
الشرق الأوسط على حافة الانفجار
الشرق الأوسط على حافة الانفجا
الصين وروسيا في معادلة المواجهة..
أمن المنطقة مسؤولية دولها ومخاطر التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران واحتمالات الحرب النووية
كتب / سعيد فارس السعيد
تكشف التحركات السياسية المتزامنة، من المحادثات القطرية الإيرانية إلى الاتصالات الروسية الإيرانية، عن اتساع الجهود الدولية لاحتواء أزمة تتجاوز حدود المواجهة بين واشنطن وطهران، وتمسّ أمن الشرق الأوسط وتوازنات النظام الدولي.
فالمسار القطري يفتح نافذة للتفاوض والوساطة، فيما يعكس التواصل الروسي اهتمام موسكو بموقعها في معادلة الأزمة، والحفاظ على قنوات التأثير والتوازن. لكن تزامن هذه التحركات لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق دولي أو تنسيق سري بينها.
في المقابل، يرفع التصعيد الأمريكي الإسرائيلي مستوى المخاطر، خصوصاً مع استمرار الضغوط والتهديدات المتبادلة، وتزايد احتمالات اتساع المواجهة وتحولها إلى حرب إقليمية يصعب احتواء نتائجها.
ولا توجد معطيات موثوقة تثبت اتخاذ قرار باستخدام السلاح النووي، لكن مجرد تداول هذا الاحتمال يكشف خطورة المرحلة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية منع انزلاق المنطقة والعالم إلى مواجهة قد تكون نتائجها كارثية.
أولاً: الصين.. الثقل الاقتصادي والدبلوماسي في مواجهة سياسة التصعيد
لا يمكن قراءة تطورات المواجهة مع إيران بمعزل عن الدور الصيني، فبكين ليست مجرد شريك اقتصادي لطهران، بل قوة دولية تمتلك أدوات تأثير واسعة في أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار والعلاقات الدولية.
وتكمن أهمية الصين في قدرتها على التأثير في الحسابات الأمريكية من خلال مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن إمدادات الطاقة، واستقرار طرق التجارة والملاحة الدولية، والحفاظ على علاقاتها الواسعة مع دول الخليج وإيران في آن واحد.
كما أن استمرار التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لإيران يضع المصالح الصينية أمام مخاطر مباشرة، خصوصاً إذا اتسعت الحرب وأثرت في الملاحة بمضيق هرمز وأسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا، تستطيع الصين توظيف ثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها الدولية للضغط باتجاه وقف التصعيد، والدعوة إلى احترام سيادة الدول والعودة إلى التفاوض، بما يمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وتؤكد بكين في مواقفها المعلنة أن قضايا الشرق الأوسط يجب أن تُحل بالتشاور بين دول المنطقة، وأن شعوب المنطقة هي صاحبة الحق في تقرير مستقبلها، وأن أمنها ينبغي أن يقوم على التعاون والحوار وعدم التدخل الخارجي.
لكن من الضروري التمييز بين دعم الصين السياسي والاقتصادي لإيران وبين الالتزام بالدفاع العسكري المباشر عنها؛ فبكين تحرص على عدم الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، كما تسعى إلى حماية علاقاتها ومصالحها مع بقية دول المنطقة.
ثانياً:
روسيا..
الشراكة الاستراتيجية وحسابات التوازن الدولي
أما روسيا، فإن موقعها في هذه الأزمة يختلف عن الموقع الصيني، نظراً إلى طبيعة علاقاتها الاستراتيجية والأمنية مع إيران، وما يجمع البلدين من مصالح سياسية واقتصادية وتعاون في مجالات متعددة.
وتدرك موسكو أن إضعاف إيران أو إخراجها من معادلة التوازن الإقليمي قد ينعكس على موقع روسيا ونفوذها في الشرق الأوسط، ويمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مساحة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق مصالحهما.
كما أن استمرار التصعيد الأمريكي ضد إيران يضع روسيا أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على حماية مصالحها وشراكاتها الاستراتيجية، والحفاظ على موقعها بوصفها قوة دولية مؤثرة في قضايا الأمن والسلم الدوليين.
