دعوات لوقف الحروب في المنطقة…وتصريحات نتنياهو تعيد طرح خطورة «الضربة الأولى»

 

 

سعيد فارس السعيد

 

في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وتزايد المخاوف من اتساع دائرة المواجهات، تكتسب الدعوات الداعية إلى وقف الحروب واللجوء إلى الحوار والوساطة أهمية استثنائية، ولا سيما عندما تصدر عن مرجعيات دينية ومؤسسات وطنية تدرك أن استمرار الصراعات يهدد استقرار الدول، ويستنزف المجتمعات، ويضع المدنيين أمام أثمان إنسانية باهظة.

وفي هذا السياق، تبرز الدعوة التي أطلقها شيخ الأزهر الشريف، فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، إلى الدول العربية والإسلامية لوقف الحروب والعمل على تشكيل لجنة للوساطة تسهم في إنهاء النزاعات، وهي دعوة حظيت بتأييد سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، الذي أكد أهمية العمل المشترك لوقف الحروب والصراعات، وتغليب الحوار والحكمة على استخدام القوة.

ولا تكمن أهمية هذا التوافق في صدور موقفين متقاربين فحسب، بل في إمكان تحويلهما إلى مبادرة سياسية عربية وإسلامية فاعلة، تتجاوز حدود التصريحات، وتعمل على فتح قنوات التواصل بين الأطراف المعنية، بما يحفظ سيادة الدول ووحدة أراضيها وحق شعوبها في تقرير مصيرها، ويحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات أوسع.

الأزهر والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: توافق يتطلب تحركًا عمليًا

إن دعوة الأزهر الشريف، وتأييد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لها، يعكسان إدراكًا متزايدًا لخطورة استمرار الحروب، وللحاجة إلى تحرك مسؤول يجمع الدول العربية والإسلامية حول هدف واضح، يتمثل في وقف التصعيد، وتهيئة الظروف الملائمة لمعالجة النزاعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.

ومن هنا، فإن تشكيل لجنة وساطة لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان جديد يضاف إلى المبادرات السابقة، بل خطوة عملية تستند إلى الثقة والاستقلالية والحكمة، وتضم شخصيات وجهات قادرة على التواصل مع الأطراف المعنية، وفهم أسباب الخلافات، واقتراح مسارات قابلة للتنفيذ.

وتحتاج مثل هذه اللجنة إلى دعم سياسي حقيقي، وإلى ولاية واضحة تحدد أهدافها وآليات عملها، مع احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والامتناع عن فرض الحلول بالقوة، والاحتكام إلى الحوار والقانون الدولي في معالجة النزاعات.

كما أن نجاحها يرتبط بقدرتها على الانتقال من إدارة الاتصالات إلى تحقيق نتائج ملموسة، وفي مقدمتها وقف الأعمال العسكرية التي تهدد المدنيين، وتوفير الظروف اللازمة لعودة الاستقرار، ومنع اتساع رقعة الصراع.

لبنان في صلب المبادرة: وقف الاعتداءات والانسحاب وعودة الأهالي

إن إدراج العدوان الإسرائيلي على لبنان ضمن أولويات لجنة الوساطة المقترحة ليس تفصيلًا جانبيًا، بل ضرورة سياسية وإنسانية، في ظل ما يترتب على استمرار الاعتداءات من خسائر بشرية ومادية، ونزوح للسكان، وتدمير للمنازل والبنى التحتية، وتعطيل لمقومات الحياة في المناطق المتضررة.

وقد أكد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى استعداده لدعم الجهود الرامية إلى إنجاح مبادرة الوساطة، مع التشديد على ضرورة أن تشمل ولايتها العمل على وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والضغط من أجل الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتمكين الأهالي من العودة إلى مناطقهم، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

وهذه الأولويات مترابطة؛ إذ لا يمكن فصل وقف الاعتداءات عن حماية المدنيين، ولا فصل عودة السكان عن ضمان سلامتهم، كما لا يمكن الحديث عن التعافي من دون معالجة آثار الدمار وتأمين مقومات الحياة الأساسية.

إن عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم ليست مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل حق يرتبط بالأرض والكرامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ومن ثم، فإن أي مسار سياسي جاد بشأن لبنان يجب أن يتناول بصورة واضحة وقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم، وإعادة الإعمار، بما ينسجم مع القانون الدولي والقرارات ذات الصلة.

