بقلم : أمين السكافي
في منطقة اعتادت العيش على وقع الأزمات، يبدو المشهد السياسي اليوم أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فالتطورات المتلاحقة، وتشابك الملفات الإقليمية والدولية، وتضارب التصريحات والمواقف، كلها عوامل تجعل من محاولة قراءة المستقبل أشبه بمحاولة الإبحار في بحر كثيف الضباب، حيث تختلط الاتجاهات وتضيع البوصلة.
البداية كانت مع الاتفاق الذي أوقف المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لينتقل الطرفان إلى مسار تفاوضي لا يزال يتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم. فمن جهة، يطل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين الحين والآخر بتصريحات متناقضة؛ تارة يبشر بقرب التوصل إلى تفاهمات كبرى، وتارة أخرى يتحدث بلغة التهديد والتصعيد، حتى بات من الصعب على المراقبين سبر أغوار الفكر الترامبي أو استخلاص مؤشرات واضحة يمكن البناء عليها لفهم اتجاه الأحداث المقبلة.
أما في الجانب الإيراني، فلا يبدو المشهد أكثر وضوحاً أو تفاؤلاً. فالبيانات الصادرة عن وكالات الأنباء الإيرانية، إضافة إلى تصريحات المسؤولين والقادة السياسيين، وفي مقدمهم رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، لا توحي حتى الآن بقرب خروج الدخان الأبيض من غرف التفاوض. وبين الغموض الأميركي والحذر الإيراني، يجد المتابع نفسه أمام لوحة سياسية ضبابية تفتقر إلى المؤشرات الحاسمة.
لكن المسألة الأهم التي يجري التطرق إليها بخجل شديد تتعلق بالحديث عن ربط وقف إطلاق النار بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. فلطالما قيل إن الملفين مترابطان وإن أي تهدئة شاملة لا يمكن أن تستثني لبنان. غير أن الوقائع الميدانية جاءت مناقضة تماماً لهذه الرواية.
فمنذ الإعلان عن وقف المواجهة بين إيران وإسرائيل، شهدت الساحة اللبنانية، ولا سيما الجنوب، تصعيداً إسرائيلياً غير مسبوق براً وبحراً وجواً، وكأن شيئاً لم يتغير. وهنا يبرز السؤال الكبير: أين هو الاتفاق الذي تحدث عنه الجميع؟ ولماذا تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل برفع منسوب التوتر في منطقة مشتعلة أصلاً؟ والأهم من ذلك، لماذا لم تبادر إيران إلى إعادة النظر في تفاهماتها أو العودة إلى المواجهة دعماً للبنان إذا كانت الجبهات مترابطة فعلاً؟ إنها أسئلة تحتاج إلى إجابات واقعية لا إلى عبارات دبلوماسية فضفاضة.
وفي السياق نفسه، يطرح غياب الدور اليمني ودور الحشد الشعبي العراقي علامات استفهام إضافية. فأين القوى التي كانت تتحدث عن وحدة الساحات؟ وهل تُرك لبنان اليوم وحيداً في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، أم أن هناك حسابات إقليمية جديدة أعادت ترتيب الأولويات؟
وعلى المستوى اللبناني الداخلي، تزداد الصورة تعقيداً. فمن هو الفريق الذي يفاوض فعلياً باسم لبنان؟ الواقع يشير إلى أن إيران تتولى التفاوض بصورة غير مباشرة عن المقاومة، فيما تتولى السلطة اللبنانية التفاوض باسم الدولة والجزء الآخر من اللبنانيين. غير أن أياً من المسارين لم ينجح حتى الآن في تحقيق نتيجة توقف النزيف المستمر في الجنوب وسائر المناطق المستهدفة.
وفي الوقت الذي يواجه فيه أكثر من مليون نازح ظروفاً إنسانية قاسية بين المدارس والشوارع والمساكن المؤقتة، تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية أو رؤية واضحة للخروج من المأزق. أما الورقة الأساسية التي يعتقد بعض المسؤولين أنهم يملكونها على طاولة المفاوضات، والمتمثلة بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ونزع سلاح المقاومة، فتبدو شديدة التعقيد إلى درجة قد تجعل السعي إليها بالقوة أو بالإكراه مدخلاً لأزمة داخلية خطيرة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن الفيدرالية وخروجه من الصالونات السياسية المغلقة إلى المنابر الإعلامية المفتوحة.
في المحصلة، تستمر الهمجية الإسرائيلية بلا رادع فعلي، ويبدو الموقف اللبناني الرسمي تائهاً وسط العواصف وأضعف من أن يفرض شروطه أو يحمي شعبه. أما الراعي الأميركي، فلا يبدو معنياً إلا بتحقيق مكاسب سياسية وصور تذكارية مع ترامب، فيما يواصل الإيراني سياسة النفس الطويل والصبر الاستراتيجي أملاً في الوصول إلى اتفاق مع “الشيطان الأكبر”. وبين هذا وذاك، يبقى لبنان الحلقة الأضعف، يدفع وحده ثمن الانتظار، بينما يزداد الضباب كثافة فوق مشهد سياسي لا يملك ترف الوقت ولا رفاهية إنتظار المجهول .

















Discussion about this post