
الحداثة لم تغيرنا
كتب العميد الدكتور بهاء حسن حلال
المصدر : مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
ثمة مفارقة غريبة تعيشها مجتمعات الشرق الأوسط اليوم:
نحن نعيش في زمن الحداثة، لكننا لم نصبح بالضرورة مجتمعات حديثة. نحمل الهاتف الذكي، نستخدم الذكاء الاصطناعي، نتعامل مع المصارف الإلكترونية، نتابع العالم لحظة بلحظة، ونتحدث عن التحول الرقمي والثورة التكنولوجية، لكننا قد نعود، عند أول اختبار اجتماعي أو سياسي، إلى أنماط تفكير تنتمي إلى زمن مختلف تمامًا.
كأن الحداثة وصلت إلينا كجهاز، ولم تصل كفكرة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: التكنولوجيا غيّرت طريقة تواصلنا، لكنها لم تغيّر بالضرورة طريقة تفكيرنا ، فاختصرت المسافات، لكنها لم تختصر المسافات بين الجماعات.
جعلت المعلومة متاحة للجميع، لكنها لم تجعل الجميع أكثر انفتاحًا على الآخر. بل إننا أحيانًا نستخدم أكثر الأدوات حداثة للدفاع عن أكثر الأفكار تقليدية.
الهاتف ذكي… والمجتمع ليس بالضرورة كذلك.
لكن المشكلة ليست في الهاتف، ولا في التكنولوجيا، ولا حتى في الحداثة نفسها.
المشكلة في الاعتقاد بأن الحداثة تنتقل بمجرد استيراد منتجاتها ، فالحداثة في جوهرها ليست مجموعة أجهزة، وإنما تحوّل في علاقة الإنسان بالسلطة، والمعرفة، والقانون، والفرد، والمجتمع ، والطبيعة والمرأة ، والآخر.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث عندما تدخل التكنولوجيا الحديثة إلى مجتمع لم تستكمل فيه التحولات الثقافية والمؤسسية التي أنتجت الحداثة في الأصل؟
يقدم عالم الاجتماع شموئيل آيزنشتادت، من خلال مفهوم ” الحداثات المتعددة ” ، مدخلًا مهمًا لفهم هذه المسألة ،
فالحداثة في نظره، ليست نموذجًا غربيًا واحدًا يجب على المجتمعات الأخرى نسخه ، بل يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب التاريخ والثقافة والمؤسسات.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في أن مجتمعاتنا لم تصبح نسخة من المجتمعات الغربية، وإنما في أن بعض مظاهر الحداثة عندنا دخلت إلى البنية الاجتماعية من الخارج ، بينما بقيت أجزاء أساسية من تلك البنية تعمل بمنطق تقليدي.
لقد أصبحنا نعيش ازدواجية لافتة: أدوات حديثة داخل علاقات قديمة، ومعلومات عالمية داخل عقول محلية مغلقة، وقوانين حديثة أحيانًا داخل ممارسات اجتماعية تحكمها الاعتبارات الشخصية والعائلية والطائفية، وشبكات تواصل عالمية تستخدم أحيانًا لإعادة إنتاج الانقسامات القديمة.
وهذا ما يجعل الحداثة عندنا أحيانًا حداثة في الوسيلة، لا في العقل.
فالإنسان الذي يستطيع أن يتواصل مع شخص في الطرف الآخر من العالم خلال ثوانٍ، قد يعجز عن تقبل شخص يختلف عنه في الطائفة أو الرأي أو البيئة الاجتماعية. والذي يملك القدرة التقنية على الوصول إلى ملايين مصادر المعرفة، قد يختار منها فقط ما يؤكد قناعته السابقة . والأسرة التي تستخدم أحدث التطبيقات، قد تبقى في بعض الحالات أسيرة تصور تقليدي للسلطة داخلها . والمؤسسة التي تعتمد الأنظمة الرقمية، قد تستمر في إدارة العلاقات بمنطق الشخص والواسطة والمحسوبية ، وهنا لا تعود التكنولوجيا قوة تغيير تلقائية، بل تصبح أداة يمكن للمجتمع أن يضع فيها ثقافته القديمة.
وهذا يفسر لماذا لا يؤدي التقدم التقني بالضرورة إلى التقدم الاجتماعي ، فالتكنولوجيا تستطيع أن تغيّر سرعة الحياة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغيّر منظومة القيم التي تحكم هذه الحياة.
وقد ساهمت نظرية التحديث، ولا سيما في أعمال رونالد إنغلهارت، في إبراز العلاقة بين التحولات الاقتصادية والاجتماعية وبين تغير القيم ، فمع ارتفاع مستوى التعليم والأمن الاقتصادي وتراجع بعض أشكال الهشاشة، تميل المجتمعات، وفق هذا الاتجاه، إلى إعطاء مساحة أكبر لقيم مثل الاستقلال الفردي، والمشاركة، والتعبير عن الذات، والثقة بالمؤسسات.
لكن هذه العلاقة ليست ميكانيكية، ولا تحدث بالسرعة نفسها في كل مجتمع؛ إذ يمكن للتحديث الاقتصادي والتقني أن يتقدم أسرع بكثير من التغيير القيمي والمؤسسي ، وهذا بالضبط ما يجعل حالتنا جديرة بالتأمل.
