المنطقة على ابواب تحول استراتيجي عميق و متغيرات ستطيح ببعض الانظمة السياسية

 

عدنان الروسان

 

الغطرسة الأمريكية والإسرائيلية قد تواجه حائط صد تاريخياً في إيران، ليس لأن إيران تمتلك تفوقاً عسكرياً، بل لتقاطع عوامل البقاء الوجودي، والخبرة التاريخية، والقدرة على إلحاق خسائر كارثية بالخصوم وحلفائهم والاقتصاد العالمي.

 

يقول مازن سيوخ، وهو محلل استراتيجي روسي:

“حين دخل نابليون موسكو عام 1812، كان يتوقع أن يؤدي احتلالها إلى إخضاع روسيا وإجبار قيصرها على الاستسلام والتفاوض، لكنه وجد مدينةً تم إخلاء معظم سكانها، ثم اندلعت الحرائق فيها، ولم يحصل على الاستسلام الذي انتظره. وبعد أسابيع، بدأ الجيش الفرنسي انسحابه الكارثي، قبل أن تدخل القوات الروسية باريس عام 1814 ضمن جيوش التحالف الذي أسقط نابليون.

 

وبعد نحو قرن وربع، اقتربت القوات الألمانية النازية من موسكو عام 1941 ووقفت على حدودها القريبة، لكنها أخفقت في تحقيق الحسم الذي أراده هتلر، وانتهت الحرب بدخول الجيش الأحمر السوفياتي إلى برلين عام 1945”.

 

هل تقف الولايات المتحدة الأمريكية اليوم في نفس المكان والظرف الذي كان يقف فيهما نابليون وهتلر، وفي نفس المسافة من موسكو، لكن هذه المرة من طهران؟

 

الكتابة باللغة العربية للمتلقي العربي عن حقيقة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، شديدة الصعوبة؛ لأن القياس -وهو أحد مصادر التشريع في الدين والسياسة- مختلٌ عندنا نحن العرب؛ بسبب ما تعرض له العالم العربي في المائة سنة الأخيرة من إذلال واحتلال وتقزيم، ثم خروج الاستعمار المباشر وبقاء احتلال محلي عربي يقوم بما عجز عنه الاحتلال البريطاني والفرنسي.

 

ونحن على أبواب حرب جديدة كبرى قد تقع بين الحلف الأمريكي الصهيوني وإيران، تكثر التحليلات والتخمينات حول مديات التدمير والخراب الذي قد تواجهه إيران إذا بقيت مصرة على شروطها ومواقفها، كما يكثر الحديث عن فائض القوة الأمريكية التي لا يمكن الوقوف في وجهها.

 

غير أن الكثيرين يغفلون قراءة المشهد تاريخياً وأنثروبولوجياً، والبحث في فقه الصراع المقارن وتحديات الجغرافيا والتاريخ بين الطرفين. فالولايات المتحدة الأمريكية دولة وليدة وحضارة مادية بحتة لا علاقة لها بأي عامل مشترك من عوامل الحضارات؛ فهي دولة جمعت شتاتاً أوروبياً وخليطاً من الشعوب غير المتشابهة لا في الدين ولا في اللغة، وذهبت إلى الأراضي الجديدة المكتشفة، وأخذت معها قسراً آلاف العبيد الأفارقة لخدمتها، وهناك قضت على أصحاب الأرض الأصليين (الهنود الحمر) عبر مذابح جماعية، ومن ثم تقاتلت مع بعضها البعض، وأنتجت دولة الولايات المتحدة الأمريكية؛ الدولة التي بنيت على جماجم الهنود الحمر وعلى قوانين العبودية والكابوي.

 

بات الجميع يدركون الحقائق الجديدة التي ترتبت على نتائج الجولة الأولى من الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران؛ فلم يحدث ما كان متوقعاً، لم يسقط النظام السياسي الإيراني، ولم تعم الفوضى الشارع الإيراني، ولم تتمكن أي قوات موازية -كردية أو غيرها- من إحداث أي شرخ داخلي.

 

وتصلبت الإرادة السياسية الإيرانية بصورة ربما مبالغ فيها بالنسبة للخصوم، لكن الإيرانيين -وهم أصحاب خبرات تاريخية قديمة في القتال- أدركوا أنه في الاستسلام سيعلق رجال النظام الرسمي على أعواد المشانق، كما حدث في العراق وإعدام كل رجال النظام العراقي بمن فيهم الرئيس نفسه، صبيحة يوم عيد أضحى في إشارة رمزية بالغة الدلالة.

وبالتالي، إذا لم يكن من الموت بدّ، فمن العار أن تموت جباناً.

 

قد يحدث دمار كبير جداً في إيران في جولة الحرب المرتقبة (إن وقعت)، وقد يكون الوضع مأساوياً إلى حد كبير في إيران، وهذه احتمالية واقعية تأخذها القيادة السياسية الإيرانية بعين الاعتبار.

لكن، على الجانب الآخر، لابد أن نأخذ بعين الاعتبار ما نقلناه في بداية المقال حول التجربتين النابليونية والهتلرية في فرنسا وموسكو؛ بمعنى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد يطيحان بالبنى التحتية الإيرانية ويتسببان بدمار وخسائر بمئات المليارات، لكن على الجانب الآخر سيكون هناك دمار واسع جداً في إسرائيل وكثير من الدول العربية، وسيتوقف استخراج النفط والغاز وتحميله وشحنه، وستدخل الأسواق في حالة فوضى وكساد كبير، وسيكون موقف الأنظمة الرسمية العربية أمام شعوبها سيئاً للغاية.

 

إنها الحرب وليست أي حرب!

إنها حرب الضرورة بالنسبة لإيران، وحرب الاختيار بالنسبة لأمريكا، لكن نتائج الحرب ستقلب موازين النفوذ العالمي، وسيتراجع دور أمريكا بسرعة كبيرة أكثر مما يتوقع الكثيرون. وهذه ليست أماني ورغبات، فالذي ينظر إلى الساحة الداخلية الأمريكية اليوم يدرك حجم النتائج الكارثية التي حلت بالحياة السياسية الأمريكية.

 

المنطقة تعيش حالة مخاض عسيرة جداً؛ الوحيدون الذين يعرفون ماذا يريدون تماماً هم الإيرانيون. العرب يقفون موقف المتفرج في العموم، غير أن السعودية وقطر هما الأكثر فهماً لما يجري والأكثر رغبة في إيقاف حالة الجنون الأمريكي التي تجتاح المنطقة، وتبذلان جهوداً كبيرة وجادة بالتعاون مع تركيا وباكستان لوقف المحرقة القادمة.

 

أما الأمريكيون فلديهم “دون كيشوت” بكل ما تحمل الكلمة والاسم من معانٍ، وهم على حافة متغيرات كبرى لا يتوقعها كثيرون.

 

إن الدول الصامتة والتي لا يرى الناس أن لها أي وزن هي التي ستقود المشهد القادم، وسيحيق بالعالم العربي الحالة التي اجتاحت أوروبا الشرقية والبلقان بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وسيكون هناك انحسار كبير يشبه حالة الجزر بالنسبة لإسرائيل والوجود الأمريكي في المنطقة.

 

ليس بعد سنوات طويلة، بل ربما خلال أشهر قليلة.»

شارك