كتب سعيد فارس السعيد :

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة تاريخية من التحولات السياسية والاستراتيجية العميقة، فرضتها الحروب والصراعات والتفاهمات الإقليمية والدولية المتسارعة.

 

وفي خضم هذه التحولات، برزت مجموعة من الحقائق التي أكدت أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتحققا عبر الحروب المفتوحة أو مشاريع الهيمنة والتوسع، بل من خلال الحوار والتفاهم واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.

 

لقد أكدت التطورات الأخيرة أن الصراعات، مهما بلغت حدتها، تنتهي في النهاية إلى طاولات التفاوض، وأن القوة العسكرية قادرة على تغيير بعض الوقائع، لكنها عاجزة عن صناعة سلام دائم أو استقرار مستدام.

 

وفي هذا السياق، برزت أهمية التفاهمات الأمريكية – الإيرانية باعتبارها فرصة محتملة لخفض التوترات الإقليمية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على إدارة الخلافات بالحوار بدل المواجهة، وعلى المصالح المشتركة بدل الصراعات المفتوحة.

 

كما أكدت الأحداث أن أمن المنطقة، وأمن الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، يجب أن يكون مسؤولية دول المنطقة وشعوبها أولاً، مع الحفاظ على مصالح المجتمع الدولي وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية وفق القوانين والأعراف الدولية.

 

أما في لبنان، فإنه وبفضل دفاع وصمود وتضحيات المقاومة فإن تحقيق الاستقرار الحقيقي يبقى مرتبطاً بتثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وإطلاق حوار وطني جامع يرسخ الاستقرار ويحمي السيادة الوطنية ويفتح الطريق أمام إعادة الإعمار والتنمية.

 

كما أثبتت التجارب أن احترام الشعارات السياسية لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتحويلها إلى سياسات عملية تنعكس أمناً واستقراراً وكرامةً على حياة الشعوب.

 

إن المرحلة التي أعقبت الحرب أثبتت أن منطق القوة العسكرية وحده عاجز عن صناعة الاستقرار الدائم، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تفرض على جميع الأطراف إعادة النظر في سياسات الصراع المفتوح والانتقال إلى سياسات التفاهم والتعاون.

 

فالأمن الحقيقي لا يتحقق بانتصار طرف وخسارة طرف آخر، بل بقيام منظومة إقليمية متوازنة تحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب ومصالح الجميع.

 

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من ساحات المواجهة إلى فضاءات التعاون والتنمية، ومن منطق المحاور المتصارعة إلى منطق الشراكات المتوازنة.

 

ويبقى الرهان على وعي الشعوب في نبذ جميع أشكال التطرف والتعصب الديني والطائفي والقبلي، والدفاع عن أوطانها وثرواتها ومقدساتها، والحفاظ على أمنها الاجتماعي والوطني، وعلى حكمة قادة المنطقة في تحويل هذه الفرصة إلى واقع سياسي واقتصادي وأمني جديد يؤسس لشرق أكثر استقراراً وعدالةً وازدهاراً.

 

إن بناء هذا الشرق الجديد لا يكون بالغلبة أو الإقصاء، ولا بفرض الإرادات بالقوة، بل بإرادة مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والتكامل بين الدول والشعوب، وعلى الإيمان بأن التنمية والعدالة والسلام هي الأساس الحقيقي للأمن والاستقرار.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

 

“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

شارك