
«وعدوهم بالمنّ والسلوى… فسلّموهم الانكماش: سلطة تطارد سلاح المقاومة وتترك اقتصاد لبنان ينهار»
كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز الفلك
كشف البنك الدولي في أحدث تقديراته عن صورة مقلقة للاقتصاد اللبناني، متوقعاً انكماشه بنسبة 6.4% خلال عام 2026، بعد نمو حقيقي قُدّر بنحو 4.2% في عام 2025.
صحيح أن الحرب والتصعيد منذ آذار شكّلا عاملاً أساسياً في قلب مسار التعافي الهش، وفق البنك الدولي، لكن الوقوف عند هذا العامل وحده يحجب سؤالاً أكثر إلحاحاً:
ماذا فعلت السلطة اللبنانية لمواجهة الأزمة ومنع انتقال كلفتها مجدداً إلى جيوب اللبنانيين؟أخبار
دخل لبنان خلال المرحلة الأخيرة في تموضع سياسي مختلف، مع إعادة وصل علاقاته بالمحور الغربي ـ السعودي وارتفاع سقف التوقعات بعودة الدعم والاستثمارات والمساعدات. وقيل للبنانيين إن تبدل المشهد السياسي سيعيد الثقة ويفتح أبواب الخارج أمام عملية النهوض.
لكن النتائج الاقتصادية الملموسة لا تزال دون حجم تلك الوعود.
فلا تحسن جوهرياً في الخدمات العامة، ولا معالجة لأزمة الكهرباء، ولا تحول اقتصادي قادر على خلق فرص العمل ووقف نزيف الهجرة، فيما تستمر كلفة الطاقة والنقل والمعيشة في استنزاف المواطنين والمؤسسات.
وهنا تصبح أرقام البنك الدولي أكثر من مجرد تحذير اقتصادي، لأنها تطرح مسألة الأولويات التي اعتمدتها السلطة.تاريخ
ويؤخذ على الحكومة أن جانباً كبيراً من خطابها السياسي وتحركها الداخلي والخارجي تمحور حول ملف سلاح المقاومة وحصر السلاح بيد الدولة، حتى بدا أحياناً وكأنه المهمة التي تتقدم على سائر الملفات.
وبصرف النظر عن الخلاف السياسي حول هذا الملف، لا يمكن لدولة تواجه هذا الحجم من التحديات أن تختصر وظيفتها بمهمة واحدة.
فالاقتصاد يحتاج إلى خطة، والكهرباء تحتاج إلى حل، والصناعة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالإنتاج والمنافسة، والمزارع اللبناني يحتاج إلى حماية حقيقية تضمن له تصريف إنتاجه وتخفف كلفة الزراعة وتحميه من المنافسة غير المتكافئة، بدل أن يبقى وحيداً أمام الخسائر وتقلب الأسواق. والمودعون ينتظرون معالجة عادلة لأموالهم، فيما تبقى مكافحة الاحتكارات والهدر والفساد شرطاً أساسياً لأي نهوض.
وفي المقابل، تبدو السلطة في محطات عدة شديدة المرونة أمام المطالب والضغوط الخارجية، من دون أن يلمس اللبناني صلابة مماثلة في انتزاع حقوق بلاده أو تحويل علاقاتها الجديدة إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية واضحة.هيئات تنفيذية
وهذه هي المفارقة الأساسية.
إذا كان التموضع السياسي الجديد يُقدَّم باعتباره مدخلاً لإعادة لبنان إلى الحضن العربي والدولي، فمن الطبيعي أن يسأل المواطن عن مردوده على الدولة والاقتصاد.
فالتحالفات لا تُقاس بالزيارات والصور والتصريحات، وإنما بقدرتها على حماية المصالح الوطنية وفتح الأسواق وجذب الاستثمار وتحسين شروط حياة الناس.
ولا يمكن بالطبع تحميل الحكومة الحالية مسؤولية انهيار بدأ قبلها بسنوات، أو تحميلها وحدها تداعيات الحرب والأزمة المالية المتراكمة، لكن يمكن محاسبتها على طريقة إدارتها للمرحلة وعلى الأولويات التي اختارتها والنتائج التي حققتها.تاريخ
وهنا تحديداً تكمن مسؤوليتها.
فاللبناني لا يعيش من تبدل المحاور. ما يعنيه هو الكهرباء والماء والطبابة والتعليم وفرصة العمل وأمواله المحتجزة في المصارف، وأن يجد المزارع من يحمي إنتاجه والعامل من يحمي حقه والمؤسسة من يوفر لها شروط الاستمرار، وأن يشعر الجميع بأن هناك دولة تفاوض الخارج دفاعاً عن مصالحهم لا بحثاً عن رضاه.
لذلك فإن توقع انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% ليس رقماً عابراً في تقرير دولي، بل جرس إنذار سياسي واقتصادي.
لقد تبدلت مواقع وتحالفات وارتفعت وعود كثيرة.
لكن الاختبار الحقيقي أبسط من كل ذلك:
هل تبدلت حياة اللبناني؟
حتى الآن، الجواب لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
|



