قراءة في تحوّل الدولة، التعدد، والحرب في زمن انهيار النماذج
حين تفشل الدولة في فهم نفسها: الكرد كمرآة للأزمة العميقة
لا تكشف القضية الكردية حدود الجغرافيا السياسية فقط، بل تكشف حدود الفكرة التي قامت عليها هذه الجغرافيا. وهي، في هذا المعنى، لا تفضح خللًا في توزيع الأرض أو السلطة وحسب، بل تفضح عطبًا أعمق في تعريف الدولة لنفسها، وفي تصورها لمجتمعها، وفي طريقتها في ممارسة الحكم . فحين تعجز الدولة عن فهم مكوّن أساسي داخلها إلا بوصفه خطرًا أمنيًا أو عبئًا سياسيًا، فإن المشكلة لا تكون في هذا المكوّن وحده ، بل في قدرة الدولة نفسها على إنتاج معنى جامع لوجودها.
لقد نشأت الدولة الحديثة في الشرق الأوسط داخل شروط غير مكتملة. لم تكن ثمرة تطور اجتماعي داخلي متدرج، بل نتيجة تداخل بين انهيار إمبراطوري قديم، وحدود رُسمت في سياقات دولية، ونخب حاولت بناء كيانات سياسية من أعلى، قبل أن تُحسم من أسفل أسئلة الهوية والتمثيل والشرعية. وفي ظل هذه الشروط، بدا أن التعدد، بدل أن يكون مادة لتأسيس عقد سياسي جديد، تحوّل إلى معضلة مؤجّلة، أو إلى مصدر قلق دائم، أو إلى مشكلة ينبغي التعامل معها إداريًا أو أمنيًا لا سياسيًا.
ومنذ اللحظة الأولى، كانت المسألة الكردية تجسيدًا واضحًا لهذا الخلل التأسيسي. فالأكراد لم يكونوا جماعة وافدة على خرائط المنطقة، ولا طارئين على تاريخها، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل دول لم تنظر إليهم بوصفهم شركاء متساوين في تعريف المجال الوطني، بل بوصفهم مسألة يجب تدبيرها. لم يُمنحوا موقعًا طبيعيًا داخل العقد السياسي، لأن العقد نفسه لم يُبنَ أصلًا على استيعاب التعدد، بل على مركزيات صلبة كانت ترى في كل اختلاف احتمالًا للتمرد أو التفتت.
وهكذا، لم تكن الأزمة في غياب حل سياسي فحسب، بل في غياب نموذج دولة قادر على إنتاج هذا الحل. وهذا ما يجعل القضية الكردية مختلفة عن كثير من الأزمات الأخرى . فهي لا تعود إلى تعثّر تفاوض أو تأجيل استحقاق أو سوء إدارة ظرفية، بل إلى بنية أعمق في تصور الدولة للسلطة ولمجالها البشري. فالدولة التي ترى في المجتمع موضوعًا للضبط، لا مجالًا للمشاركة، لا تستطيع أن تعترف بالتعدد إلا على نحو هش أو مشروط أو مؤقت. وإذا فعلت، فإن اعترافها يبقى معرّضًا للتراجع عند أول تبدّل في ميزان القوى أو في مزاج السلطة.
وفي هذا السياق، يكتسب التحوّل الفكري الذي جرى داخل الحركة الكردية أهمية استثنائية، لأنه لم يكن مجرد انتقال من مطلب إلى مطلب، بل مراجعة لطبيعة السؤال نفسه. فلم يعد الموضوع محصورًا في السعي إلى دولة مستقلة بوصفها أفقًا نهائيًا، بل انفتح على احتمال آخر: احتمال إعادة تعريف الدولة من الداخل، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، بين السلطة والمجتمع، على نحو أكثر ديمقراطية ومرونة. وهنا تبرز مجددًا أهمية فكر أوجلان، لا باعتباره مرافعة نظرية مجرّدة، بل بوصفه محاولة لالتقاط المأزق العميق الذي تقع فيه الدولة الشرق أوسطية كلما واجهت التعدد بمنطق السيطرة وحده.
فالانتقال من أفق الدولة القومية إلى أفق الحداثة الديمقراطية ليس مجرّد تعديل في اللغة السياسية، بل هو مراجعة في بنية التصور نفسه. معنى ذلك أن القضية الكردية لم تعد تُقرأ بوصفها بحثًا عن حدود جديدة فقط، بل بوصفها بحثًا عن صيغة حكم جديدة. صيغة لا تُلغى فيها الهوية، لكنها لا تتحوّل أيضًا إلى مبرر لانفصال دائم؛ صيغة تُعاد فيها السياسة إلى المجتمع، وتُخفَّف فيها صلابة المركز من دون أن ينهار المجال العام إلى فوضى.
ومن هنا، يبدو هذا التحول أكثر نضجًا من مجرد التشبث بأفق قومي كلاسيكي أثبت الواقع، مرة بعد أخرى، حدود إمكان تحققه. فالمصلحة الكردية، في هذا المستوى، لا تكمن فقط في المطالبة باعتراف قانوني أو إقليمي، بل في الوصول إلى نموذج سياسي يُخرجها من موقعها التاريخي بوصفها ملفًا أمنيًا، ويمنحها مكانها بوصفها مكوّنًا سياسيًا كاملًا داخل بنية حديثة للحكم. وهذا ما يجعل التعاطف مع هذا المسار تعاطفًا مع أفق سياسي جديد، لا مع خطاب احتجاجي فحسب.
