وعي بلا إذن.. نحو بناء المناعة المجتمعية واستعادة الجيل

 

 

بقلم/الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي

الشيخ عدنان صگر الخليفه

رئيس إتحاد القبائل العراقية

 

حين يتأمل العقل الواعي واقعنا اليوم، يكتشف أن المعركة الأكبر التي تُدار ضد مجتمعاتنا ليست معركة سياسية عابرة، بل هي هندسة ممنهجة للتجهيل والتدجين تبدأ من تغييب الوعي وتمرير وهم الاحتجاج التوافقي. فحين يقف المواطن مستجدياً إذن الاحتجاج ممن تحكم في رقابه وسرق مقدراته، ويطلب صكاً للتظاهر من الجلاد نفسه، نكون أمام سقوط مدوٍ للكرامة الإنسانية، حيث يُراد للمجتمع أن يمارس طقوس احتجاجه ضمن حديقة خلفية ترسمها السلطة، ليفرغ شحنته بلا أثر، ولتظل منظومة الفساد تدير المشهد بذريعة الشرعية القانونية المزعومة. إن الخلاص الحقيقي لا يولد من الاستجداء، بل يبدأ من استعادة الوعي بأصل المشكلة وجوهرها، وكشف زيف مسرحية الاستئذان في طلب الحقوق، وتكريس حقيقة أن المواطن هو رأس المال الأعظم للدولة، وأن حقوقه لا تُمنح بمنة الحاكم بل تُنتزع بالوعي والبديل العملي. وفي قلب هذه المعركة، تقف الأسرة اليوم أمام تحدٍ مصيري خطير في حماية أطفالها والجيل الصاعد؛ إذ باتت العائلة تحارب وحيدةً أمام تسونامي رقمي وخوارزميات عابرة للقارات تهدف إلى تسطيح العقول وإغراق الناشئة في التفاهة والمحتوى الهابط، ومن الوهم تحميل الأسرة وحدها وزر هذا الانهيار إذا ما تُركت بلا دروع وبلا منظومة عامة تحمي براءتهم. إن بناء جيل سليم يتطلب استعادة الدور الحقيقي للتعليم النقدي والتربية الوطنية الصادقة، تعليماً يغرس في عقول الناشئة حب العمل، والاعتزاز بالإنتاج، وقراءة الواقع بميزان العقل لا بميزان التبعية العمياء. إن الوعي الحقيقي ليس شعاراً يرفع، بل هو درع واقٍ ومسار عملي يحرر الفرد من أسر الخوف والتبعية، ويضع اللبنة الأولى في جدار الممانعة المجتمعية، ليدرك الإنسان أن تغيير واقعه يبدأ من طرد الجهل، وإرساء قواعد التضامن والتنظيم الأصيل، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الفعل البنّاء والإنتاج المستقل الذي يكفل للإنسان سيادته وكرامته الكاملة.

 

 

شارك