وتستطيع موسكو التأثير عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، والتنسيق الاستراتيجي مع طهران، واستخدام موقعها الدولي في المؤسسات والمنابر متعددة الأطراف، إلى جانب أشكال التعاون الثنائي القائمة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن روسيا ستدخل حرباً مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل دفاعاً عن إيران؛ فموسكو توازن بين التزاماتها ومصالحها، وبين حساباتها الدولية وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.
ثالثاً:
ماذا يعني التقارب الصيني الروسي بالنسبة لإيران؟
إن تقاطع المصالح الصينية والروسية في رفض فرض الإرادات الدولية بالقوة، والدعوة إلى نظام دولي أكثر تعددية، يمنح إيران مساحة سياسية ودبلوماسية أوسع لمواجهة الضغوط والعقوبات والتهديدات.
ومع ذلك، فإن المصالح المشتركة لا تعني بالضرورة وجود تحالف عسكري ملزم أو اتفاق مسبق على مواجهة الولايات المتحدة إذا اندلعت حرب جديدة.
والأهمية الحقيقية لهذا التقاطع تكمن في أن واشنطن لم تعد تتعامل مع أزمة إقليمية معزولة، بل مع أزمة تتداخل فيها مصالح قوى دولية كبرى، لكل منها حساباتها وأدواتها وقدرتها على التأثير.
وقد يؤدي استمرار التصعيد إلى تقارب أكبر بين طهران وموسكو وبكين، ليس بالضرورة من خلال تحالف عسكري، وإنما عبر توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني، والبحث عن آليات مشتركة للحد من تأثير العقوبات والضغوط الغربية.
رابعاً: أمن الشرق الأوسط مسؤولية دوله.. وموقف الصين وروسيا من القوات الأجنبية
يمثل هذا المحور أحد أهم الجوانب الاستراتيجية في المواقف الصينية والروسية، إذ تتلاقى الدولتان في الدعوة إلى بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على مشاركة دول المنطقة، واحترام سيادتها، وعدم تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية.
فالصين تؤكد أن أمن الخليج والشرق الأوسط لا ينبغي أن يكون رهينة للتنافس بين القوى الكبرى، وأن بلدان المنطقة قادرة على بناء علاقات حسن جوار، وتسوية خلافاتها بالحوار، وتطوير آليات مشتركة للأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، تدعو بكين إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي لدول المنطقة، وإلى أن تمسك شعوبها بقرارها ومستقبلها، بعيداً عن التدخلات التي تفرض عليها خياراتها من الخارج.
أما روسيا، فقد طرحت تصوراً أكثر تحديداً في مبادرتها الخاصة بالأمن الجماعي في منطقة الخليج، يقوم على مشاركة جميع الدول المعنية، وبناء الثقة والتعاون الأمني، ورفض الانتشار العسكري الدائم لقوات دول من خارج المنطقة، والعمل على تقليص الوجود العسكري الخارجي وصولاً إلى إنهاء الاعتماد الدائم عليه.
وهذا الموقف يعكس رؤية روسية تعتبر أن استقرار الخليج لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة في ظل سباق القواعد العسكرية والانتشار الأجنبي والتنافس بين القوى الدولية.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الموقفين الصيني والروسي لا يتطابقان في جميع التفاصيل؛ فالصين تركز بصورة أساسية على استقلال القرار الإقليمي والحوار وعدم التدخل، بينما تتضمن المبادرة الروسية طرحاً أكثر وضوحاً بشأن تقليص الوجود العسكري الأجنبي وإنهاء الانتشار الدائم لقوات الدول من خارج المنطقة.
إن جوهر هذه الرؤية يطرح سؤالاً استراتيجياً مهماً: لماذا تبقى دول الشرق الأوسط، بما تمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية وعسكرية وجغرافية، معتمدة على الحماية والقواعد والقوات الأجنبية، بدلاً من بناء منظومة أمن جماعي إقليمية تضمن مصالح جميع دولها؟
ولا يعني ذلك المطالبة بانسحاب فوري وغير منظم للقوات الأجنبية، بما قد يخلق فراغاً أمنياً أو يفتح الباب أمام صراعات جديدة، بل إن أي انسحاب ينبغي أن يكون تدريجياً ومتفقاً عليه، ومتزامناً مع بناء ترتيبات أمنية إقليمية موثوقة تضمن سيادة الدول وأمنها.
كما أن هذه الرؤية تقتضي احترام حق كل دولة في اختيار علاقاتها وشراكاتها الدفاعية، وعدم فرض ترتيبات أمنية عليها من الخارج.
