في الجنوب، حيث تلتقي الأرض بالسماء على حدود الدم والنار، لا تُقاس المعارك بالخرائط العسكرية وحدها. هناك تُقاس بالثبات.
المقاومة في الجنوب لا تقاتل لتسجل نقطة في بيان عسكري، بل تقاتل لأنها تعرف أن أنسحابها يعني سقوط قرية أخرى، وتهجير عائلة أخرى، وطمس حكاية أخرى من ذاكرة الأرض.
ما يحدث على الحدود الجنوبية ليس أشتباكاً عابراً. هو مواجهة غير متكافئة بين إرادة لا تملك إلا أرضها وبندقيتها، وبين آلة حرب مدججة بكل ما أنتجته مصانع الموت. ورغم ذلك، تتحقق (الإعجازات) يوماً بعد يوم.
كمين محكم يوقف تقدماً. صاروخ يردع طائرة. مجموعة مقاتلين تمنع لواءً كاملاً من التقدم لمتر واحد.
هذا الصمود ليس صدفة. هو نتيجة إيمان بأن الأرض لا تُسلم، وأن العدو إذا لم يُكسر على الحدود، سيُكمل طريقه إلى بيروت.
حين يعجز العدو عن كسر خط الدفاع، يغير هدفه. لا يذهب للخلف، بل ينزل بالحقد على من لا يحمل سلاحاً.
تُقصف القرى. تُهدّم البيوت على رؤوس ساكنيها. تُستهدف الأسواق والطرقات والسيارات المدنية.
هذه ليست (أخطاء عسكرية) . هي سياسة واضحة، تعويض الفشل الميداني بمجازر إعلامية، ومحاولة كسر الحاضنة الشعبية، والضغط على الدولة للقبول بشروط الأستسلام المقنّعة بأتفاق.
العدو يراهن على أن صورة الطفل تحت الركام هي أقوى من صورة المقاتل على الحدود. يراهن على أن الخوف سيهزم العزة.
المؤلم ليس القصف وحده. المؤلم أن السلطة الرسمية تقف متفرجة.
لا موقف. لا قرار. لا حد أدنى من الرد السياسي أو الدبلوماسي أو حتى المعنوي.
وبينما تُدفن العائلات تحت الركام،تدفن السلطة رأسها في التراب كالنعام،و تستمر نفس السلطة في السير بمسار التفاوض مع من يرتكب المجازر. تفاوض مع من هدم القرى التي يفترض أنها تحت مسؤوليتها.
أي منطق هذا؟ أي سلطة تتفاوض على بقاء شعبها مع من يعلن صراحة أنه يريد إفراغ الأرض من أهلها؟
هذا الغياب ليس حياداً. الحياد في وجه العدوان تواطؤ. والتفاوض تحت النار تنازل.
والصمت بوجه العدو إذلال.
المعادلة بسيطة لكنها مزعجة لأصحاب التسويات
كلما صمدت المقاومة، زاد جنون العدو. وكلما زاد جنونه، ظهر عجز الدولة.
الصمود في الجنوب يكشف شيئين.
أولاً، أن العدو ليس أسطورة لا تُقهر. يمكن إيلامه وإيقافه إذا وُجدت الإرادة.
ثانياً، أن رهان (الدولة ستحميك) سقط عملياً. الحماية اليوم تأتي من البندقية التي لم تُسلّم، ومن الصاروخ الذي لم يُسلم، ومن الرجل الذي قرر أن يموت واقفاً بدل أن يعيش راكعاً.
يا أهل الجنوب، أنتم لستم أرقاماً في نشرات الأخبار. أنتم من أعطى لهذه المرحلة معناها.
بصمودكم أعدتم تعريف مفهوم (القوة). القوة لم تعد دبابة ولا طائرة، القوة صمود. أم لا تترك بيتها، ومقاتل لا يترك موقعه، وإعلامي يموت والكاميرا في يده.
والتاريخ لا ينسى. سيذكر أن المقاومة قاتلت، وأن العدو أنتقم من الأطفال، وأن السلطة فاوضت.
والسؤال الذي سيبقى معلقاً لكل مسؤول اليوم، حين كتب أهل الجنوب ملحمة الصمود بدمهم، ماذا كتبت أنتَ بمقعدك؟؟
نضال عيسى


















Discussion about this post