الدولة العميقة في أميركا…رسائل إلى الداخل الأميركي والعالم الإسلامي وإيران

الدولة العميقة في أميركا..
قراءة في دلالات الانتخابات النصفية وإعادة رسم التوازنات السياسية الأميركية.

 

كتب سعيد فارس السعيد

لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي لتجديد مقاعد الكونغرس، بل حملت نتائجها مؤشرات سياسية تتجاوز حدود التنافس الحزبي، وتفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التوازنات داخل الولايات المتحدة، ودور المؤسسات التقليدية ومراكز النفوذ في حماية المصالح الاستراتيجية الأميركية.

وهنا تبرز فرضية تستحق النقاش:

____هل بدأت الدولة العميقة الأميركية، بمؤسساتها ومراكز نفوذها الاقتصادية والسياسية والأمنية، بإعادة ضبط المسار السياسي، وتوجيه رسائل متعددة إلى الداخل الأميركي والعالم؟

أولاً:
الرسالة إلى الداخل الأميركي.

يبدو أن هناك اتجاهاً داخل المؤسسات السياسية الأميركية التقليدية نحو إعادة التوازن بين صلاحيات الرئيس ومؤسسات الدولة، والحد من تحويل السياسة الخارجية والاقتصادية الأميركية إلى مساحة تخدم الحسابات الشخصية أو المصالح الانتخابية الضيقة.
ومن المؤشرات اللافتة في هذا السياق ابتعاد عدد من الجمهوريين عن ترامب في ملفات محددة، وتزايد الاستعداد داخل الحزب الجمهوري للتمايز عن مواقفه، في ظل الضغوط الانتخابية والاقتصادية والسياسية.
فالولايات المتحدة دولة مؤسسات، والرئاسة ليست الدولة وحدها، والكونغرس والقضاء والمؤسسات الدستورية ومراكز صنع القرار تمتلك أدوات دستورية وسياسية تسمح لها بموازنة السلطة التنفيذية.
ومن هنا يمكن قراءة نتائج الانتخابات باعتبارها اختباراً لحدود السلطة الرئاسية، ولقدرة المؤسسات على إعادة ترتيب الأولويات الأميركية.

ثانياً:
الرسالة إلى العالم الإسلامي وإيران تحديداً.

من أبرز الدلالات السياسية للانتخابات وصول شخصيات أميركية مسلمة إلى مواقع تشريعية متقدمة، وفي مقدمتها فوز عبد السلام السيد بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذه المؤسسة في تاريخ الولايات المتحدة.
إن وصول شخصيات مسلمة، ومن خلفيات ثقافية وحضارية متنوعة، إلى مراكز صناعة القرار الأميركي يحمل رسالة تتعلق بطبيعة المجتمع الأميركي وتعدديته، وبإمكانية تجاوز الصور النمطية والتمييز الديني والثقافي.
وهنا تبرز أهمية عدم اختزال هذه الشخصيات في انتمائها الديني أو الطائفي؛

فهي شخصيات أميركية تدخل الحياة السياسية من بوابة المواطنة والبرامج والحقوق والمصالح الوطنية.

أما بالنسبة إلى العالم الإسلامي وإيران تحديداً، فيمكن قراءة هذا التحول باعتباره مؤشراً على وجود مساحة سياسية أميركية تتسع لأصوات مختلفة، وتدعو إلى إعادة النظر في العلاقة مع العالم الإسلامي، بعيداً عن منطق الصدام والتعميم والعداء الثقافي والديني.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن وصول هذه الشخصيات يمثل تحولاً رسمياً في السياسة الأميركية تجاه إيران، بل يفتح مجالاً جديداً للنقاش داخل المؤسسات التشريعية والمجتمع الأميركي.

ثالثاً:
إعادة الاعتبار للمصالح الأميركية العليا
إن أخطر ما تواجهه أي دولة كبرى هو الخلط بين مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد ومصالح الأشخاص والحسابات السياسية الآنية.
فالولايات المتحدة لا تستطيع الحفاظ على نفوذها العالمي بالقوة العسكرية والضغوط الاقتصادية وحدهما، بل تحتاج أيضاً إلى الثقة الدولية، واحترام القانون الدولي، والقدرة على بناء الشراكات، والوفاء بالتزاماتها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التمايز السياسي الذي ظهر لدى بعض الجمهوريين تجاه سياسات ترامب، باعتباره محاولة لحماية مصالحهم الانتخابية والسياسية، وربما إعادة الاعتبار لبعض الأولويات الأميركية التي تضررت بفعل الأزمات الدولية.

رابعاً:
نتنياهو وصورة الولايات المتحدة أمام العالم.

لا يمكن فصل صورة الولايات المتحدة الدولية عن سياستها تجاه إسرائيل والحرب في المنطقة.
فالدعم الأميركي غير المشروط للحكومة الإسرائيلية، في ظل ما شهدته غزة والمنطقة من دمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، أسهم في تعميق أزمة الثقة بين واشنطن وقطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
وقد أصبحت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب موضع نقاش سياسي وانتخابي داخل الولايات المتحدة نفسها.
ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للصورة الأميركية لا تتحقق بتغيير الخطاب الإعلامي فقط، وإنما بمراجعة السياسات التي أثرت في مصداقية الولايات المتحدة، والتأكيد على أن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي لا ينبغي أن يخضعا للانتقائية السياسية.
خامساً: الرسالة الأوسع إلى العالم
إن الولايات المتحدة أمام اختبار يتجاوز نتائج الانتخابات وموازين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
فإما أن تستعيد دورها باعتبارها دولة مؤسسات قادرة على مراجعة سياساتها وتصحيح أخطائها، وإما أن تستمر في دفع أثمان الصراعات التي تتعارض مع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية ومع علاقاتها الدولية.
ولا يعني ذلك أن التحولات الانتخابية ستؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسة الأميركية، فهناك مصالح راسخة ومؤسسات وضغوط داخلية وخارجية لا تتغير بمجرد تبدل الأكثرية في الكونغرس.
لكن انتقال السلطة التشريعية إلى الديمقراطيين، واتساع التمثيل السياسي للمسلمين والأقليات، وظهور تمايزات داخل الحزب الجمهوري، كلها مؤشرات تستحق القراءة والمتابعة.

خاتمة القول :
الدولة لا تُختزل برئيس، وأميركا ليست شخصاً واحداً
قد تكون الرسالة الأهم التي حملتها الانتخابات النصفية الأميركية أن الدولة لا يمكن أن تُختزل بإرادة رئيس، وأن المؤسسات والمجتمع والناخبين يمتلكون القدرة على إعادة تشكيل التوازنات السياسية.
كما أن العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة، ولا ينبغي أن تكون العلاقة معه محكومة بمنطق الصراع الدائم، وأن إيران، باعتبارها دولة إقليمية ذات ثقل وتأثير، لا يمكن أن تكون العلاقة معها محصورة في المواجهة العسكرية والعقوبات والتهديدات.
إن استعادة هيبة الولايات المتحدة لا تبدأ من فرض إرادتها على العالم، بل من استعادة الثقة بها، واحترام سيادة الدول، والتعامل مع الشعوب على أساس المصالح المتبادلة والعدالة والكرامة الإنسانية.
فالقوة الحقيقية للدول الكبرى ليست في قدرتها على إشعال الحروب فحسب، بل في قدرتها على منعها، وصناعة السلام، وحماية مصالحها دون تدمير مصالح الآخرين.

سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل

شارك