لم تعد الحرب مع إيران مجرّد مواجهة عسكرية في الخليج، ولا جولة أخرى من جولات الصراع الأميركي ـ الإيراني أو الإسرائيلي ـ الإيراني. ما جرى، وما لا يزال يتفاعل، يتجاوز حدود الميدان بكثير. فهذه الحرب كشفت أن العالم لم يعد يُدار فقط بتوازنات القوة القديمة، بل دخل مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الأسعار الكبرى للنظام الدولي: سعر السلاح، سعر الطاقة، سعر التأمين، سعر الثقة، وسعر التحالفات.
في الحروب التقليدية، كان السؤال الأول: من انتصر ومن خسر؟ أما في هذه الحرب، فالسؤال الأعمق هو: من سيدفع الفاتورة، ومن سيعيد ترتيب موقعه، ومن سيكتشف أن ما كان يظنه ضمانة ثابتة لم يعد كذلك؟ فالحرب مع إيران لم تضرب إيران وحدها، ولم تربك الخليج وحده، بل امتدت ارتداداتها إلى أوروبا، وأوكرانيا، وروسيا، والصين، وإسرائيل، ومصر، وأسواق التأمين، وسلاسل السلاح والطاقة والملاحة. بهذا المعنى، نحن لا نعيش فقط حربًا إقليمية، بل لحظة عالمية كاشفة.
أول ما كشفته الحرب هو حدود القدرة الأميركية على طمأنة الجميع في وقت واحد. الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأولى في العالم، ولا يزال سلاحها الأكثر طلبًا، ولا تزال منظوماتها الدفاعية والجوية والصاروخية في قلب حسابات حلفائها. لكن الحرب أظهرت أن القوة العظمى، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع أن تفتح كل المخازن لكل الجبهات في اللحظة نفسها. حين تُستهلك الذخائر في الخليج، يتأثر الأوروبي. وحين تُعاد تعبئة المخزون الأميركي، تتأخر شحنات كانت موعودة لحلفاء آخرين. وحين تتحول الأولوية إلى حماية القوات والمصالح الأميركية، يكتشف الحلفاء أن عقود الشراء لا تكفي وحدها لضمان التسليم.
هذا ما بدأته أوروبا تشعر به بوضوح. القارة التي أعادت تسليح نفسها بعد الحرب الأوكرانية، وراهنت مجددًا على السلاح الأميركي، تكتشف الآن أن الاعتماد على واشنطن ليس مسألة تقنية أو تجارية فقط. هو اعتماد سياسي واستراتيجي، يخضع في اللحظة الحرجة لترتيب أولويات أميركي لا أوروبي. أوروبا دفعت، وطلبت، وانتظرت، لكنها وجدت أن الحرب مع إيران تستطيع أن تؤخر ما تحتاجه هي، وأن تعيد توجيه ما كان مخصصًا لها نحو مخازن الولايات المتحدة أو نحو جبهات أكثر استعجالًا في الحساب الأميركي.
هنا لا تكون المشكلة في تأخر منظومة دفاعية أو صواريخ اعتراض فقط. المشكلة في اهتزاز الثقة. فحين لا يعود الحليف واثقًا من أن السلاح سيصل في موعده، تبدأ العلاقة كلها بالتغير. أوروبا ستتحدث أكثر عن الاستقلال الاستراتيجي، وستبحث أكثر عن إنتاج داخلي، وستفتح الباب أمام بدائل فرنسية أو إيطالية أو سويدية أو أوروبية مشتركة. لكنها، في الوقت نفسه، تعرف أنها لا تستطيع أن تستغني سريعًا عن المظلة الأميركية. فهي تريد التحرر من الارتهان، لكنها لا تملك بعد القدرة على الاستقلال. وهذه هي معضلة أوروبا الجديدة: وعي متزايد بالتبعية، من دون قدرة فورية على كسرها.
وليست أوروبا وحدها من يعيد الحساب. الخليج أيضًا يعيش قلقًا من نوع آخر. فالخليج لا يخاف فقط من الصواريخ الإيرانية أو من إغلاق مضيق هرمز. إنه يخاف على نموذج اقتصادي كامل. الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان، بنت قوتها الحديثة على الاستقرار، الطاقة، الموانئ، المال، الطيران، الخدمات، الاستثمار، والسياحة. أي حرب طويلة في الخليج لا تهدد منشأة نفطية وحدها، بل تهدد فكرة الخليج نفسه كمنطقة آمنة لتدفق المال والطاقة والناس والبضائع.
