لبنان… حين كان الجبل إمارة، وحين صارت الطوائف وطناً

 

بقلم : أمين السكافي . (الحلقة الثانية)

ليس لبنان وليد عام 1920، يوم وقف الجنرال غورو في قصر الصنوبر وأعلن قيام «دولة لبنان الكبير». وليس هو أيضاً وليد 1943، حين اتفق بشارة الخوري ورياض الصلح على صيغة الاستقلال. فلبنان الذي نعرفه اليوم أقدم من حدوده، وأعقد من طوائفه، وأشد التباساً من خرائطه. لقد كان، قبل أن يصبح دولة، جبلاً؛ وقبل أن يصبح وطناً، إمارة؛ وقبل أن تصبح الطائفة هوية سياسية، كانت مجرد واحدة من دوائر الانتماء في مجتمع عثماني واسع.

 

ومن هنا تبدأ الحكاية.

 

في القرن السادس عشر برز الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي أصبح لاحقاً أحد أكثر الأسماء حضوراً في الذاكرة اللبنانية. لم يكن فخر الدين «مؤسس لبنان» بالمعنى الحديث للكلمة، فالكيان السياسي الحديث لم يكن قد وُجد بعد، لكن تجربته أسست لفكرة إمارة جبلية واسعة تتمتع بهامش من الاستقلال عن السلطة العثمانية. وسّع نفوذه إلى مناطق متعددة، وبنى علاقات مع القوى الأوروبية، وحاول أن يجعل من الجبل مركزاً سياسياً واقتصادياً أكثر استقلالاً.

 

لكن الإمارة لم تكن دولة قومية، ولم يكن سكانها يعرفون أنفسهم بالمعنى اللبناني الذي ظهر لاحقاً. كانت السلطة تقوم على شبكة من العائلات والمقاطعات والولاءات المحلية، وكان الدين واحداً من عناصر هذه البنية، لا تعريفها الوحيد.

 

ثم جاء آل شهاب.

 

كانت الأسرة الشهابية في أصلها من المسلمين السنّة، وقد حكمت الجبل بعد انتهاء العهد المعني. لكن في القرن الثامن عشر بدأ بعض أفرادها ينتقلون إلى المسيحية المارونية، في تحول لم يكن مجرد مسألة دينية، بل أصبح مع الوقت عاملاً سياسياً بالغ الأثر. ومن بين هؤلاء كان قاسم الشهابي، والد الأمير بشير الثاني، الذي وُلد بشير في عهده وقد نشأ مسيحياً. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تحول بعض الشهابيين لم يكن حدثاً واحداً يمكن تحديده بتاريخ قاطع، بل مساراً عائلياً وسياسياً امتد خلال القرن الثامن عشر.

 

وهنا لا بد من التوقف عند بشير الثاني، لأن كثيراً من الروايات اللبنانية اختصرت قصته بالقول إنه «غيّر دينه». والحقيقة أكثر تعقيداً. بشير الثاني لم يكن مسلماً سنياً ثم اتخذ قراراً مفاجئاً بالتحول إلى المارونية في تاريخ محدد؛ فقد وُلد عام 1767 في غزير، وكان والده قاسم قد سبق إلى اعتناق المسيحية، ولذلك نشأ بشير مسيحياً. لكنه عاش سياسياً في عالم لم تكن فيه الهوية الدينية منفصلة عن الضرورة السياسية. ظل يستخدم علاقاته مع الدروز والمسلمين والمسيحيين، وأبقى على قدر من الغموض في ممارسته الدينية والسياسية.

 

أما لماذا حدث تحول آل شهاب نحو المسيحية، فلا توجد وثيقة واحدة حاسمة تقول إن السبب كان كذا وحده. لكن صعود الموارنة في الجبل، وتشابك المصالح مع الكنيسة المارونية، والعلاقات المتنامية مع فرنسا والقوى الأوروبية، كلها ساعدت في جعل التحول جزءاً من إعادة تشكيل التوازن السياسي في الجبل. ولم يكن بشير الثاني مجرد أمير ماروني؛ فقد كان، في مراحل مختلفة، أميراً يتعامل مع كل الجماعات وفق ضرورات الحكم.

