
سورية الجديدة وبناء الدولة أولًا
كتب: سعيد فارس السعيد
تُطلّ بين الحين والآخر بعض الأصوات الإعلامية والسياسية البعيدة عن الواقعية السياسية، كما ترتفع أصوات بعض المتشددين الذين تحكمهم خلفيات التعصب والانقسامات الطائفية، مطالبةً بأن تتدخل سورية الجديدة في الشأن اللبناني أو أن تعود إلى سياسات ومقاربات أثبت التاريخ فشلها وكلفتها الباهظة على الجميع.
غير أن هذه الدعوات تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن سورية اليوم تقف أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء في تاريخها الحديث.
فبعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي والتفكك المؤسسي، أصبحت الأولوية الوطنية السورية هي إعادة بناء الدولة، وترميم الاقتصاد، وإحياء المؤسسات، وعودة الاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة ملايين السوريين إلى حياة كريمة وآمنة.
إن سورية الجديدة ليست بحاجة إلى فتح جبهات سياسية أو الدخول في صراعات الآخرين، بل تحتاج إلى توظيف كل طاقاتها وإمكاناتها في مشروع النهوض الوطني الشامل.
ومن هنا فإن احترام سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني يجب أن يكون قاعدة ثابتة في العلاقات بين البلدين، تمامًا كما يتطلع السوريون إلى أن تُحترم سيادة سورية واستقلال قرارها الوطني.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة بسبب التدخلات المتبادلة والصراعات المفتوحة، وحان الوقت للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الوصاية أو التدخل أو الاستثمار في الانقسامات.
إن قوة سورية المستقبل لن تُقاس بمدى تدخلها في شؤون الآخرين، بل بقدرتها على بناء دولة مستقرة ومزدهرة وعادلة، تكون مصدر خير ومحبة واستقرار لشعبها أولًا، ولأشقائها العرب والمسلمين، وللعالم أجمع.
فسورية التي أنهكتها الحروب تحتاج اليوم إلى المدارس والمصانع والجامعات والمشافي وفرص العمل أكثر مما تحتاج إلى أي صراع جديد.
ولهذا فإن الطريق نحو استعادة الدور السوري الإقليمي يبدأ من دمشق، ومن إعادة بناء الإنسان والدولة والمؤسسات، لا من الانخراط في أزمات الآخرين.
فسورية الجديدة تريد أن تكون قوة بناء لا قوة صراع، وقوة استقرار لا قوة اضطراب، وقوة خير ومحبة لكل شعوب المنطقة.
سعيد فارس السعيد
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