لهذا كانت مواقف التهدئة الخليجية تعبيرًا عن إدراك عميق للكلفة. فحين تصبح منشآت الطاقة أهدافًا محتملة، والموانئ نقاط خطر، والمطارات عرضة للتعطيل، والسفن بحاجة إلى تأمين حرب، فإن الاقتصاد كله يدخل في منطقة رمادية. الإمارات مثلًا، بوصفها مركزًا ماليًا ولوجستيًا وخدميًا، تعرف أن قوة موقعها ليست في السلاح فقط، بل في الثقة. والثقة، في الاقتصاد العالمي، أصل لا يقل أهمية عن النفط والغاز. فإذا اهتزت الثقة بالممرات، اهتزت قيمة الموانئ. وإذا ارتفعت كلفة التأمين، ارتفعت كلفة التجارة. وإذا صارت المنطقة تُقرأ كساحة حرب مفتوحة، فإن المال يعيد حساباته ولو لم تسقط قذيفة واحدة على مركز مالي أو برج زجاجي.
من هنا تأتي أهمية أسواق التأمين في فهم الحرب. التأمين ليس تفصيلًا ماليًا ثانويًا. إنه جهاز الإنذار المبكر للرأسمالية العالمية. شركات التأمين لا تتعامل مع الخطابات، بل مع المخاطر. وحين ترتفع كلفة التأمين ضد العنف السياسي أو أخطار الملاحة في هرمز، فهذا يعني أن السوق يقول ما قد لا تقوله البيانات الدبلوماسية: الخطر صار أعلى، والثقة صارت أقل، والكلفة ستبقى حتى بعد توقف النار. فالحرب لا تنتهي في الاقتصاد عندما يصمت المدفع، بل عندما يقتنع المال بأن الخطر لم يعد قابلًا للتكرار القريب. وهذا لم يحدث بعد.
بهذا المعنى، أعادت الحرب تسعير الطاقة أيضًا. فمضيق هرمز لم يعد ممرًا نفطيًا فقط، بل صار رمزًا للسيادة والنفوذ والقدرة على تعطيل العالم. من يفتح هرمز؟ من يراقبه؟ من يمنع إغلاقه؟ من يضمن حرية الملاحة؟ ومن يملك حق التهديد؟ هذه الأسئلة ليست بحرية فقط، بل سياسية واستراتيجية. فكل برميل نفط يمر من هناك يحمل معه سؤالًا عن ميزان القوة بين واشنطن وطهران، وعن قدرة الخليج على حماية اقتصاده، وعن حاجة آسيا إلى الطاقة، وعن قدرة الصين على إدارة مخاطرها في بحر لا تسيطر عليه مباشرة.
وفي هذا كله، تبدو مصر قلقة من زاوية مختلفة. مصر ليست دولة خليجية تملك فوائض مالية، ولا دولة أوروبية تبحث عن بدائل دفاعية، بل دولة مثقلة بأزمات متراكمة. لديها سد النهضة وما يمثله من قلق وجودي حول النيل، ولديها غزة وما يمكن أن ينتج عن استمرار الضغط عليها من خطر على سيناء، ولديها قناة السويس والبحر الأحمر حيث يصبح اضطراب الملاحة خطرًا مباشرًا على موارد الدولة، ولديها أزمة اقتصادية وديون وتضخم وضغط اجتماعي. لذلك لا يمكن قراءة الحذر المصري من الحرب بوصفه موقفًا رماديًا أو ترددًا سياسيًا فقط. إنه موقف دولة تعرف أن أي توسع للنار قد يصل إلى شرايينها: الماء، القناة، سيناء، الغذاء، والعملة.
أما إسرائيل، فتظهر في المشهد كقوة هجومية واقتصاد قادر على الصمود، لكنها ليست بلا هشاشة. لقد أثبت الاقتصاد الإسرائيلي قدرة على التكيف مع الحروب، مستندًا إلى التكنولوجيا، الصناعات الدفاعية، الغاز، وعلاقات عميقة مع الشركات والأسواق الغربية. الطلب على السلاح الإسرائيلي لا يتراجع بالضرورة في الحروب، بل قد يرتفع. والتكنولوجيا الإسرائيلية لا تُباع دائمًا للمستهلك الفرد، بل تدخل في منظومات وشركات ودول، ما يجعل مقاطعتها أصعب من مقاطعة سلعة عادية.
لكن القوة الظاهرة تخفي أزمة داخلية عميقة. فالنموذج الإسرائيلي يعتمد على قاعدة بشرية محدودة عالية التعليم والإنتاجية، بينما قطاعات واسعة من المجتمع لا تدخل بالقدر الكافي في الاقتصاد المتقدم. التعليم، الديموغرافيا، تمثيل الحريديم والعرب في سوق التكنولوجيا، واتساع الفجوة بين مجتمع منتج ومجتمع مدعوم أو مهمش، كلها عناصر تجعل القوة الإسرائيلية أقل صلابة مما تبدو. تستطيع إسرائيل أن تخوض حروبًا متعددة، وأن تصمد اقتصاديًا، لكنها لا تستطيع إلى الأبد أن تبني أمنها واقتصادها على نخبة ضيقة تحمل وحدها عبء التكنولوجيا والجيش والضرائب والمعرفة.
