
من طوفان الأقصى إلى انفجار جبهة لبنان
بقلم : أمين السكافي (الحلقة ٨)
الجزء الأول: الزلزال الذي غيّر قواعد اللعبة
لم يكن السابع من تشرين الأول 2023 يوماً آخر في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. كان يوماً انكسر فيه شيء أعمق من السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل؛ انكسرت صورة الردع الإسرائيلي، وسقطت في ساعات قليلة فرضية أن قطاع غزة بات ساحة يمكن احتواؤها وإدارتها، وأن حركة حماس أصبحت، بفعل الحصار والهدن والتمويل والتفاهمات غير المباشرة، قوة يمكن التحكم بسلوكها.
في ذلك الصباح خرجت حماس من تحت الأرض إلى فوقها، وهاجمت مواقع عسكرية وبلدات ومستوطنات إسرائيلية، وأسفرت العملية عن نحو 1,200 قتيل إسرائيلي وأجنبي، وأسر 251 شخصاً ونقلهم إلى غزة.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في حجم القوة التي استخدمتها حماس فحسب، بل في قدرتها على تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية.
كانت إسرائيل تملك أجهزة استخبارات من الأكثر تطوراً في العالم، وشبكة مراقبة إلكترونية وبشرية وتقنية هائلة حول غزة. ومع ذلك، أخفقت في تحويل مؤشرات متعددة إلى إنذار عملياتي يمنع الهجوم. وقد خلصت تحقيقات ودراسات إسرائيلية وأكاديمية لاحقة إلى أن المشكلة لم تكن غياب المعلومات بالكامل، بل سوء تفسيرها، والتحيزات الفكرية، والاستخفاف بقدرات حماس، والإفراط في الثقة بالتفوق التكنولوجي.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
لماذا فعلت حماس ذلك؟
هذا هو السؤال الذي سيبقى لسنوات أحد أكثر الأسئلة تعقيداً في تاريخ المنطقة.
لم يكن هناك سبب واحد.
كانت غزة محاصرة منذ سنوات، والضفة الغربية تشهد توسعاً استيطانياً متواصلاً، والقدس تدخل باستمرار في دائرة التوتر، فيما بدا أن القضية الفلسطينية تفقد موقعها في الأولويات العربية والدولية. وفي الوقت نفسه كان مسار التطبيع العربي ـ الإسرائيلي يتقدم، وكانت احتمالات التوصل إلى تفاهم سعودي ـ إسرائيلي تزداد.
من هذه الزاوية يمكن قراءة 7 أكتوبر باعتباره محاولة لإعادة القضية الفلسطينية بالقوة إلى مركز المعادلة.
لكن حماس لم تكن تتحرك فقط ضد مسار سياسي. كانت تريد أيضاً، على الأرجح، إعادة تعريف قواعد الصراع نفسها: بدلاً من أن تبقى غزة محاصرة وتنتظر ما تقرره إسرائيل، أرادت أن تجعل إسرائيل هي التي تنتظر ما ستفعله غزة.
وهنا يجب أن نميز بين أمرين.
الأول ثابت: حماس خططت للعملية على مدى سنوات، وأخفقت إسرائيل في فهم نياتها. وقد خلص تحقيق عسكري إسرائيلي لاحق إلى أن خطة الهجوم كانت معروفة بصورة جزئية منذ سنوات، وأنها طورت منذ منتصف العقد السابق وأقرت بصيغتها النهائية قبل وقت طويل من التنفيذ.
أما الثاني، وهو أن حماس أرادت تحديداً منع التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي، فهو تفسير مهم تدعمه تحليلات عديدة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى «السبب الوحيد».
فالقرار كان أكبر من ملف التطبيع.
كان محاولة لتغيير المعادلة الفلسطينية كلها.
لماذا لم تخبر حماس أحداً؟
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة.
إذا كان الهدف إشعال حرب إقليمية، فلماذا لم تخبر حماس إيران وحزب الله بكل تفاصيل العملية؟
المتاح من الأدلة لا يسمح بالقول إن إيران كانت صاحبة القرار العملياتي في 7 أكتوبر. في الأيام الأولى نفسها، قالت الولايات المتحدة وإسرائيل إنهما لا تملكان دليلاً مباشراً على أن إيران أمرت بالعملية أو خططت لها، رغم الدعم الإيراني التاريخي لحماس.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية.