 

استمر حكم بشير الثاني حتى 1840، وهي السنة التي انقلب فيها المشهد كله.

 

كان الجبل آنذاك مسرحاً لصراع أكبر من حدوده. فقد دخل محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا بلاد الشام، وأصبح بشير الثاني حليفاً لهما. وفي ظل الحكم المصري جرى فرض ضرائب جديدة والتجنيد ونزع السلاح، كما أدى اعتماد إبراهيم باشا على بعض المسيحيين في مواجهة التمردات الدرزية إلى تحويل صراعات سياسية واجتماعية قديمة إلى خصومات أخذت ترتدي ثوباً طائفياً.

 

وحين انهار الحكم المصري عام 1840، سقط بشير الثاني معه، ونُفي إلى خارج لبنان. وكان سقوطه أكثر من سقوط أمير؛ فقد انتهى معه نموذج الأمير القادر على المناورة بين الطوائف والعائلات، وبدأت مرحلة جديدة ستصبح فيها الطائفة تدريجياً أساساً للتنظيم السياسي.

 

بعد 1840 دخلت القوى الأوروبية والعثمانية على الخط بقوة. وفي 1842 قُسّم جبل لبنان إلى قائمقامين: شمالي يغلب عليه المسيحيون وجنوبي يغلب عليه الدروز. كان التقسيم محاولة لإطفاء النار، لكنه حمل في داخله بذورها؛ إذ حوّل التداخل السكاني القديم إلى حدود طائفية. ثم جاءت اضطرابات 1845 لتؤكد أن النظام الجديد لم يصنع سلاماً، بل أعاد ترتيب الصراع.

 

ثم جاءت 1860.

 

لم تكن مجازر 1860 نتيجة كراهية دينية مفاجئة نشأت من العدم. كان وراءها صراع على الأرض والضرائب والنفوذ، وتراجع النظام الإقطاعي، وصعود فلاحين موارنة في مناطق كان النفوذ الدرزي فيها قوياً، وتدخل أوروبي متزايد، وسياسات عثمانية مرتبكة. وفي كسروان تمرد الفلاحون على الإقطاع الماروني نفسه، ثم انتقلت الأزمة إلى المناطق المختلطة، حيث أصبح الصراع الاقتصادي والسياسي يرتدي لباساً طائفياً.

 

وفي ربيع وصيف 1860 انفجر الجبل. وقعت مذابح وعمليات قتل وتهجير، ثم امتدت الأحداث إلى دمشق، حيث قُتل مئات المسيحيين. وأصبحت مجازر 1860 نقطة تحول حاسمة في تاريخ لبنان الحديث، بعدما تحولت المسألة اللبنانية إلى قضية دولية مفتوحة على التدخل الأوروبي.

 

وكانت النتيجة ولادة متصرفية جبل لبنان عام 1861. حصل الجبل على حكم ذاتي نسبي، يحكمه متصرف مسيحي عثماني غير لبناني، يعاونه مجلس يمثل الطوائف. لم تكن المتصرفية لبنان الكبير، لكنها كانت أول تجربة سياسية لبنانية ذات نظام إداري خاص ومستقل نسبياً عن الولايات العثمانية المحيطة. واستمرت هذه الصيغة حتى الحرب العالمية الأولى، وأمنت للجبل فترة طويلة من الاستقرار النسبي.

 

لكن لبنان لم يكن معزولاً عن السلطنة.

 

كان جبل لبنان جزءاً من عالم عثماني أوسع، وكانت بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع ومناطق الجنوب مرتبطة إدارياً واقتصادياً بولايات أخرى. ومع ازدهار الحرير والتجارة والهجرة والتعليم والإرساليات الأجنبية، بدأ الجبل يتغير. وتزايدت الهجرة اللبنانية إلى الأميركيتين، خصوصاً مع أزمات صناعة الحرير في أواخر القرن التاسع عشر. وفي الوقت نفسه كانت فكرة «لبنان» تتبلور ببطء من داخل المجتمع نفسه، لكنها لم تكن قد اكتملت بعد.