في الخلفية الدولية الأوسع، تبدو الصين أكبر المستفيدين من تشظي النظام القديم. فبين واشنطن التي تسعى إلى إدارة حربها وتفاوضها، وموسكو التي خرجت من حرب أوكرانيا أكثر اعتمادًا على الشرق، تقف بكين كقوة صاعدة تعرف كيف تنتظر وكيف تساوم. الصين لا تحتاج إلى إعلان انتصار. يكفيها أن يأتيها ترامب طالبًا دورًا أو تفاهمًا، وأن يأتيها بوتين طالبًا دعمًا وأسواقًا ومنافذ. بهذا المعنى، تقدم الصين نفسها كقلب عالم جديد، أو على الأقل كقطب لا يمكن تجاوزه في أي هندسة كبرى للنظام الدولي.
لكن العلاقة الصينية ـ الروسية ليست علاقة ندّين كاملين. روسيا، التي أرادت تحدي الغرب وإعادة فرض نفسها قوة عظمى، وجدت نفسها بعد أوكرانيا أكثر حاجة إلى الصين: في الطاقة، الأسواق، التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، والغطاء السياسي. أما الصين، فلا تمنح روسيا كل ما تريد. إنها تشتري وتفاوض وتؤجل وتفرض شروطها. حتى في مشاريع الغاز الكبرى، تبدو بكين حريصة على ألا تتحول من اعتماد على الخليج إلى اعتماد مفرط على روسيا. هي تريد تنويع مصادرها، لا استبدال تبعية بتبعية أخرى. لذلك تبدو روسيا شريكًا مهمًا للصين، لكنها ليست قائدًا في هذا الشرق الجديد. إنها أقرب إلى شريك محتاج في نظام تميل كفته تدريجيًا نحو بكين.
هكذا تكشف حرب إيران صورة عالمية أوسع: أميركا قوية لكنها مرهقة بتعدد الجبهات. أوروبا قلقة من هشاشة اعتمادها. الخليج يحاول حماية نموذجه الاقتصادي من التحول إلى ساحة حرب. مصر تخشى ارتدادات النار على أمنها الحيوي. إسرائيل تبدو قوية لكنها مأزومة داخليًا. روسيا تزداد حاجة إلى الصين. والصين تتقدم بهدوء نحو مركز النظام. أما الأسواق، من التأمين إلى الطاقة، فتقول ببرودة ما تقوله السياسة بحرارة: العالم أصبح أكثر خطرًا، وكل شيء بات يحتاج إلى سعر جديد.
الأهم أن هذه الحرب أظهرت أن الثقة نفسها أصبحت سلعة استراتيجية. الثقة في السلاح الأميركي، الثقة في الملاحة، الثقة في استقرار الخليج، الثقة في قدرة التحالفات على حماية أعضائها، والثقة في أن الحرب يمكن أن تبقى محصورة. كلها اهتزت. وحين تهتز الثقة، لا تعود بسهولة. يمكن توقيع اتفاق مؤقت، وتمديد وقف نار، وفتح مضيق، وتبادل رسائل دبلوماسية. لكن الشركات، والدول، والمصارف، وشركات التأمين، والجيوش، ستعيد حساباتها على أساس أن ما حدث يمكن أن يحدث مرة أخرى.
لذلك، لا يصح القول إن العالم ينتظر فقط نهاية الحرب مع إيران. الأصح أن نقول إن العالم يعيش ما بعد الصدمة الأولى للحرب، ويحاول أن يتكيف مع مرحلة جديدة من عدم اليقين. فالحرب قد تخف، وقد تتوقف، وقد تتحول إلى تفاوض طويل. لكن آثارها ستبقى في العقود، والمخازن، والأقساط، والممرات، والتحالفات، وقرارات الاستثمار، وخطط التسليح.
لقد أعادت الحرب مع إيران تسعير العالم. والسؤال لم يعد فقط من يملك الصواريخ، بل من يملك القدرة على تحمل كلفتها. لم يعد السؤال من يغلق المضيق، بل من يدفع ثمن احتمال إغلاقه. لم يعد السؤال من يبيع السلاح، بل من يضمن تسليمه. ولم يعد السؤال من يعلن الحلف، بل من يثبت أنه قادر على حماية حليفه عندما تتعدد الحرائق.
في النهاية، قد تكون أخطر نتيجة للحرب أنها نقلت العالم من مرحلة الاطمئنان إلى مرحلة الحساب الدائم. لم يعد شيء مضمونًا بالكامل: لا السلاح، ولا الطاقة، ولا التأمين، ولا الحماية، ولا الممرات، ولا حتى صداقة القوى الكبرى. وهذا هو المعنى الحقيقي لمرحلة ما بعد حرب إيران: عالم لا ينهار دفعة واحدة، لكنه يعيد تسعير كل شيء لأنه لم يعد يثق بأن النظام القديم قادر على حمايته كما كان يظن.
د. بشير عصمت

















Discussion about this post