كما أن حماية لبنان لا تتحقق بتوسيع المواجهة أو تركها مفتوحة، بل بتضافر الجهود السياسية والدبلوماسية، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، وصون سيادة البلاد ووحدة أراضيها، وتأمين الظروف التي تمكّن المواطنين من استعادة حياتهم الطبيعية.

ما نُقل عن نتنياهو ومخاطر «الضربة الأولى»

في مقابل الدعوات إلى وقف الحروب وتغليب الوساطة، تثير التصريحات المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن أفضلية توجيه الضربة الأولى أسئلة جدية حول منطق التصعيد العسكري، والنتائج التي يمكن أن تترتب على تحويل المبادأة بالهجوم إلى قاعدة في إدارة الصراعات.

وقد أورد تقرير باللغة الإنجليزية نشره موقع «رؤيا نيوز» مضمونًا منسوبًا إلى نتنياهو، يتحدث فيه عن درس تعلّمه في طفولته، ومفاده أن من يضرب أولًا يتمتع بأفضلية كبيرة. وهذه صياغة عربية لمعنى ما نقله التقرير، وليست اقتباسًا حرفيًا من نص عربي.

المصدر: https://en.royanews.tv/news/75056

وبصرف النظر عن السياق الذي وردت فيه هذه التصريحات، فإن التعامل مع «الضربة الأولى» بوصفها ضمانة للتفوق أو الحسم ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصًا في منطقة تتداخل فيها الجبهات والمصالح الإقليمية والدولية، ويمكن أن يؤدي فيها أي تصعيد غير محسوب إلى توسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها على جميع الأطراف.

فالضربة الأولى قد تمنح طرفًا ما أفضلية عسكرية مؤقتة، لكنها لا تضمن نهاية الصراع، ولا تعالج جذوره السياسية، ولا تمنع الردود المتبادلة أو توسع رقعة الحرب. وقد تتحول المبادأة العسكرية، بدل أن تكون طريقًا إلى الحسم، إلى بداية سلسلة من المواجهات التي يصعب ضبط مساراتها أو التنبؤ بنتائجها.

وتزداد خطورة هذا المنطق عندما تكون حياة المدنيين ومنازلهم ومصادر رزقهم في قلب المواجهة، وعندما تتحول المناطق السكنية والبنى التحتية إلى ساحات للصراع. فالتفوق العسكري لا يلغي المسؤوليات القانونية والإنسانية، ولا يمنح أي طرف حق تجاهل حماية المدنيين أو تجاوز قواعد القانون الدولي ذات الصلة.

ومن هنا، فإن مسؤولية القيادات السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار العسكري، بل أيضًا بقدرتها على منع الانزلاق إلى حروب مفتوحة، وتقدير عواقب قراراتها على المجتمعات والأجيال المقبلة.

الأمن الإقليمي مسؤولية مشتركة

إن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر من خلال منطق القوة وحده، ولا عبر فرض الوقائع العسكرية على حساب سيادة الدول وحقوق الشعوب. فالأمن المستدام يحتاج إلى معالجة أسباب الصراعات، واحترام الحدود والسيادة، ووقف الاعتداءات، وفتح مسارات سياسية جدية تعالج القضايا العالقة بدل ترحيلها من مواجهة إلى أخرى.

ولا يعني ذلك تجاهل المخاطر الأمنية أو التحديات التي تواجه الدول، بل التعامل معها بمسؤولية، عبر مؤسسات الدولة والقنوات الدبلوماسية والاتفاقات التي تضمن الحقوق وتحد من فرص الحرب.

كما أن الدول العربية والإسلامية مدعوة إلى تجاوز الخلافات البينية، وتوحيد الجهود حول المبادرات التي تخفف معاناة الشعوب، وتحول دون اتساع الصراعات. فالتباينات السياسية لا ينبغي أن تمنع التعاون في القضايا التي تمس حياة المواطنين واستقرار المجتمعات ومستقبل المنطقة.

