الوعي التائه في وطن المنفى

الوعي التائه في وطن المنفى.

 

بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل

 

ثَمّةَ منافي لا تحتاج إلى حدودٍ تعبرها، ولا إلى حقائب تُحمل على عجل، ولا إلى وداعٍ أخير عند بوّابة الرحيل؛ منافي تبدأ حين تستيقظ الروح في مكانها، فتكتشف أنّ المكان لم يعد يعرفها، وحين ينظر الإنسان إلى وطنه بعينين مفتوحتين، فلا يرى فيه سوى المسافة التي تفصله عن المعنى. هناك، حيث تتجاور البيوت وتتنافر الأرواح، وحيث تحفظ الطرقات أسماء العابرين فيما تنسى أحلامهم، يبدأ الوعي رحلته الأكثر قسوةً: رحلة البحث عن وطنٍ داخل وطن، وعن حقيقةٍ لا تُصادَر، وعن مساحةٍ يستطيع فيها أن يفكّر دون أن يعتذر، وأن يرى دون أن يُتّهم، وأن يكون نفسه دون أن يدفع من روحه ثمنًا لا ينتهي. إنّه المنفى الذي لا يُخرجك من أرضك، بل يُخرج الأرض من يقينك؛ فلا تعود غريبًا لأنك بعيد، بل لأنك أصبحت ترى ما لا يريد الآخرون رؤيته، وتشعر بما اعتادوا إنكاره، وتدرك أنّ الوطن الذي يسكن الذاكرة قد يكون أرحب من الوطن الذي تحاصره الوقائع.

إنّ المأساة الكبرى ليست أن يفقد الإنسان وطنه، بل أن يفقد الوطن قدرته على أن يكون وطنًا في وعي أبنائه. فالأوطان لا تُقاس باتّساع جغرافيّتها وحده، ولا بارتفاع أبنيتها، ولا بكثرة الأعلام التي ترفرف فوق مؤسّساتها؛ إنّما تُقاس بما تمنحه للإنسان من كرامة، وبما تتيحه لعقله من حرية، وبما تتركه في قلبه من يقينٍ بأنّ وجوده ليس عبئًا على أرضه. وحين تتآكل هذه المعاني، تبقى الجغرافيا في مكانها، بينما ينسحب الوطن من الداخل، كما ينسحب الضوء من غرفةٍ أُغلقت نوافذها طويلًا. عندئذٍ، يصبح الإنسان مقيمًا في ذاكرة وطنه، لا في واقعه؛ يحمل صورته القديمة كما يحمل المرء رسالةً من شخصٍ مات، ويواصل العيش بين تفاصيل يعرفها، لكنّه لم يعد يجد فيها ما يُطمئنه إلى أنّ الانتماء ما زال حقيقةً حيّة، لا مجرّد حنينٍ يُستدعى كلّما اشتدّ الاغتراب.

والوعي، حين يبلغ مرحلةً من النضج لا تسمح له بالتواطؤ مع الوهم، يتحوّل أحيانًا إلى منفى داخل صاحبه. يرى التناقض حيث يبحث الآخرون عن مبرّراته، ويسمع صراخ الحقيقة تحت طبقات الضجيج، ويكتشف أنّ كثيرًا ممّا يُقدَّم بوصفه يقينًا ليس سوى خوفٍ ورثه الناس حتى نسوا أنّ لهم حقّ السؤال عنه. وهنا تبدأ غربته الحقيقية؛ إذ لا يعود قادرًا على استعادة براءته الأولى، ولا على إغماض عينيه أمام ما انكشف له، ولا على العودة إلى الطمأنينة التي كان يمنحها الجهل بالتفاصيل. إنّه يدفع ثمن الرؤية في عالمٍ يفضّل سلامة العمى، وثمن السؤال في بيئةٍ تعتبر الإجابات الموروثة حدودًا لا يجوز تجاوزها. وما أقسى أن ترى الطريق إلى الحقيقة، ثم تكتشف أنّ الوصول إليها لا يقرّبك بالضرورة من الآخرين، بل قد يجعلك أكثر وحدةً بينهم؛ كأنّ البصيرة نافذةٌ تُطلّ على العالم، لكنها تفتح في الوقت نفسه هاويةً بينك وبين الذين اختاروا ألّا ينظروا.

في وطن المنفى، لا تُقمع العقول دائمًا بالقوة، فقد يكون القمع أكثر دهاءً حين يتخفّى في هيئة عادة، أو مصلحة، أو خوفٍ جماعيّ، أو حقيقةٍ جاهزة تُلقَّن للناس حتى تصبح جزءًا من لغتهم اليومية. هناك، لا يحتاج الإنسان إلى سجنٍ يُغلق بابه خلفه، إذا استطاعت الجماعة أن تجعله رقيبًا على أفكاره، وأن تدفعه إلى حذف أسئلته قبل أن ينطق بها، وأن تُقنعه بأنّ الاختلاف خطر، وأنّ الصمت حكمة، وأنّ النجاة تتطلّب منه أن يتنازل قليلًا عن نفسه كلّ يوم. ومع مرور الزمن، لا يعود المنفى جدارًا يفصل الإنسان عن العالم، بل يصبح جدارًا يبنيه في داخله، حجرًا بعد حجر، كلّما خاف أن يكون صادقًا، أو فضّل القبول على المواجهة، أو استبدل قناعًا يرضي الآخرين بوجهٍ كان يشبهه. والمفارقة أنّ الإنسان قد يعتاد سجنه إلى درجة أنّه، حين تُفتح أبوابه، يخاف الخروج؛ لأنّ الحرية ليست أن تُزال القيود عن اليدين فحسب، بل أن يستعيد العقل شجاعته في استخدامهما لفتح الأبواب.