لقد دخلنا العصر الرقمي قبل أن نحسم بصورة كاملة علاقتنا ببعض أسئلة العصر الحديث: ما حدود سلطة العائلة؟ ما موقع الفرد أمام الجماعة؟ هل المواطن متساوٍ أمام القانون ؟ هل القانون فوق العلاقات الشخصية؟ هل الاختلاف تهديد أم حق؟ وهل الانتماء الوطني يتقدم على الانتماءات الفرعية أم يتعايش معها في ترتيب مختلف؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا ، إنها جوهر الحداثة.
فالحداثة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الإنسان من مجرد مستخدم للأدوات إلى صاحب عقل نقدي قادر على مساءلة ما اعتاده ، تبدأ عندما تصبح الدولة مؤسسة لا شخصًا، والقانون قاعدة لا استثناء، والمواطنة علاقة حقوق وواجبات لا مجرد شعار، والعائلة فضاءً للحماية لا بالضرورة فضاءً لإنتاج السلطة، والاختلاف مصدرًا للتنوع لا سببًا للإلغاء.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أخطر مفارقات عصرنا الرقمي ، فالتكنولوجيا التي كان يُفترض أن توسّع فضاء الإنسان قد تتحول إلى وسيلة لإغلاقه.
ففي الماضي كان الإنسان يعيش داخل بيئة اجتماعية محدودة تحدد له إلى حد بعيد من يسمع ومن يرى ومن يصدق ، أما اليوم فقد أصبح العالم كله أمامه، لكنه قد يختار أن يعيش داخله في غرفة رقمية صغيرة ، فتتيح له المنصات أن يلتقي المختلف، لكنها تمنحه أيضًا القدرة على حجب المختلف ، كما تمنحه ملايين الأصوات، لكنها قد تعيده في النهاية إلى مجموعة صغيرة من الأصوات التي تشبهه.
وهنا تبدأ الحلقة التالية من هذه السلسلة: “نحن والآخر في زمن وسائل التواصل الاجتماعي ”
فثنائية ” نحن وهم ” لم تختفِ في العصر الرقمي ؛ لقد غيّرت مكانها فقط ، فلم تعد تحتاج إلى حدود جغرافية أو حواجز مادية، بل تستطيع أن تتشكل داخل شاشة صغيرة ، قد يصبح ” الآخر ” هو صاحب الرأي المختلف، أو ابن الطائفة الأخرى، أو المختلف سياسيًا، أو حتى الشخص الذي يعيش إلى جانبنا لكنه يرى العالم بطريقة أخرى.
ثم تأتي الخوارزمية لتضيف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فهي لا تسأل فقط: ماذا نريد أن نرى؟
بل تتعلم مما نتوقف عنده، وما نشاركه، وما نختلف حوله، وما يثير غضبنا أو خوفنا ، ومع الوقت قد يصبح العالم الذي تعرضه لنا المنصة انعكاسًا انتقائيًا لعالمنا نحن ، حتى نبدأ بالاعتقاد أن ما نراه يمثل الحقيقة كلها.
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة من مجرد استخدام التكنولوجيا ، فنحن لا نعيش فقط في عالم رقمي؛ نحن نعيش داخل بيئات معلوماتية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخر والمجتمع والطبيعة والدولة.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه في الشرق الأوسط ليس: هل دخلنا عصر التكنولوجيا؟
الإجابة واضحة: نعم.
السؤال الحقيقي هو: هل دخلت التكنولوجيا إلى مجتمعنا، أم دخل مجتمعنا إلى منطق التكنولوجيا؟
فالحداثة لا تقاس بعدد الهواتف الذكية، ولا بسرعة الإنترنت، ولا بعدد التطبيقات التي نستخدمها ، إنها تقاس بقدرتنا على إعادة بناء العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين السلطة والمواطن، وبين المعرفة والقرار، وبين ” نحن” و “الآخر” .
قد نمتلك أحدث هاتف في العالم ، لكننا إذا استخدمناه لتأكيد تحيزاتنا القديمة ، فإننا لم نغيّر شيئًا سوى شكل المرآة ، وقد نعيش في أكثر البيئات اتصالًا بالعالم ، لكننا إذا بقينا عاجزين عن الحوار مع المختلف ، فإننا نكون متصلين تقنيًا ومنعزلين اجتماعيًا.
فالحداثة إذًا ليست أن تصبح شاشاتنا أكثر ذكاءً ، بل أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على التفكير خارج الشاشة ، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مجتمعاتنا: ألا نستورد المستقبل بأدواته فقط، بل أن نعيد بناء الثقافة التي تجعل هذا المستقبل ممكنًا.
فالمشكلة ليست أن لدينا هاتفًا ذكيًا ومجتمعًا لم يصبح ذكيًا بعد؛ المشكلة أن الحداثة نفسها قد تتحول إلى قشرة تقنية إذا لم ترافقها حداثة في العقل، وفي المؤسسة، وفي علاقة الإنسان بالآخر.
ومن هنا تبدأ رحلتنا من الحداثة التي لم تغيّرنا، إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف أصبح الآخر الذي نختلف معه يعيش معنا داخل الشاشة نفسها؟
وربما، في زمن الخوارزميات، لم يعد السؤال فقط: من نحن؟ ومن هم؟
بل أصبح السؤال الأصعب:
من الذي يعرّف لنا نحن، ومن الذي يصنع لنا الآخر؟


