بقلم : أمين السكافي
لا أعلم من أين أبدأ، ونحن في أول أيام عيد الأضحى، العيد الذي يفترض به أن يطرق أبواب القلوب حاملاً معه شيئاً من الطمأنينة والفرح، فإذا به يمر على اللبنانيين كضيف ثقيل يعجز حتى عن مواساتهم. كأن قدر هذا الشعب أن يولد مثقلاً بالحزن، وأن يكبر على صوت الأزمات، وأن يموت وهو يجر خلفه قهراً لا ينتهي. فمنذ أن تأسس هذا الكيان في أوائل القرن الماضي، ولبنان لا يمنح أبناءه سوى الألم، كأنما كتب على أهله أن يعيشوا أسوأ الكوابيس اليومية، وأن يتحول الوطن إلى امتحان دائم للصبر والاحتمال.
منذ تأسس لبنان على ذلك التوازن الهش بين كثرة الطوائف والمذاهب، كان واضحاً أن الجرح أعمق من أن يلتئم. لم يشعر اللبناني يوماً أنه ينتمي إلى وطن واحد بقدر ما شعر أنه ينتمي إلى طائفته، إلى زعيمه، إلى خوفه القديم من الآخر. فكل طائفة في هذا البلد الصغير بدت وكأنها دولة مستقلة لها قوانينها وزعاماتها وميليشياتها وحساباتها الخاصة، تتنافس جميعها على اقتسام ما تبقى من جسد الدولة المنهك. والأسوأ من ذلك أن ولاء كثيرين لم يكن يوماً للبنان نفسه، بل لمرجعيات خارجية تتحكم بالمصائر والقرارات، حتى بدا اللبناني غريباً في وطنه، ينتظر مصيره من عواصم أخرى لا تعرف عن وجعه شيئاً.
ولم تكن لعنة الداخل وحدها كافية، فجغرافيا لبنان نفسها كانت عقاباً إضافياً. فمن جهة، هناك سوريا التي اعتبر نظامها السابق لبنان محافظة ملحقة به، فدخل إليه بجنوده وأجهزته وأحكم قبضته على تفاصيل الحياة السياسية والأمنية لعقود طويلة، حتى بات اللبناني يشعر أن وطنه لا يملك قراره. واليوم يقف الناس على الحدود يراقبون النظام الجديد بقلق وخوف، مترقبين كيف ستترجم النوايا المقبلة على الأرض اللبنانية. ومن الجهة الأخرى، هناك العدو الذي احتل أرضاً اسمها فلسطين وستبقى فلسطين، ذلك الجرح المفتوح الذي جرّ على لبنان الحروب والدمار والقتل والتهجير، حتى كبرت أجيال كاملة وهي تحفظ صوت الطائرات والانفجارات أكثر مما تحفظ أناشيد الأعياد.
تأتينا رسائل المعايدات كل عام، فأفتش داخل كلماتها عن نافذة صغيرة للأمل، فلا أجد إلا صور الحروب الأهلية التي مزقت هذا البلد وتركت في روحه ندوباً لا تشفى. أرى شباب لبنان يغادرون واحداً تلو الآخر، يحملون حقائبهم وأحلامهم نحو بلاد بعيدة احتضنتهم بعدما لفظهم وطنهم. أمهات وآباء تحولت علاقتهم بأبنائهم إلى مكالمات عبر شاشة صغيرة، شاشة لا تشبع شوقاً ولا تمسح دمعاً، بل تزيد الإحساس بالقهر والحرمان.
ثم ماذا بقي للبناني بعد؟ لا كهرباء تحفظ كرامته، ولا مياه تصل إلى بيته، ولا طرقات تشبه أوطان البشر، ولا طبابة تداوي أوجاعه، وحتى أمواله التي أفنى عمره في جمعها تبخرت في المصارف كأنها لم تكن. أما الفساد، فقد صار وحشاً يجلس فوق صدور الناس ويأكل ما تبقى من أعمارهم، فيما متوسط دخل الفرد لا يكفي لرفع الفاقة عن عائلة مسحوقة تتآكلها الأسعار والجوع والخوف من الغد.
حقاً، إن كان للنبي أيوب من ورثة في هذا الزمن فهم اللبنانيون. أولئك الذين اعتادوا التعايش مع أوجاعهم كما يعتاد السجين على جدران زنزانته، والذين يتقنون فن الصبر لأنهم لا يملكون ترف الانهيار. اللبناني اليوم لا يعيش ليحلم، بل يعيش ليعد الأيام، وكل شهر يمر عليه دون سقوط جديد يعتبره إنجازاً يستحق الاحتفال.
فمعذرة أيها العيد، إن عجزنا عن استقبال الفرح. معذرة لأننا لم نعد نرى في الأعياد سوى محطات إضافية لتذكّر كل ما خسرناه. هنا، في هذا الركن المنسي من العالم، لا يبكي الفقراء وحدهم، بل يبكي المقهورون أيضاً، أولئك الذين تعبوا من حمل وطن يشبه الحزن أكثر مما يشبه الحياة ، ألا يحق للبناني أن يعيش جزءا من حياته دون خوف من القادم المجهول دون قلق دون يأس ودون ألم وأن كل طموحه أن يعيش بطمأنينة وكرامة .


















Discussion about this post