
ابتزاز بالبارود أم مقامرة بالصناديق؟ ترامب يهدد إيران بـ ‘غضب ملحمي’ وسط اختناق استراتيجي
أشرف التهامي.
في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بانتظار صناديق الاقتراع وتوازنات الانتخابات الأمريكية، لا يمانع دونالد ترامب في نقل العالم بلمحة عين إلى حافة الهاوية.
فبينما تتضارب تسريبات البيت الأبيض وتصريحات الدبلوماسيين حول المهلة والتوقيت، خرج الرئيس الأمريكي ليتحدث عن الحرب وكأنها زر يُضغط بدم بارد: إما اتفاق يرضي طموحه، أو ‘غضب ملحمي’ جديد تُطلق فيه الطائرات.
إنها ليست مجرد تهديدات عسكرية المظهر، بل هي مكيدة سياسية معقدة تُستخدم فيها أسعار البنزين وضغوط الشرق الأوسط كورقة نجاة أخيرة لحماية مقاعد الجمهوريين ولعبة النفوذ الشاملة.
يأتي تحذير ترامب في أعقاب اقتراح طرحه توم باراك بشن ضربة ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، وذلك على الرغم من تعهد البيت الأبيض بالانتظار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي؛ وفي المقابل، يشير مايك والتز إلى أن بإمكان الولايات المتحدة الإبقاء على حصارها، لكنه يشكك في المزاعم التي تتحدث عن مواجهة طويلة الأمد.
توجيه ضربة أمريكية لإيران أمرٌ واردٌ حدوثه في وقتٍ مبكرٍ.
قال توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، يوم الجمعة، إن توجيه ضربة أمريكية لإيران أمرٌ واردٌ حدوثه في وقتٍ مبكرٍ قد يكون خلال عطلة نهاية الأسبوع الجاري.
ورداً على سؤالٍ طرحه المعلق عبر الإنترنت ماريو نوفال حول إمكانية وقوع ضربةٍ خلال عطلة نهاية الأسبوع، أجاب باراك: “بالتأكيد”، ومع ذلك، سارع باراك إلى التأكيد على أن واشنطن لا تزال منفتحةً على التوصل إلى اتفاقٍ دبلوماسيٍ مع طهران، مشيراً إلى أن “الرئيس واضحٌ جداً؛ فهو منفتحٌ ومستعدٌ ومتاحٌ لإبرام اتفاق”، وأضاف أن المفاوضات في هذا الشأن مستمرةٌ منذ أشهر.
وبعد ساعات، طرح ترامب أيضاً احتمالية تنفيذ عملية عسكرية أمريكية أخرى إذا فشلت طهران في التوصل إلى اتفاق ، وقال:
“قد نقوم بعملية ’غضب ملحمي‘ (Epic Fury) صغيرة أخرى، أو أنهم سيوافقون على الاتفاق. إذا كانوا أذكياء، فسيقولون ببساطة: ’لنبدأ العمل الجاد‘. لكن، كما تعلمون، أشك في أنهم سيفعلون ذلك؛ فربما هم ليسوا أذكياء.”
"We may do another little Epic Fury, or they'll agree."
President Trump teases another potential U.S. strike on Iran if Tehran doesn't reach a deal.
"If they're smart, they'll just say, 'Let's get down to business.' But, you know, I doubt they'll do that because perhaps they're… pic.twitter.com/FzIkoiAl0L
— Fox News (@FoxNews) October 23, 2026
جاءت تصريحاته مناقضة لما ذكره البيت الأبيض يوم الخميس، من أن الولايات المتحدة لن تستأنف هجماتها على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر.
وقد استبعدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، صراحةً شنَّ ضربات أمريكية قبل موعد التصويت، رغم أن مسؤولين أشاروا إلى أن ترامب لا يزال يبقي الخيارات العسكرية مطروحةً على الطاولة.
