
لماذا وأين أخطأ المسلمون في كتابة تاريخهم؟
الكاتب والباحث : أمين السكافي .
لم تكن مشكلة المسلمين في يوم من الأيام أنهم كانوا أمة بلا تاريخ، بل ربما كانت مشكلتهم أنهم امتلكوا تاريخًا عظيمًا، ثم عجزوا عن الاتفاق على قراءته. وبين التاريخ الذي وقع، والتاريخ الذي كُتب، والتاريخ الذي أراد كل فريق أن يراه، ضاعت أحيانًا الحقيقة بين الرواية والمذهب، وبين القداسة والسياسة، وبين النص وما فعله البشر بالنص.
منذ أن خرج الإسلام من جزيرة العرب، كان أمامه سؤال أكبر من سؤال الفتح: كيف تتحول الرسالة إلى دولة، وكيف تتحول الجماعة المؤمنة إلى أمة قادرة على إدارة شؤونها؟
في الجيل الأول، استطاعت الدولة الإسلامية أن تبني في زمن قصير مركزًا سياسيًا وعسكريًا وحضاريًا بالغ التأثير. ثم جاء عصر الفتوحات الكبرى، واتسعت الدولة من الجزيرة إلى الشام والعراق ومصر وفارس وشمال أفريقيا، ثم إلى الأندلس وآسيا الوسطى. وبعد ذلك ظهرت مراكز حضارية كبرى في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة، وازدهرت العلوم والفلسفة والطب والفلك والترجمة والتجارة.
لكن هذه الصورة المضيئة لم تستمر على خط واحد.
فمنذ وقت مبكر دخل سؤال السلطة في صلب التاريخ الإسلامي. من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وهل السلطة شأن سياسي دنيوي أم امتداد للرسالة؟ ثم تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات دينية ومذهبية، وأصبح التاريخ نفسه ساحة من ساحات الصراع.
وهنا ربما تكمن إحدى أكبر مشكلات التجربة الإسلامية: أن المسلمين لم ينجحوا دائمًا في الفصل بين الإسلام كرسالة، وبين السلطة باعتبارها تجربة بشرية قابلة للصواب والخطأ.
فالخليفة ليس هو الإسلام، والدولة ليست هي الدين، والحاكم ليس هو النص، والجيش الذي يرفع راية الإسلام ليس بالضرورة معبرًا عن كل قيم الإسلام.
وهذه المسافة بين المقدس والبشري لم تكن دائمًا واضحة في الوعي التاريخي.
ثم جاءت الفتنة الكبرى، وما تبعها من الجمل وصفين والنهروان، ثم مقتل الإمام علي، ثم صلح الإمام الحسن، ثم كربلاء. ومنذ ذلك الزمن أصبح السؤال السياسي الأول في التاريخ الإسلامي مرتبطًا بالسؤال المذهبي. ومن هنا نشأت قراءات متعددة لماضي الأمة، كل واحدة منها تحمل ذاكرتها الخاصة، وأحيانًا آلامها وخصوماتها أيضًا.
لكن هل كانت المشكلة في المذهب وحده؟
الجواب التاريخي أكثر تعقيدًا.
فالمذاهب الإسلامية لم تمنع المسلمين من بناء حضارات عظيمة. بل إن عصورًا كاملة من الازدهار نشأت داخل بيئات مذهبية متنوعة. ولم تكن بغداد العباسية، مثلًا، مجرد عاصمة سياسية، بل مركزًا للترجمة والمعرفة والعلوم. وفي المقابل، لم يكن الانقسام المذهبي وحده سبب سقوط الدول؛ فقد لعبت الصراعات على السلطة، والتنافس بين الأسر الحاكمة، والأزمات الاقتصادية، والانقسامات العسكرية، والغزوات الخارجية، وتبدل طرق التجارة، أدوارًا حاسمة.
ولذلك فإن اختصار أربعة عشر قرنًا في عبارة «هُزم المسلمون لأنهم اختلفوا مذهبيًا» لا يفسر التاريخ، كما أن القول إن «الدين هو سبب التخلف» لا يفسره أيضًا.
وربما علينا أن نتوقف طويلًا عند الآية القرآنية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
الآية لا تقول إن كل من انتسب إلى الإسلام صار بالضرورة مؤمنًا بالمعنى الكامل، بل تضع تمييزًا بين الانتساب الظاهر وبين رسوخ الإيمان في القلب والسلوك.
وهنا يبرز سؤال تاريخي شديد الأهمية: هل كان كل من حمل اسم الإسلام يمثل بالضرورة قيم الإسلام؟
التاريخ يقول: لا.
لقد دخل الإسلام أمم وقبائل وشعوب هائلة العدد، من العرب والفرس والأتراك والبربر والأفارقة والهنود وغيرهم. وكان هذا الانتشار أحد أعظم ظواهر التاريخ الإنساني، لكنه حمل معه أيضًا عادات وثقافات وتصورات سياسية واجتماعية سابقة على الإسلام.
وهنا لا ينبغي أن نفهم «أسلمة الشعوب» على أنها محو كامل لهوياتها السابقة. فالذي حدث تاريخيًا كان أكثر تعقيدًا: دخلت شعوب في الإسلام، ودخلت معها إلى الحضارة الإسلامية لغاتها وذاكراتها وأنماطها السياسية وثقافاتها. وفي أحيان كثيرة أثرت تلك العناصر في شكل الدولة والمجتمع كما تأثرت هي بالإسلام.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدلت صورة الدولة الإسلامية عبر العصور.