وما يجعل هذا المنفى أكثر إيلامًا أنّه لا يسلب الإنسان المكان وحده، بل يربك علاقته بالحقيقة أيضًا. فحين تتكاثر الروايات المتناقضة، وتُعاد صياغة الوقائع وفق أهواء المصالح، ويصبح الضجيج أقوى من البرهان، يجد الوعي نفسه واقفًا في ساحةٍ مزدحمة، يحمل مصباحه الصغير، فيما تتسابق حوله أيدٍ كثيرة لإقناعه بأنّ الظلال هي الحقيقة، وأنّ ما يراه بعينيه مجرّد وهم، وأنّ الشكّ في الرواية السائدة خيانةٌ لا يبرّرها العقل. عندها، لا تكون المعركة بين الحقيقة والكذب فحسب، بل بين قدرة الإنسان على التفكير ورغبته في الراحة؛ فالحقيقة قد تجرح انتماءه، وتزعزع مسلّماته، وتحرمه دفء الجماعة، بينما يمنحه الوهم مقعدًا آمنًا بين الآخرين. وهكذا، قد يختار بعض الناس أن يكونوا منفيّين عن الحقيقة كي لا يصبحوا غرباء عن محيطهم، غير مدركين أنّ أخطر أنواع الغربة هو أن يصفّق الإنسان لما لا يؤمن به، حتى ينسى صوت قلبه تحت التصفيق.

ولعلّ أشدّ ما يفتّت الروح أن يتحوّل الوطن إلى امتحانٍ يوميّ للضمير؛ أن تضطرّ إلى الاختيار بين ما تعرف أنّه حقّ وما يُطلب منك أن تقبله، بين ما تمليه عليك إنسانيتك وما تفرضه عليك العصبيّات، بين أن تبقى وفيًّا لقناعاتك أو أن تُخفّف من وضوحها كي لا تُزعج أحدًا. فالوطن الذي يطلب من أبنائه أن يتخلّوا عن عقولهم كي يثبتوا انتماءهم لا يحمي هويّتهم، بل يختبر قدرتهم على التنازل عنها. والانتماء الحقيقي لا يعني أن نُعطّل أسئلتنا، أو نقدّس أخطاءنا، أو نُحوّل حبّ الأرض إلى حصانةٍ تمنعنا من نقد ما يُرتكب باسمها؛ بل أن نحبّها بما يكفي كي لا نكذب عليها، وأن نرفض تشويهها ولو صدر التشويه عن الذين يرفعون اسمها، وأن ندرك أنّ الوفاء للوطن لا يكون بتبرير كلّ ما يحدث فيه، بل بالدفاع عن الإنسان الذي من أجله اكتسب الوطن معناه. فالأرض التي لا تتّسع للحقيقة تضيق بأبنائها، مهما اتّسعت حدودها، والوطن الذي يخاف من وعي مواطنيه يحكم على مستقبله بأن يُبنى فوق أسئلةٍ مؤجّلة وجراحٍ لم تجد لغةً للاعتراف بها.

وفي خضمّ هذا التيه، تتشظّى فكرة الوطن داخل الإنسان إلى وطنين: وطنٍ يسكنه، ووطنٍ يؤمن به. الأوّل يراه كلّ يوم، بتناقضاته وانكساراته ومفارقات الحياة فيه؛ والثاني يحمله في أعماقه بوصفه احتمالًا أخلاقيًّا لم يتحقّق بعد، مكانًا يتخيّل فيه العدالة من دون انتقائية، والكرامة من دون استثناء، والاختلاف من دون إقصاء، والحرية من دون خوف. وبين الوطنين يعيش الوعي معلّقًا كجسرٍ لم يكتمل طرفاه؛ لا يستطيع أن يتخلّى عن حلمه، ولا يستطيع أن يتظاهر بأنّ الواقع قد حقّقه. وقد يبدو هذا التناقض ضربًا من العذاب، لكنه يحمل في داخله بذرة الأمل؛ لأنّ الإنسان الذي ما زال يقارن الواقع بما ينبغي أن يكون عليه لم يفقد قدرته على الحلم، ولأنّ الألم الذي يسبّبه التناقض قد يكون الدليل الأخير على أنّ الضمير لم يستسلم بعد. إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للوعي ليس أن يتألّم من وطنه، بل أن يفقد القدرة على تخيّل وطنٍ أفضل، وأن يتصالح مع القبح حتى يصبح الجمال في نظره ضربًا من السذاجة.