غير أن المشكلة هنا لا تكمن في ضعف الفكرة، بل في البيئة التي تستقبلها. فالدول، بما هي عليه من مركزيات وهواجس وميراث سياسي، لا تزال تنظر إلى اللامركزية العميقة بوصفها خطرًا على وحدتها، لا سبيلًا إلى تجديدها. وهي، في ذلك، تكشف مرة أخرى عجزها عن فهم نفسها. لأنها تفترض أن صلابتها هي شرط بقائها، فيما تكشف الوقائع أن هذه الصلابة نفسها هي ما يُنتج هشاشتها. فالدولة التي لا تستطيع التخفف من مركزيتها القسرية، ولا الانفتاح على تنظيم عقلاني للتعدد، تتحول تدريجيًا إلى سلطة خائفة، والخوف، في السياسة، قلّما ينتج استقرارًا طويلًا.
وفي المقابل، لا يبدو النظام الإقليمي والدولي معنيًا فعليًا برعاية تحوّل من هذا النوع. فالقوى الكبرى تجد، في كثير من الأحيان، أن إدارة التناقضات أكثر فائدة من حلّها، وأن إبقاء المسائل الكبرى في حالة بينية يمنحها قدرة أوسع على التدخل وإعادة الضبط. وهكذا تبقى الأفكار المتقدمة متقدمة على واقعها، لا لأنها مثالية أكثر من اللازم، بل لأن البيئة المحيطة لا تزال مصلحيًا وأمنيًا أسيرة أشكال قديمة من الحكم ومن الصراع.
ولعل هذا ما يجعل الحالة الكردية، رغم خصوصيتها، تكشف ما هو أبعد منها. فهي لا تبيّن فقط عجز الدولة عن استيعاب الأكراد، بل عجزها عن استيعاب نفسها. عجزها عن أن تفهم أن المجتمع لا يُختزل في وحدة متخيّلة تصوغها السلطة من فوق، وأن الهوية لا تُدار بقرارات أمنية، وأن الاستقرار لا يُبنى بالإنكار، بل بالاعتراف والتنظيم والمشاركة. وحين تعجز الدولة عن رؤية هذه الحقائق، فإنها لا تضع المختلف على هامشها فحسب، بل تضع نفسها أيضًا على هامش المستقبل.
وفي العراق، مثلًا، تكشف العلاقة بين المركز وإقليم كردستان حدود هذا العجز على نحو ساطع. فالإطار الدستوري يعترف بالفيدرالية، لكن الممارسة السياسية لا تزال تنظر إليها بمنطق الشك والشدّ والجذب. فلا المركز استطاع أن يحوّل الاعتراف إلى شراكة مستقرة، ولا الإقليم استطاع أن يترجم تقدمه الإداري إلى سيادة سياسية كاملة. وهكذا تبقى الصيغة قائمة، لكنها غير مطمئنة؛ موجودة، لكنها غير محسومة. وهذا الوضع الوسيط ليس استثناءً، بل يكاد يكون التعبير الأدق عن الحالة الشرق أوسطية كلها: الاعتراف موجود نظريًا، لكنه معلق عمليًا، لأن بنية الدولة لم تتغير بالقدر الكافي.
وهنا تتبدى القضية الكردية بوصفها عقدة تختزن في داخلها أسئلة أوسع من حدودها المباشرة. فهي تطرح سؤال الدولة حين تعجز عن استيعاب مواطنيها. وتطرح سؤال الهوية حين تُدفع إلى التصلب تحت ضغط الإنكار. وتطرح سؤال السلطة حين تتحول من أداة تنظيم إلى جهاز خوف. ولذلك، فإن الخيبات التي طبعت هذه القضية لا يمكن ردّها فقط إلى فشل سياسي أو عسكري، بل إلى منطق أشمل يقوم على إدارة الأزمات بدل حلّها، وعلى إبقاء التناقضات حيّة لأنها تخدم توازنات قائمة.
ولا يكون السؤال، عندئذ، متى تُحلّ القضية الكردية، بل متى تتغير الشروط التي تجعلها قابلة للحل. متى تستطيع الدولة في هذه المنطقة أن تعيد تعريف نفسها لا كسلطة فوق المجتمع، بل كإطار جامع له؟ متى تعترف بتعدديتها من دون أن تراها تهديدًا؟ ومتى تنتقل من تنظيم الخوف إلى تنظيم المشاركة؟
إلى أن يحدث ذلك، ستبقى كل المبادرات، حتى الأكثر تقدمًا منها، معلّقة بين طموح النظرية وصلابة الواقع. وستبقى القضية الكردية، أكثر من أي قضية أخرى، شاهدة على الفجوة العميقة بين ما يمكن تصوره بوصفه ممكنًا سياسيًا، وما تسمح به البنية الراهنة للدولة في الشرق الأوسط. فهي ليست فقط قضية لم تُحل، بل سؤال مفتوح يكشف عجز الدولة عن فهم نفسها قبل عجزها عن فهم غيرها.
وحين تعجز الدولة عن فهم نفسها، لا يبقى الصراع سياسيًا فقط، بل يتحوّل إلى صراع على شكل السلطة ذاته، أي إلى حرب من نوع مختلف.
د. بشير عصمت

















Discussion about this post