في غضون ذلك، ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن واشنطن تستعد لمواجهة طويلة الأمد مع إيران، مستندةً في ذلك إلى مقابلة مع مايك والتز، السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى استخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية لانتزاع تنازلات من طهران في ظل تعثر المفاوضات.
وقد سُئل والتز عما إذا كانت الولايات المتحدة قد تجد نفسها في طريق مسدود مع إيران بعد عام من الآن، دون التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي أو العودة إلى ظروف الملاحة التي كانت سائدة قبل الحرب في مضيق هرمز.
وفي رده على “فاينانشال تايمز”، قال والتز: “لن أطرح سيناريوهات افتراضية”، معرباً عن أمله في أن تعود إيران إلى مفاوضات جادة قبل ذلك بكثير.
ومع ذلك، أكد والتز أن “الرئيس والبحرية الأمريكية قادران على الإبقاء على هذا الحصار في المستقبل المنظور”، في إشارة إلى القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية ،. كما أشار إلى أن الإدارة تعمل على تكثيف حملة الضغوط الاقتصادية.
وفي وقت لاحق، اعترض والتز على توصيف “فاينانشال تايمز” لتصريحاته بأنها تمثل تحذيراً من استعداد واشنطن لمواجهة طويلة الأمد ، ورداً على التغطية الإعلامية للمقابلة، قال إن الصحيفة أساءت نقل تصريحاته، مؤكداً أن القرارات المتعلقة بمدة استمرار الحصار ومسار الدبلوماسية تعود في نهاية المطاف إلى ترامب.
في غضون ذلك، هدد ترامب مراراً بشن ضربات جديدة ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر، أي بعد أسبوع واحد فقط من الانتخابات الإسرائيلية.
وفي تصريحات للصحفيين خارج البيت الأبيض يوم الجمعة، ألمح ترامب إلى أن واشنطن قادرة على إنهاء الحرب بسرعة، لكنه أوضح أنه يدرس ما إذا كان ينبغي عليه الإقدام على ذلك أم ترك الصراع يضعف تدريجياً.
قال ترامب: “يمكننا إنهاء الأمر بسرعة كبيرة. هل نريد القضاء عليه تماماً، أم نكتفي بتركه يذوي ببطء؟”.
كما وصف ترامب إيران بأنها “دولة فاشلة”، واستعرض ما اعتبره إنجازات أمريكية في هذا الصراع، بما في ذلك زيادة شحنات النفط عبر مضيق هرمز، زاعماً أن الولايات المتحدة تحقق النتائج التي تصبو إليها.
وقد دخلت الحرب -التي توقع ترامب في بدايتها ألا تتجاوز أربعة إلى خمسة أسابيع- شهرها التاسع الآن ، وقد تسببت هذه الحرب في ارتفاع أسعار البنزين إلى مستويات قياسية، في ظل قيام إيران بتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات التجارية البحرية في العالم.
وربما الأهم بالنسبة لترامب هو أن الحرب ألحقت ضرراً بالغاً بشعبيته داخل الولايات المتحدة، حتى بين الناخبين الجمهوريين؛ إذ انخفضت نسبة تأييده إلى نحو 31%، وذلك قبل أقل من أسبوعين على موعد انتخابات التجديد النصفي.
كما يواجه الحزب الجمهوري احتمال فقدان سيطرته على مجلسي الكونغرس، في ظل تزايد الاستياء الشعبي من ارتفاع الأسعار.
وفي مسعى لخفض تكاليف الوقود، أبرم ترامب هذا الشهر اتفاقاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يسمح ببيع الديزل الروسي للولايات المتحدة بعد سنوات من العقوبات.
وقد قوبلت هذه الخطوة بانتقادات حادة من قادة غربيين، حذروا من أن العائدات ستوفر لموسكو شريان حياة مالياً يُمكّنها من مواصلة حربها ضد أوكرانيا، التي تقترب الآن من عامها الخامس.