الأمويون لم يكونوا العباسيين، والعباسيون لم يكونوا العثمانيين، والأندلس لم تكن بغداد، والدولة الفاطمية لم تكن دولة السلاجقة، والدولة الصفوية لم تكن الدولة العثمانية.
بل إن المذهب نفسه دخل أحيانًا في علاقة مباشرة مع مشروع الدولة. ففي إيران الصفوية، مثلًا، أعلن إسماعيل الأول التشيع الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة سنة 1501، وأصبح ذلك عنصرًا من عناصر بناء الدولة وهويتها في مواجهة محيط سني، ولا سيما الدولة العثمانية. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن هذا التحول كان تدريجيًا ولم يكن مجرد تحول فوري لجميع السكان.
وهكذا يصبح السؤال أكبر من المذهب: متى تحول المذهب من مدرسة لفهم الدين إلى أداة من أدوات الصراع السياسي؟
وهو سؤال لا يخص طائفة دون أخرى.
ثم جاءت الكارثة المغولية. سقطت بغداد سنة 1258، وانتهت الخلافة العباسية فيها، وكان سقوط المدينة ضربة سياسية وحضارية هائلة. لكن المسلمين لم ينتهوا. ظهرت قوى جديدة، وعادت مراكز القوة إلى مناطق أخرى، ثم قامت دول إسلامية كبرى، ومنها العثمانيون الذين أصبحوا لقرون القوة الإسلامية الأبرز في مساحة واسعة من العالم.
لكن التاريخ يعيد السؤال نفسه: لماذا كانت فترات النهوض غالبًا مرتبطة بقيادة سياسية قوية، ثم تنتهي حين تضعف المؤسسات أو تتشظى السلطة؟
ربما هنا تكمن المشكلة الأعمق.
المسلمون عرفوا كيف ينتصرون، لكنهم لم ينجحوا دائمًا في بناء نظام مستقر لإدارة الانتصار.
عرفوا كيف يفتحون المدن، لكنهم لم ينجحوا دائمًا في بناء مؤسسات تتجاوز الحاكم. عرفوا كيف يقاومون الغزاة، لكنهم كثيرًا ما عادوا إلى صراعاتهم الداخلية بعد انتهاء الخطر. وامتلكوا العلماء والمفكرين والتجار والقادة، لكن العلاقة بين المعرفة والسلطة لم تكن دائمًا منتجة.
ثم جاءت المرحلة الاستعمارية الحديثة، فتغير ميزان العالم بصورة جذرية. دخلت القوى الأوروبية عصر الصناعة والعلم الحديث والدولة المركزية الحديثة، بينما كانت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي تواجه أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية متراكمة. وهنا لم يعد السؤال: من يملك الجيوش الأكبر؟ بل: من يملك المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات والاقتصاد؟
واليوم، بعد أربعة عشر قرنًا، لا يصح القول إن المسلمين فقدوا قدرتهم إلى الأبد. التاريخ لا يعرف «الأبد» في صعود الأمم وسقوطها.
السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع المسلمون أن يستعيدوا دورًا حضاريًا من دون أن يعيدوا إنتاج صراعات الماضي؟
والجواب لن يكون بالعودة إلى الماضي كما هو، ولا بإلغاء الماضي.
إن استعادة الدور تبدأ ربما من إعادة قراءة التاريخ نفسه: أن نضع الصحابي في مكان الصحابي، والإمام في مكان الإمام، والخليفة في مكان الخليفة، والحاكم في مكان الحاكم، ونفصل بين الوحي وبين التجربة البشرية التي ادعت تمثيله.
فالإسلام شيء، وتاريخ المسلمين شيء آخر.
والقرآن شيء، وما كتبه المؤرخون عن المسلمين شيء آخر.
والإيمان قيمة روحية وأخلاقية، أما الدولة فهي مؤسسة بشرية تحتاج إلى عدل وعلم ومؤسسات ومحاسبة وقانون.
ولعل أخطر ما فعله المسلمون بتاريخهم أنهم اختلفوا حول الماضي حتى كاد الماضي يمنعهم من صناعة المستقبل.
لقد سقطت بغداد، ثم قامت القاهرة، وسقطت دول، ثم ظهرت دول، وتغيرت موازين القوى مرارًا. وهذا يعني أن الأمة التي فقدت موقعها مرة تستطيع أن تستعيده، إذا امتلكت شروط الاستعادة.
لكن الشرط الأول ليس أن يتفق المسلمون على كل تفاصيل الماضي.
بل أن يتفقوا على ألا يجعلوا الماضي سجنًا للمستقبل.
فإذا كان الإسلام قد استطاع في قرنه الأول أن ينقل أمة من هامش التاريخ إلى قلبه، فإن السؤال في القرن الحادي والعشرين ليس: لماذا كان أجدادنا أقوياء ثم أصبحنا ضعفاء؟
السؤال الأعمق هو:
هل نستطيع أن نعيد اكتشاف الإنسان المسلم الذي يجعل من الإيمان علمًا، ومن العلم قوة، ومن القوة عدلًا، ومن العدل دولة، ومن الدولة أمة لا تحتاج إلى استعباد أخيها كي تنتصر على عدوها؟
هناك، ربما، يبدأ الفصل الجديد من التاريخ .



