الحضارة تختبئ من ظلّها.

بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل

ثمّة مفارقةٌ تكاد تبلغ حدّ العبث في هذا العالم؛ فالحضارة التي انتزعت أسرار الطبيعة من صمتها، واخترقت طبقات السماء، وأخضعت المسافات لسطوة الآلة، عادت اليوم تنقّب في مستودعاتها عن أسباب البقاء الأولى. دولٌ تملأ مخازنها بالطعام والماء والدواء والوقود، وتتحسّب لزمنٍ قد تنطفئ فيه الأنوار، وتتجمّد فيه الشاشات، وتصمت فيه الهواتف، وتستحيل فيه الأشياء التي اعتادها الإنسان حقوقًا بديهية إلى امتيازاتٍ عصيّة المنال. كأنّ الحضارة، بعد أن أرهقتها نشوة الصعود، التفتت فجأةً إلى هاويتها، فرأت في قاعها وجهًا لم تألف النظر إليه: وجه هشاشتها.
ما الذي يحدث في أعماق هذا العالم؟ أهو مجرّد احتياطٍ تفرضه التحوّلات المتسارعة، أم أنّ البشرية بدأت تستشعر اقتراب مرحلةٍ تتعرّى فيها أوهام الاستقرار؟ لا يمكن اتخاذ إجراءات التخزين والتحصين دليلًا على معرفة الحكومات بكارثةٍ محدّدة أو موعدٍ مجهول، غير أنّ دلالتها الأعمق تكمن في أنّ مراكز القرار لم تعد تتعامل مع الاستقرار بوصفه حقيقةً ثابتة، بل احتمالًا يحتاج إلى الحماية. فالحروب لم تعد وحدها ما يهدّد مصائر الشعوب؛ هناك هشاشة الاقتصاد، واضطراب المناخ، وانكشاف البنى التحتية أمام الهجمات السيبرانية، وتشابك المصالح الدولية على نحوٍ يجعل العالم أشبه بسلسلةٍ متداخلة، يكفي أن تنكسر إحدى حلقاتها حتى يرتجف الجسد بأكمله.
لقد أوهم الإنسان نفسه طويلًا أنّه سيّد الطبيعة، وأنّ ما اخترعه من أدواتٍ سيجعله بمنأى عن مفاجآتها. شيّد مدنًا من الإسمنت والزجاج، ورفع أبراجه كأنّه يريد أن يثبت للسماء أنّ الأرض لم تعد حدوده، ثم اكتشف أنّ حضارته المعلّقة على خيطٍ من الكهرباء قد ترتبك أمام انقطاعٍ واحد. فما أكثر ما يملكه الإنسان، وما أقلّ ما يضمنه! إنّ المسافة بين الوفرة والمجاعة قد لا تكون أوسع من تعثّر سفينة، أو انهيار شبكة، أو قرارٍ سياسيّ أعمى. وفي لحظةٍ كهذه، تسقط الأقنعة عن الأشياء؛ فالذهب الذي طالما عبدته الأسواق لا يروي عطشًا، والأرصدة التي انتفخت بها المصارف لا تُنبت رغيفًا، والقصور التي ارتفعت فوق الأرض لا تمنح أصحابها حصانةً من خوفها.
لكنّ المأساة الأعمق ليست في هشاشة البنية التي أقامها الإنسان، بل في طبيعة العقل الذي يديرها. لقد تقدّم العلم، وتأخّر الضمير؛ اتّسعت قدرة الإنسان على التأثير في العالم، ولم تتّسع بالقدر نفسه قدرته على تحمّل مسؤولية هذا التأثير. امتلك وسائل الاتصال، لكنه عجز عن بناء لغةٍ للسلام؛ اخترع أدواتٍ تختصر الزمن، لكنه أضاع عمره في صراعاتٍ لا تنتج إلا الخراب؛ وبلغ من المعرفة ما يمكّنه من تفكيك أسرار الكون، لكنه لم يبلغ بعد الحكمة التي تمنعه من تفكيك إنسانية الإنسان.
ولعلّ في هذا التناقض سرّ خوف الحضارة من ظلّها. فالظلّ ليس خطرًا قادمًا من خارجها فحسب، بل هو امتدادٌ لما أودعته هي في ذاتها من أطماعٍ وجشعٍ ونزوعٍ إلى السيطرة. إنّها تخشى الحروب التي ساهمت في إشعالها، والانهيارات التي راكمت أسبابها، والفوضى التي ظنّت طويلًا أنّها قادرة على توجيهها دون أن تبتلعها. ومن هنا تبدو مشاهد تخزين المؤن أكثر من إجراءاتٍ لوجستية؛ إنّها مرآةٌ لقلق حضارةٍ أدركت أنّ أدوات قوّتها قد تتحوّل، في لحظةٍ ما، إلى منافذ ضعفها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ هذه المشاهد بعين النبوءة السوداء، أو أن نمنح الخوف سلطةً على عقولنا. فالاستعداد ليس اعترافًا حتميًّا بالانهيار، بل صورةٌ من صور المسؤولية، والاحتياط لا يعني أنّ النهاية تقف خلف الباب. غير أنّ العقل الحكيم لا يكتفي بسؤال: كم نحتاج من الطعام إذا تعطّلت الحياة؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤالٍ أشدّ إيلامًا: لماذا ما زال العالم عاجزًا عن صناعة نظامٍ يحمي الإنسان من الجوع، فيما ينفق ثرواتٍ هائلة على صناعة أدوات الموت؟ ولماذا تستطيع الدول أن تتوحّد حين يهدّدها الخطر، ثم تعجز عن التوحّد حين يكون إنقاذ الإنسان هو الغاية؟
إنّ الأمن، في جوهره، ليس جدرانًا سميكةً تحيط بالمخازن، ولا ترساناتٍ تتكاثر خلف الحدود، ولا حساباتٍ مصرفية تنتظر ساعة النجاة. الأمن أن يكون للإنسان مكانٌ لا يخشى فيه غدَه، وأن يجد الماء دون أن يستجديه، والخبز دون أن يدفع كرامته ثمنًا له، وأن يعيش في عالمٍ لا تتحكّم بمصيره نزوات الأقوياء. فالحضارة التي لا تستطيع أن تحمي أضعف أفرادها من الجوع، مهما بلغت من التعقيد والترف، تظلّ حضارةً ناقصةً في ميزان الإنسانية.
وإذا جاء اليوم الذي تنطفئ فيه الأنوار، وتخرس فيه الشاشات، وتتساقط فيه قيمة الأشياء التي ظنّ الإنسان أنّها تمنحه الخلود، فلن يكون الامتحان في مقدار ما خزّنه من مؤن، بل في مقدار ما ادّخره من إنسانية. عندها ستنكشف الحقيقة التي حاولت قرون التقدّم أن تحجبها: أنّ الإنسان، مهما ارتفع، لا يزال هشًّا أمام الطبيعة، ومهما امتلك، يظلّ فقيرًا إذا افتقر إلى الرحمة. وربما لن تكون الكارثة الكبرى أن تعود الحضارة إلى عتمة الكهرباء، بل أن تكتشف أنّها كانت تعيش في عتمةٍ أعمق منذ زمن؛ عتمة العقل حين يستبدّ، والضمير حين يصمت، والإنسان حين يرى في أخيه خطرًا لا شريكًا في المصير. فليس أشدّ رعبًا من عالمٍ يخشى انطفاء مصابيحه، فيما لا يفعل شيئًا لإنقاذ النور الأخير في روحه.

شارك