المفاوضات تبدأ من نقطة واحدة: لبنان أولاً

كيف تحوّل الانسحاب الإسرائيلي من “رفض قاطع” إلى “مسألة وقت”

 

في بورغنشتوك، اشترط الوفد الإيراني خروج الإعلام قبل دخوله القاعة؛ وفي الجنوب، ما زال علي الطاهر عصياً على الاحتلال. كيف تلتقي هاتان الصورت لترسما مصير الانسحاب؟

 

المقدمة

 

حين يشترط وفد بحجم إيران أن يُخلي الإعلام العالمي القاعة قبل أن يدخلها، فهذا ليس بروتوكولاً عابراً ، هذا تأكيد عملي بأن من يمسك بزمام الجلسة ليس من استضافها. واليوم، بينما كانت كاميرات بورغنشتوك تُطفأ بانتظار دخول عراقجي وقاليباف، كان مراسل الميادين يؤكد من الميدان أن مرتفع علي الطاهر “لا يزال عصياً” على قوات الاحتلال. هاتان الصورتان، رغم بعدهما الجغرافي، تحكيان القصة نفسها: من يفرض الشروط على الطاولة هو نفسه من يفرضها على الأرض.

 

أولاً: لبنان ليس بنداً في الأجندة، بل هو الأجندة

 

النائب حسن فضل الله كان دقيقاً حين قال إن “المفاوضات في سويسرا تبدأ من أول نقطة وهي وقف العدوان على لبنان”. هذا ليس تفاؤلاً سياسياً، بل وصف حرفي لما أبلغته طهران لشركائها: لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار، ولا اتفاق نهائي قبل انسحاب جيش العدو. وحين تضع دولة بحجم إيران ملفها النووي ومصالحها الاقتصادية الكبرى رهينة لبند لبناني، فهي لا تقدّم تنازلاً — هي تكشف للعالم أن “وحدة الساحات” انتقلت من شعار إلى بند تفاوضي مُلزم.

 

ثانياً: الاعتراف الإسرائيلي الذي يفضح المأزق

 

صحيفة يسرائيل هيوم نقلت عن مصدر مقرّب من البيت الأبيض أن مطالبة واشنطن لإسرائيل بسحب جيشها من جنوب لبنان “مسألة وقت لا أكثر”. هذا اعتراف من داخل المعسكر الحليف نفسه، لا من خصم. ويتقاطع مع ما كشفه يائير غولان، زعيم المعارضة، من أن الجيش بلا أفق سياسي “يُترك جنوده لمصيرهم” — أي أن من يطالب اليوم بالبقاء في الجنوب لا يقدّم خطة انتصار، بل يُطيل أمد نزيف معلوم النتيجة.

 

ثالثاً: الميدان هو الضامن الحقيقي للنص الدبلوماسي

 

لو لم يصمد علي الطاهر، لكانت طهران اليوم تتفاوض من موقع أضعف. لكن الواقع أن قوة الكوماندوز النخبوية، وكتيبة الدروع 52 بكامل طاقمها القيادي، تكسرت أمام تلة واحدة. هذا الثبات الميداني هو ما يمنح فضل الله الحق في القول: “من يحمي بيروت اليوم هي الديبلوماسية المستندة إلى الصواريخ الإيرانية، لا دبلوماسية التسكع على أبواب الإدارة الأميركية”. فبدون كمين كفرتبنيت، لم تكن مذكرة التفاهم لتتضمن البند اللبناني بهذا الوضوح أصلاً.

 

رابعاً: تهديدات ترامب ، ضعف يتنكر بصوت مرتفع

 

تصريحات ترامب المتلاحقة لفوكس نيوز ، التهديد بإغلاق طريق العودة على المفاوضين الإيرانيين، اقتراح أن تصبح أمريكا “الملاك الحارس” لمضيق هرمز

وتأخذ 20% من عائداته ، ليست لغة منتصر واثق، بل محاولة لانتزاع مكاسب اقتصادية من معركة خسرها سياسياً. وحين تُسأل إدارته مباشرة عما “يشبه الإبادة الجماعية” في لبنان، يكون الجواب المراوغ لفانس اعترافاً ضمنياً أبلغ من أي نفي.

 

الخاتمة

 

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لم يعد سؤال “هل” بل “متى” ، وهذا التحول بحد ذاته انتصار استراتيجي موثق بشهادة الإعلام الإسرائيلي نفسه قبل المقاوم. لبنان الذي وُضع كبند أول في مذكرة دولية كبرى، لم يصل إلى هذا الموقع بالصدفة، بل بثمن دفعه أهل الجنوب والبقاع دماً وصموداً ميدانياً لم ينكسر.

 

..حين يفتتح وفد دولة عظمى مفاوضاته باشتراط حماية سيادة قراره من عدسات الإعلام، فهو يفعل ما تفعله المقاومة في الميدان: لا يُسمح للخصم بأن يُملي الشروط. وما تحقق على الطاولة اليوم وُلِد أولاً عند سفوح علي الطاهر.

 

قولوا يا رب.

 

 

د وسيم جابر
وسيم جابر
شارك