غير أنّ الوعي، مهما طال تيهه، لا يُولد ليبقى مشرّدًا إلى الأبد. فثمّة لحظةٌ يكتشف فيها الإنسان أنّ الخلاص لا يبدأ بالعثور على مكانٍ آخر، بل باستعادة المكان الذي فقده في داخله؛ أن يصالح عقله مع حقّه في السؤال، وروحه مع حقّها في الرفض، وضميره مع مسؤوليته عن ألّا يتحوّل إلى شاهدٍ صامت على ما يعرف أنّه خطأ. وليس المقصود أن يحمل الإنسان نفسه فوق طاقتها، أو أن يتوهّم أنّ فردًا واحدًا قادرٌ على إصلاح عالمٍ كامل، بل أن يحمي المساحة التي لا يجوز للعالم أن يصادرها منه: مساحة التفكير الحرّ، والتمييز الأخلاقي، والقدرة على الاعتراف بالحقيقة حتى حين لا تخدم مصلحته. فحين يعجز المرء عن تغيير كلّ ما حوله، يستطيع على الأقل ألّا يسمح لما حوله بأن يغيّر جوهره؛ وحين تضيق الأرض بأسئلته، يستطيع أن يُبقيها حيّة، لأنّ السؤال الذي يبقى في الوعي قد يصبح يومًا بداية الطريق نحو واقعٍ مختلف.

إنّ استعادة الوطن لا تبدأ دائمًا من الحدود، ولا من الشعارات التي تُرفع فوق المنابر، بل من استعادة الإنسان لقدرته على أن يرى، وأن يفكّر، وأن يختلف، وأن يمنح الآخر حقًّا في الوجود لا يتوقّف على مقدار الشبه بينهما. فالأوطان لا تُشفى حين يتّفق الجميع على الصمت، بل حين يصبح الاختلاف مساحةً للفهم لا ذريعةً للعداء، وحين لا يعود الاعتراف بالخطأ هزيمةً، ولا النقد خيانةً، ولا الحقيقة ملكيّةً حصريةً لفئةٍ أو جماعة. عندها فقط، يمكن للوعي أن يتوقّف عن التجوال بين أطلال المعاني، وأن يبدأ ببناء وطنٍ لا يُطلب فيه من الإنسان أن يختار بين انتمائه وكرامته، ولا بين محبّته وحقيقته. وطنٍ لا يخاف من العقول التي تسائله، لأنّه يعرف أنّ الوعي الذي ينتقده بصدقٍ قد يكون أخلص له من آلاف الأصوات التي تمدحه خوفًا أو طمعًا.

ربّما لا يكون المنفى الأشدّ قسوةً أن تُغلق الأوطان أبوابها في وجوهنا، بل أن تبقى أبوابها مفتوحةً فيما نعجز عن العثور على أنفسنا خلفها؛ أن نملك حقّ الإقامة، ونفتقد شعور الانتماء، وأن نعرف أسماء الأمكنة كلّها، ولا نجد مكانًا واحدًا نستطيع أن نضع فيه رؤوسنا دون أن نُخفي شيئًا من حقيقتنا. وربّما كانت مأساة الوعي أنّه كلّما اتّسعت رؤيته، ضاقت عليه المساحات التي يستطيع أن يعيش فيها مطمئنًّا؛ لكنّ هذه المأساة لا ينبغي أن تتحوّل إلى حكمٍ أبديّ بالتيه. فالوعي الذي يعرف أنّه تائه قد بدأ، في مكانٍ عميق منه، رحلة العودة، والروح التي تشعر بغربتها لم تفقد تمامًا ذاكرتها عن الوطن الذي تستحقّه.

سيظلّ الإنسان يبحث عن أرضٍ تأويه، لكنّ السؤال الأعمق سيبقى: من يؤوي الوعي حين يصبح الوطن نفسه غريبًا عنه؟ ولعلّ الجواب يبدأ حين نفهم أنّ الأوطان ليست ما نرثه من حدودٍ وحكاياتٍ فحسب، بل ما ننجح في حمايته من قيمٍ ومعانٍ؛ وأنّ الوطن الذي نفقده حين نخسر حريّة التفكير لا تعيده إلينا خرائط العالم كلّها. فالمنفى الحقيقي ليس أن تقف خارج حدود وطنك، بل أن تقف داخل حدوده وتضطرّ إلى مغادرة ذاتك كي تستطيع البقاء فيه. أمّا النجاة، فأن ترفض أن تكون غريبًا عن ضميرك، حتى لو طال الطريق، وأن تحمل في أعماقك وطنًا من الحقيقة لا تستطيع المنافي كلّها أن تنتزعه منك؛ لأنّ الأرض قد تُضيَّق، والأبواب قد تُغلَق، والأصوات قد تُحاصَر، لكنّ الوعي الذي لم يتخلَّ عن نوره يظلّ شاهدًا على أنّ العتمة، مهما اتّسعت، ليست وطنًا أبديًّا، وأنّ الإنسان لا يبدأ بالعودة إلى وطنه حين تطأ قدماه أرضه من جديد، بل حين يستعيد حقّه في أن يكون إنسانًا كاملًا فوقها.

شارك