
كيف تستخدم الأنظمة الأكثر عزلة في العالم العملات المشفرة للالتفاف على العقوبات؟
أشرف التهامي.
لم يعد النظام المصرفي العالمي هو حارس المرمى الوحيد في لعبة النفوذ والسياسة؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه نتنياهو عن “مظلة رقمية” تقيه مقصلة العقوبات المصرفية المحتملة، كانت الأنظمة الأكثر عزلة في العالم قد سبقت الجميع إلى الهاوية.. واكتشفت أن القاع مليء بمليارات “البلوك تشين.
فبين شفرات القرصنة الكورية، ومبيعات النفط الفنزويلية عبر العملات المستقرة، وتمويل الشبكات السرية للحرس الثوري، وصولاً إلى ابتکار موسكو لرمزها الرقمي الخاص (A7A5) لتحريك تجارة تجاوزت 100 مليار دولار؛ تحولت العملات المشفرة من مجرد هوس تقني للأفراد إلى “اقتصاد ظل سيادي” تعيد الدول المغضوب عليها رسم خريطة الالتفاف المالي من خلاله.
اقترح نتنياهو الاستعداد لمواجهة العقوبات المصرفية من خلال استخدام العملات المشفرة، وهي أداة تستعين بها بالفعل الأنظمة الأكثر عزلة في العالم؛ فلدى روسيا عملتها الرقمية الخاصة التي تُستخدم في معاملات تبلغ قيمتها نحو 100 مليار دولار سنوياً، ولكن ماذا عن إيران وكوريا الشمالية؟
اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الجمعة، استخدام العملات المشفرة كأداة للتحضير لعقوبات مصرفية محتملة، مشيرًا إلى أداة أصبحت شريان حياة ماليًا رئيسيًا لبعض أكثر دول العالم عزلةً خلال العام الماضي.
ووفقًا لتقرير جرائم العملات المشفرة لعام 2026 الصادر عن شركة تحليلات البلوك تشين “تشيناليسيس”، تلقت الكيانات الخاضعة للعقوبات ما لا يقل عن 104 مليارات دولار من العملات المشفرة في عام 2025، أي ما يقرب من ثمانية أضعاف المبلغ المسجل في عام 2024.
وقد رفعت هذه الزيادة الكبيرة إجمالي النشاط غير المشروع على شبكات البلوك تشين إلى مستوى قياسي بلغ 154 مليار دولار.
تُظهر الأرقام أن الدول التي تواجه عقوبات صارمة باتت تدرج العملات المشفرة بشكل متزايد ضمن استراتيجياتها المالية الوطنية، وذلك بهدف الالتفاف على النظام المصرفي التقليدي ، ومن بين هذه الدول: روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا.
روسيا: 93 مليار دولار عبر عملة مستقرة مدعومة بالروبل.
في ظل حربها في أوكرانيا وتزايد عزلتها الدولية، تتصدر روسيا القائمة بفارق كبير ، ففي عام 2024، أقرت موسكو تشريعات تسمح باستخدام العملات المشفرة للالتفاف على العقوبات، وقد أثمرت هذه الجهود في فبراير 2025 بإطلاق “A7A5″، وهي عملة مستقرة مدعومة بالروبل.
وفي أقل من عام، بلغ حجم المعاملات التي تمت عبر هذه العملة أكثر من 93.3 مليار دولار ، وذكرت وكالة “بلومبرغ” في يناير أن حجم المعاملات تجاوز 100 مليار دولار، رغم القيود المفروضة عليها.
كما قدرت شركة الأبحاث “TRM Labs” أن 72 مليار دولار -أي ما يعادل تقريباً نصف إجمالي التدفقات غير المشروعة للعملات المشفرة- كانت مرتبطة بهذه العملة.
يستند الرمز الرقمي “A7A5” إلى ودائع محتفظ بها في بنك “برومسفيازبانك” (Promsvyazbank) الروسي، الخاضع هو الآخر لعقوبات ، ويُستخدم هذا الرمز كقناة لتسوية المدفوعات للشركات الروسية المنخرطة في التجارة العابرة للحدود.
وتتم معظم المعاملات في الفترة ما بين يومي الاثنين والجمعة، مما يشير إلى أنه يُستخدم في المقام الأول للمدفوعات بين الشركات، وليس من قِبل المستهلكين الأفراد.
وذكرت وكالة “رويترز” أن الولايات المتحدة وبريطانيا فرضتا في أغسطس 2025 عقوبات على عدة شركات، قالت إنهما تقفان وراء هذا الرمز الرقمي المسجل في قيرغيزستان.
وفي مارس 2025، قامت كل من الولايات المتحدة وألمانيا وفنلندا بتعطيل البنية التحتية لمنصة “غارانتيکس” (Garantex) الروسية للعملات المشفرة. ووفقاً لوزارة العدل الأمريكية، فقد عالجت هذه المنصة معاملات بقيمة 96 مليار دولار منذ عام 2019.
وفي وقت لاحق، ظهرت منصة جديدة تحمل اسم “غرينيكس” (Grinex) لتحل محلها.
ترفض الشركة المُصدِرة لـ A7A5 هذه المزاعم ، وفي تصريح لموقع “كوين ديسك” (CoinDesk)، قال أوليغ أوجينكو، مدير الشؤون التنظيمية في الشركة:
“نحن نوفر بشكل أساسي قنوات دفع واسعة النطاق لعمليات التصدير والاستيراد الروسية”، واصفاً النتائج بأنها “مدفوعة بدوافع سياسية”.
