد يظن أنه يعرف إلى أين يسير التاريخ، ثم يكتشف أن التاريخ كان يحمل مفاجآته في مكان آخر.

 

أما ما يبقى للإنسان، فهو موقفه.

 

أن يعرف لماذا وقف.

 

وأن يعرف لمن وقف.

 

وأن يعرف أن الكرامة ليست دائمًا الطريق الأقصر، لكنها الطريق الذي يجعل الإنسان قادرًا على النظر في عيون أبنائه بعد انتهاء العاصفة.

 

لقد كان الجنوب قادرًا على أن يقول: لسنا طرفًا.

 

لكنه لم يقلها.

 

وكان قادرًا على أن يختبئ خلف ضعف الدولة، أو الأزمة الاقتصادية، أو الخوف من حرب واسعة.

 

لكنه اختار، وفق رؤيته وقناعته، أن يكون حاضرًا.

 

قد نختلف حول السياسة.

 

وقد نختلف حول الكلفة.

 

وقد نختلف حول القرار وحساباته وحدوده.

 

وهذا حق طبيعي في وطن لا ينبغي أن تتحول فيه القضايا الكبرى إلى أسئلة محرمة.

 

لكن هناك شيئًا آخر لا ينبغي أن ننساه:

 

أن التاريخ لا يتذكر دائمًا من جلسوا في مقاعد المتفرجين.

 

إنه يتذكر الذين وقفوا عندما كان الوقوف مكلفًا.

 

وهكذا يبقى الجنوب.

 

ليس لأنه أكبر من لبنان، ولا لأنه فوق الدولة أو خارجها، بل لأنه جزء من ذاكرة هذا الوطن، وجزء من حكاية شعب ذاق الاحتلال ورفض أن يجعل الهزيمة قدرًا دائمًا.

 

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام فلسطين ولبنان والعرب جميعًا:

 

حين تنتهي الحروب، ماذا يبقى؟

 

قد تختفي الدخان.

 

قد تتغير الحكومات.

 

قد تُرسم خرائط جديدة.

 

وقد يجلس المتفاوضون حول الطاولات ويكتبون بنود الاتفاقات.

 

لكن شيئًا واحدًا لا يختفي بسهولة:

 

ذاكرة الذين وقفوا.

 

وهؤلاء سيبقون يقولون للأجيال التي تأتي بعدهم إن الجنوب لم يكن يومًا مجرد مساحة بين البحر والجبل.

 

كان قلبًا.

 

وكان جرحًا.

 

وكان ذاكرة.

 

وكان في لحظة من أشد لحظات التاريخ قسوة، يقول لغزة:

 

لستِ وحدك.

 

وحين تُكتب هذه الصفحة من التاريخ ذات يوم، لن يكون السؤال فقط: من انتصر ومن خسر؟

 

سيكون السؤال الأعمق:

 

من بقي إنسانًا حين حاول العالم أن يعتاد على المذبحة؟

 

وهنا، ربما، نفهم معنى الإسناد.

 

إنه أن تحمل بعضًا من وجع الآخرين كي لا يصبح وجعهم عاديًا.

 

وأن تقول للظلم: لن تكون وحدك في هذا العالم.

 

وأن تقول للمظلوم: هناك من رأى دمك، وسمع صرختك، ورفض أن يمرّ من أمامك كأن شيئًا لم يكن.

 

ومن بين ركام غزة، وبيوت الجنوب، وذاكرة كربلاء، وأسماء الشهداء، يظل المعنى واحدًا:

 

قد تتغير الأزمنة، وقد تتبدل الأسلحة، وقد تتساقط الرايات، لكن الكرامة لا تموت ما دام هناك من يحملها.

 

وعندها فقط يصبح قول الله:

 

«وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»

 

ليس وعدًا بانتصارٍ دنيوي مضمون، بل درسًا في معنى أن يبذل الإنسان وسعه، ثم يترك لله ما وراء وسعه.

 

وهذا هو الإسناد.

 

أن تفعل ما تستطيع.

 

أن تقف حيث ترى الحق.

 

أن تدفع الثمن إن اقتضى الأمر.

 

ثم ترفع عينيك إلى السماء وتقول:

 

يا رب، نحن فعلنا ما استطعنا… والباقي لك وعليك .

شارك