خامساً: كيف يمكن لإيران أن تتصرف؟
تدرك إيران أن الانجرار إلى حرب شاملة قد يفرض عليها أثماناً باهظة، لكنها تدرك أيضاً أن التراجع أمام تهديدات عسكرية مباشرة قد يضعف قدرتها على الردع ويفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والاعتداءات.
لذلك، يتمثل أحد الخيارات الاستراتيجية أمامها في الجمع بين رفع الجاهزية الدفاعية، وتعزيز قدرات الردع، والاحتفاظ بحق الرد على أي اعتداء، مع مواصلة توظيف الأدوات السياسية والدبلوماسية، وتوسيع دائرة التحرك الدولي لمنع عزلها أو فرض شروط عليها بالقوة.
وفي الوقت نفسه، تبدو إيران معنية بتجنب تقديم الذرائع التي تسمح بتوسيع المواجهة، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وحماية مصالح شعبها، وعدم تحويل الصراع إلى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها.
كما أن نجاح الدبلوماسية الإيرانية في توظيف العلاقات مع الصين وروسيا، والاستفادة من الوساطة القطرية، قد يساهم في تعزيز موقعها التفاوضي وتقليص احتمالات المواجهة المباشرة.
سادساً:
التداعيات الإقليمية والدولية
إن أي مواجهة واسعة لن تقتصر نتائجها على إيران وإسرائيل، بل ستمتد إلى الخليج والعراق وسورية ولبنان، وتهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية في مضيق هرمز، فضلاً عن المخاطر الإنسانية والاقتصادية والبيئية التي قد يصعب احتواء آثارها.
كما أن اتساع الحرب قد يضع القوى الدولية أمام خيارات معقدة، ويهدد بتغيير توازنات المنطقة، ويفتح الباب أمام أزمات تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم بمساراتها ونتائجها.
ومن هنا، فإن الصين وروسيا معنيتان بمنع تحول الأزمة إلى مواجهة دولية مفتوحة، وإن اختلفت أدواتهما وأولوياتهما وحساباتهما في التعامل معها.
خاتمة القول:
لسنا أمام أزمة عسكرية عابرة، بل أمام اختبار خطير للعقل السياسي الدولي، ولقدرة القوى الكبرى على منع انزلاق العالم إلى مواجهة مفتوحة.
إن السياسات التي يقودها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بما تتضمنه من تصعيد وضغوط وتهديدات عسكرية، قد تدفع المنطقة والعالم إلى نتائج تتجاوز حساباتهما وأهدافهما، وتسرّع في تراجع نفوذ القوى الداعمة لهذه السياسات بدلاً من تعزيز مواقعها.
فترامب، من خلال مواقفه المتبدلة وتداخل حساباته السياسية والاقتصادية مع الضغوط الإسرائيلية، يثير تساؤلات حول مدى استقلال القرار الأمريكي في إدارة هذه الأزمة، فيما يضع إصرار نتنياهو على مواصلة الضغط العسكري المنطقة أمام مخاطر يصعب احتواؤها.
أما الصين وروسيا، فإن مواقفهما تفتح المجال أمام نقاش استراتيجي أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي، وضرورة إنهاء حالة الارتهان للتنافس العسكري بين القوى الكبرى.
إن أمن الشرق الأوسط يجب أن يكون مسؤولية دوله وشعوبه، من خلال منظومة أمن جماعي تقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض الاعتداءات، والتعاون في مواجهة التهديدات المشتركة.
كما أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي الدائم في المنطقة، ضمن تسوية تدريجية ومتوازنة تضمن أمن جميع الدول، يمثل أحد الطروحات الأساسية التي تستحق أن تتحول إلى نقاش سياسي ودبلوماسي جاد بين بلدان المنطقة.
فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد تتحول إلى سبب في تراجع أصحابها، والتاريخ لا يحفظ فقط من امتلكوا القوة، بل يذكر أيضاً من أساؤوا استخدامها.
إن أمن المنطقة لا يتحقق بالتهديد والحروب، ولا بإخضاع الدول لإرادة القوة، بل باحترام سيادتها، والعودة إلى الحلول السياسية، ومنع انزلاق العالم إلى مواجهة نووية ستكون عواقبها كارثية على الجميع.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»