إيران: أسلوب الحرس الثوري.
تُعد إيران ثاني لاعب رئيسي في هذا المشهد ، فبحلول نهاية عام 2025، كانت العناوين المرتبطة بالعملات المشفرة التابعة للحرس الثوري الإيراني مسؤولة عن أكثر من 50% من إجمالي القيمة التي تلقتها خدمات العملات المشفرة الإيرانية.
وقد تدفقت أكثر من 3 مليارات دولار عبر هذه العناوين في معاملات ارتبطت بتمويل وكلاء إقليميين، وتجارة النفط، وشبكات المشتريات.
وأفادت وكالة “رويترز” في فبراير بأن إجمالي حجم معاملات العملات المشفرة في إيران قُدِّر بما يتراوح بين 8 إلى 10 مليارات دولار خلال عام 2025.
ووفقاً للتقرير، فقد لجأت كيانات مرتبطة بالدولة ومستثمرون من القطاع الخاص بشكل متزايد إلى العملات الرقمية، في ظل العقوبات المفروضة وانخفاض قيمة العملة الوطنية الإيرانية.
كما يعكف محققون أمريكيون على فحص ما إذا كانت منصات معينة قد ساعدت مسؤولين إيرانيين في الالتفاف على العقوبات.
وفي مارس، ذكرت “رويترز” أن كيانات مرتبطة بروسيا وإيران باتت تستخدم العملات المشفرة بشكل متزايد لتمويل شراء طائرات مسيّرة (درونز) منخفضة التكلفة ومكوناتها.
فنزويلا وكوريا الشمالية: القرصنة والنفط.
· كوريا الشمالية.
تتبع كوريا الشمالية أسلوباً مختلفاً، ألا وهو القرصنة؛ إذ تمكن قراصنة مرتبطون بنظام بيونغ يانغ من سرقة أكثر من ملياري دولار من العملات المشفرة في عام 2025.
وقد سُرِق ما يقرب من 1.5 مليار دولار من هذا المبلغ خلال اختراق منصة “باي بيت” (Bybit) للعملات المشفرة في فبراير، وهي أكبر عملية سرقة لأصول رقمية في التاريخ.
ووصفت شركة “تشيناليسيس” (Chainalysis) عام 2025 بأنه العام الأكثر تدميراً على يد قراصنة كوريا الشمالية، سواء من حيث قيمة الأصول المسروقة أو من حيث مدى تطور أساليبهم في الاختراق وغسل الأموال.
· فنزويلا.
في فنزويلا، باتت العملات المشفرة جزءًا لا يتجزأ من صناعة النفط ، فقد كشفت وكالة رويترز في أبريل/نيسان 2024 أن شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) بدأت تدريجيًا بتحويل مبيعاتها النفطية إلى عملة USDT، وهي عملة مستقرة صادرة عن شركة Tether، وسارعت في هذا التحول عندما أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات نفطية ، ووفقًا للتقرير، كان الهدف هو تقليل مخاطر تجميد عائدات المبيعات في حسابات مصرفية خارجية.
وكانت فنزويلا قد حاولت بالفعل إطلاق عملتها المشفرة الخاصة المدعومة من الحكومة، وهي عملة Petro، في عام 2018، ولكن وفقًا لموقع CoinDesk، تم التخلي عن المشروع في نهاية المطاف بسبب ضعف الطلب.
الحلقة الأضعف: العملات المستقرة.
تكشف الأرقام أيضاً عن قصور جوهري في هذه الاستراتيجية؛ إذ باتت العملات المستقرة -التي ترتبط قيمتها بالدولار الأمريكي- تشكل حالياً نحو 84% من حجم المعاملات غير المشروعة بالعملات المشفرة.
وعقب تعطيل منصة “غارانتيكس” (Garantex)، جرى تجميد ما قيمته 26 مليون دولار من عملة “تيثر” (USDT)، وذلك بفضل معلومات استخباراتية قُدِّمت إلى جهاز الخدمة السرية الأمريكي.
وفي أعقاب الكشف عن تفاصيل تتعلق بفنزويلا، أعلنت شركة “تيثر” (Tether) أنها ستقوم بتجميد عناوين العملات المشفرة المرتبطة بكيانات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية.
ولهذا السبب تحديداً، طوّرت روسيا عملتها المشفرة الخاصة.
وختاماً ، إن هذه “الجنة الرقمية” التي توهمت الدول المعزولة أنها شيدتها بعيداً عن الرقابة الأمريكية، تحمل في طياتها مفارقة ساخرة وخطيرة؛ ففي محاولتها للهرب من هيمنة الدولار التقليدي، ارتمت هذه الأنظمة في أحضان “العملات المستقرة” المربوطة بالدولار ذاته!
إنها لعبة القط والفأر في عصر الشفرات: ففي اللحظة التي تظن فيها هذه الدول أنها كبلت يد العقوبات، يكفي قرار واحد من شركة إصدار عملة مشفرة مجبرة على الانصياع لواشنطن لتجميد ملايين الدولارات بنقرة زر. لقد أنشأت الأنظمة المعزولة نظاماً مالياً بديلاً بسرعة فائقة، لكنها نسيت أن مفاتيح هذا النظام ومجاله الرقمي لا تزال خاضعة للرادار الذي تحاول الفرار منه.