 

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى.

 

انهارت السلطنة العثمانية، وسقط معها الإطار السياسي الذي عاش تحته أهل الجبل أربعة قرون. وفي الفراغ الذي تركته الهزيمة العثمانية جاءت خرائط القوى المنتصرة. كان اتفاق سايكس–بيكو السري قد رسم مناطق نفوذ فرنسية وبريطانية في المشرق، ثم جاءت التسويات الدولية بعد الحرب لتضع المنطقة أمام حدود جديدة لم تكن دائماً امتداداً لخرائطها الاجتماعية والتاريخية.

 

وفي 1 أيلول 1920 أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير. أضيفت إلى جبل لبنان مناطق بيروت والبقاع والشمال والجنوب، فانتقل لبنان من متصرفية جبلية محدودة إلى كيان جغرافي يقارب لبنان الحالي. ارتفعت مساحته من نحو 3500 كيلومتر مربع إلى أكثر من 10 آلاف، وأصبحت بيروت عاصمته.

 

وهنا ولدت المفارقة اللبنانية الكبرى: لبنان الذي أراده بعض المسيحيين وطناً آمناً ومستقلاً، اعتبره كثير من المسلمين في بدايته مشروعاً فُرض برعاية فرنسا واقتطع أجزاء من سوريا الطبيعية. وبين هذين التصورين بدأ البحث عن صيغة يستطيع فيها المختلفون أن يعيشوا داخل حدود واحدة.

 

جاء الانتداب الفرنسي، ثم دستور 1926، وأُعلنت الجمهورية اللبنانية. وفي الثلاثينيات والأربعينيات بدأ شيء جديد يتشكل: ليس لبنان المسيحي ولا لبنان العربي السوري، بل لبنان الذي يحتاج إلى تسوية بين هوياته المتعددة.

 

وفي 1943 ولدت تلك التسوية في صورة الميثاق الوطني: يتخلى المسيحيون عن طلب الحماية الأجنبية، ويتخلى المسلمون عن مشروع الاندماج في وحدة عربية خارج الحدود اللبنانية. لم يكن الميثاق دستوراً مكتوباً، بل كان صفقة تاريخية بين جماعتين أرادتا، كل من موقعها، أن تتخلى عن جزء من حلمها كي تحصل على الدولة كاملة.

 

وفي 22 تشرين الثاني 1943 حصل لبنان على الاستقلال، وإن بقي الجلاء الفرنسي الكامل حتى 1946.

 

لكن التاريخ اللبناني، منذ فخر الدين إلى بشير الثاني، ومن 1840 إلى 1860، ومن المتصرفية إلى لبنان الكبير، يقول شيئاً أكثر عمقاً من تواريخ الحكام والمعارك: إن لبنان لم يولد مرة واحدة.

 

لقد وُلد على مراحل.

 

ولد أولاً كجبل له خصوصيته، ثم كإمارة تتسع وتضيق، ثم كمتصرفية صنعتها مأساة طائفية، ثم كدولة رسمت حدودها القوى الدولية، وأخيراً كجمهورية حاول أهلها أن يصنعوا من تعددهم وطناً.

 

ولعل مأساة لبنان الكبرى، وربما سره أيضاً، أن الطوائف لم تكن مجرد جماعات دينية تعيش فيه؛ لقد أصبحت، مع الزمن، شركاء في اختراع الدولة نفسها.

 

ولهذا بقي السؤال اللبناني مفتوحاً منذ قرون: هل كان لبنان دولة صنعتها الطوائف، أم طوائف صنعتها الدولة؟

 

وربما كانت الإجابة، كما يوحي تاريخه الطويل، أن الأمرين حدثا معاً .

شارك