معادلة القوة قبل الطاولة، دروس من طهران وبيروت

 

 

في السياسة، لا يُفرض وقف إطلاق النار بالأمنيات، ولا يُنتزع الأنسحاب من أرضك بالتوسل. التجربتان الإيرانية واللبنانية خلال مواجهاتهما مع العدو الإسرائيلي تقدمان مقاربة معاكسة تماماً، ونتيجتان مختلفتان.

النهج الإيراني يقوم على قاعدة بسيطة، لا جلوس على طاولة إلا بعد فرض معادلة على الأرض. عندما أرادت إيران وقف إطلاق النار وانسحاب العدو من لبنان في مراحل سابقة، لم تذهب لتطلب ذلك. فرضته عبر قوة المواجهة الميدانية. المقاومة في الخيام ودبين والطيبة وكفركلا وعلي الطاهر وباقي قرى الجنوب حوّلت كل شبر إلى كلفة باهظة. الإعجازات الميدانية هناك هي التي جعلت العدو يبحث عن مخارج، لا عن شروط.

حتى في شكل التفاوض، الرسائل الرمزية جزء من القوة. رفض رئيس الوفد الإيراني التقاط صورة مع رئيس الوفد الأميركي ليس عناداً بروتوكولياً، بل إعلان أن التفاوض لا يعني التسليم بالندية المصطنعة. الصورة أعتراف، والأعتراف تنازل. فتم رفضه قبل بدء الكلام. النتيجة، إيران تفاوض وهي تفرض وقف إطلاق النار، وتشترط الأنسحاب، لأنها دخلت المفاوضات من موقع مَن لم يُهزم.

في المقابل، أختار المسار اللبناني الرسمي طريق (التنازل المسبق) . الهرولة نحو التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي تمت دون رصيد ميداني يوازي طاولة المفاوضات. الذهاب إلى النقاش قبل ترسيخ قوة الردع جعل الوفد اللبناني يطلب وقف إطلاق النار بدل أن يفرضه.

والنتيجة العملية واضحة. رغم كل جولات التفاوض والتنازلات الشكلية، لم يستطع لبنان إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، ولا بأحترام السيادة على الأرض. كلما غابت قوة المواجهة، غابت هيبة الموقف التفاوضي. العدو لا ينسحب لأنه وُعد، بل لأنه أُجبر.

التجربة من الخيام إلى علي الطاهر تقول إن( قوة المواجهة) هي التي تكتب بنود الأتفاق. المقاومة فرضت على العدو أن يحسب حساب كل قرية جنوبية قبل أن يفكر بالتقدم. هذا هو الرصيد الذي جعل إيران تتحدث من موقع المملي لا المستجدي، وترفض حتى صورة تذكارية لأنها تعرف أن الصورة تساوي أعترافاً.

أما التنازل والهرولة للتفاوض المباشر من قبل السلطة اللبنانية المبتورة دون ظهر ميداني، فالنتيجة هي طاولة بلا قرار، وطلبات بلا إلزام. وقف إطلاق النار لا يُمنح، يُنتزع. والأنسحاب لا يُطلب، يُفرض.

مَن يريد سيادة، عليه أولاً أن يصنع معادلة ردع.أن يتمسك بأوراق القوة وأن يكون عنوان ذهابه لا نساوم على تضحيات مَن حرر الأرض. وبعدها فقط، يذهب للتفاوض.

 

نضال عيسى

شارك