أما المجتمع الدولي، فعليه مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات والتحذير من التصعيد، لتشمل اتخاذ خطوات جادة تضمن احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ووقف الاعتداءات، ومحاسبة الانتهاكات وفق الأطر القانونية المختصة، والعمل على إنهاء الاحتلال، وتوفير الظروف اللازمة لعودة النازحين والمهجرين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

إن ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات لا تسهم في حلها، بل تضعف الثقة بالمؤسسات الدولية، وتعمق الشعور بالظلم، وتمنح أسبابًا إضافية لاستمرار التوتر. ولذلك، فإن تطبيق القواعد القانونية والإنسانية بصورة متسقة يشكل ضرورة لحماية الشعوب وتعزيز فرص الاستقرار.

من الدعوة إلى التنفيذ: تشكيل لجنة الوساطة وتحديد ولايتها

حتى تتحول الدعوة إلى مبادرة مؤثرة، لا بد من الانتقال إلى خطوات عملية واضحة، يمكن تلخيصها في الآتي:

أولًا: تشكيل لجنة وساطة مستقلة وموثوقة، تضم شخصيات وجهات تتمتع بالحكمة والخبرة والقدرة على التواصل مع الأطراف المعنية، بعيدًا عن الاصطفافات التي قد تفقدها ثقة الأطراف أو قدرتها على أداء دورها.

ثانيًا: تحديد ولاية اللجنة وأولوياتها، بحيث تشمل وقف الحروب والاعتداءات، وفتح قنوات التواصل السياسي، والعمل على خفض التصعيد، مع إدراج العدوان الإسرائيلي على لبنان ضمن الملفات التي تتطلب تحركًا عاجلًا.

ثالثًا: وضع مسار واضح للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وربط الجهود السياسية بضمان عودة الأهالي إلى مناطقهم، وتوفير متطلبات إعادة الإعمار واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

رابعًا: توفير دعم عربي وإسلامي ودولي للمبادرة، بما يمنحها القدرة على التواصل والتأثير، ويحول دون بقائها في حدود المواقف الرمزية أو البيانات العامة.

خامسًا: اعتماد آلية لمتابعة النتائج وتقييمها، وفق أهداف ومهل زمنية واقعية، حتى تكون هناك مسؤولية واضحة عن تنفيذ الالتزامات، ويستطيع الرأي العام معرفة ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

إن هذه الخطوات لا تضمن النجاح تلقائيًا، لكنها تمنح المبادرة إطارًا عمليًا يساعدها على الانتقال من الدعوة إلى العمل، ومن التعبير عن النوايا إلى السعي لتحقيق نتائج قابلة للقياس.

الخاتمة: مسؤولية سياسية وواجب إنساني

إن التوافق بين الأزهر الشريف والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يجب ألا يبقى في حدود المواقف المعلنة، بل ينبغي أن يتحول إلى مبادرة عربية وإسلامية فاعلة، تضع وقف الحروب والاعتداءات في صدارة الأولويات، وتترجم المسؤولية السياسية والأخلاقية إلى خطوات واضحة تحمي الشعوب وتصون سيادة الدول.

ففي مواجهة منطق «الضربة الأولى» والتصعيد العسكري، تبرز مسؤولية الدول في منع اتساع المواجهات، والضغط لوقف الاعتداءات، والاحتكام إلى القانون الدولي، بدل ترك المدنيين رهائن للحسابات العسكرية وموازين القوة. كما أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تكتمل بالتحذير من التصعيد، بل تتطلب تحركًا جادًا يضمن حماية السكان، وينهي الاحتلال، ويمكّن النازحين من العودة إلى بيوتهم، ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة مقومات الحياة.

ومن هنا، فإن تشكيل لجنة الوساطة يجب أن يكون بداية لمسار عملي محدد الأهداف والمهل، لا محطة جديدة في سلسلة المبادرات المؤجلة. فالمعيار الحقيقي لنجاحها هو ما تحققه على الأرض من وقف للاعتداءات، وانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة آمنة للأهالي، وإعادة إعمار تحفظ كرامة الإنسان وحقه في العيش على أرضه.

إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات توقف نزيفها وتحمي مستقبلها. وأمام الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي مسؤولية تاريخية: إما تحويل هذه المبادرة إلى فعل سياسي ملموس، وإما ترك المنطقة لمزيد من التصعيد الذي سيدفع المدنيون ثمنه أولًا وأخيرًا.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

19 تشرين الأول/أكتوبر 2026

شارك