ومن جانبه، دافع والتز -الذي ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أنه كان من الداعمين لتقديم الولايات المتحدة الدعم للحكومة الأوكرانية خلال فترة عضويته في الكونغرس عام 2024- عن اتفاق ترامب.
وقد جادل بأن هذا الترتيب كان ضرورياً لمعالجة نقص عالمي في المنتجات النفطية المكررة، وهو نقص أثر على قطاعات متنوعة، بدءاً من الطيران وصولاً إلى الزراعة ، وأشار والتز إلى أن نقص الأسمدة يساهم في تفاقم أزمة إنسانية في شرق أفريقيا.
ووفقاً لوالتز، كان ترامب يسعى للموازنة بين احتياجات الطاقة العالمية، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الديزل ، كما ألمح إلى أن العائدات الناتجة عن هذا الاتفاق قد تشجع روسيا أيضاً على الانخراط بجدية في مفاوضات تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.
خطط لشن ضربة خاطفة ومكثفة.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي وضعا خططاً مفصلة لاستئناف الضربات ضد إيران، وذلك عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة مطلع الشهر المقبل.
قال مسؤولون أمريكيون ومصادر مطلعة على المناقشات إن الاستعدادات تمضي قدماً لتنفيذ عملية موجزة ومكثفة، يُرجح أن تتضمن هجمات على منشآت نووية وأخرى للطاقة، بالإضافة إلى أنظمة صواريخ وطائرات مسيرة.
صرح مسؤولون إيرانيون كبار بأنهم على دراية بالخطط الحربية الأمريكية والإسرائيلية، وأنهم يعكفون على تطوير أهداف وتكتيكات خاصة بهم.
ومن بين تدابير أخرى، هدد المسؤولون الإيرانيون باستهداف مراكز البيانات وكابلات الإنترنت البحرية، محذرين من أن أي مواجهة جديدة لن تكون قصيرة الأمد.
وذكر بيمان صالحي، وهو محلل سياسي في طهران، أنه في حال تعرضت إيران لهجوم، فقد يشمل ردها توجيه ضربات لمصافي النفط الرئيسية في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك المنشآت التي تديرها شركة النفط الوطنية “أرامكو”.
وبحسب صالحي، فإن ضربات كهذه ستؤدي إلى ارتفاع فوري وحاد في أسعار النفط والطاقة عالمياً ، وأشار إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن رفع تكاليف الطاقة يُعد أحد أكثر الوسائل فعالية لدى طهران لممارسة الضغط على ترامب، نظراً لما يترتب على ذلك من تبعات اقتصادية على المستهلكين الأمريكيين.
وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أنه لم يُتخذ بعد أي قرار أمريكي بشن هجوم.
وكان تقرير سابق لصحيفة “فاينانشال تايمز” قد ذكر أن الجيش الإسرائيلي استعد لخوض مواجهة تستمر لعدة أيام مع إيران قبل نحو أسبوع ونصف، إلا أن ترامب عارض استئناف الأعمال العدائية قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وعرقل هذه الخطوة ، ومن جانبه، نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صحة ذلك التقرير.
و ختاماً ، تُثبت الأيام أن السياسة الخارجية في واشنطن لم تعد تُدار بالخطط الاستراتيجية طويلة الأجل، بل بمنطق إدارة الأزمات والصفقات الخاطفة.
إن التلويح بضربة خاطفة لإيران قبل أو بعد الانتخابات، وإبرام صفقات طاقة موازية مع موسكو لشراء الديزل، ليس دليلاً على اليد العليا، بل هو انعكاس واضح لمأزق حاد بين انخفاض الشعبيّة وتصاعد أسعار الوقود في الداخل.
وإذا كانت طهران تستعد لرد يطال شرايين النفط والبيانات و الكابلات البحرية، فإن لعبة ‘الغضب الملحمي’ قد تتحول من أداة ضغط ودعائية إلى بداية انزلاق إقليمي لا يُبقي ولا يذر، وحينها لن تجد التهديدات الخطابية من يحميها من التبعات الجسيمة.



