وقّع أيتام أمريكا في لبنان بأسمائنا على ما عجز عنه نتنياهو بجيشه: اتفاق واشنطن خيانة دستورية موثقة

 

 

حين تمنح السلطة للعدو في المفاوضات ما عجزت عن انتزاعه بمئة يوم من الحرب، فهذا ليس ضعفاً في التفاوض ، هذا تعريف الخيانة الوطنية بحذافيرها

 

#المقدمة

 

لم يكن نتنياهو بحاجة إلى كمين آخر في كفرتبنيت. كان بحاجة إلى وفد لبناني يصل إلى واشنطن، يجلس في مقر الخارجية الأمريكية، ويوقّع على وثيقة تمنحه ما رفضته صخرة علي الطاهر وما أحرقته صواريخ المقاومة طوال مئة وتسعة عشر يوماً. وها هو ذاك الوفد قد أنجز مهمته. القناة 13 العبرية احتفلت: “الاتفاق إنجاز كبير لإسرائيل، يحيّد عملياً المطلب الإيراني بانسحاب كامل.” ونتنياهو قال بفرح لم يُخفه: “ضربة قوية لإيران التي حاولت فرض انسحاب أحادي.” من يحتفل العدو بهزيمته أم بانتصاره؟

 

#أولاً: الوثيقة التي تُدين أصحابها

 

ما وُقِّع في واشنطن ليس اتفاقاً للسلام بل شهادة ميلاد “شرعية الاحتلال”: إسرائيل تبقى في “المنطقة الأمنية” ما دام حزب الله مسلحاً ، أي إلى الأبد. “حرية العمل العسكري الكاملة” في الجنوب محفوظة. “منطقتان تجريبيتان” لنزع السلاح تُوثّق أن الانسحاب مشروط بتجريد المقاومة. هذه ليست “مناطق تجريبية” ، هذا مخطط أمريكي لتحويل الجنوب إلى منطقة عازلة تجلس فوق ثلاثة بلوكات نفطية (8 و9 و10) تُقدّر احتياطياتها بمئات مليارات الدولارات. من يحمي “أمن مستعمرات الشمال” يحمي في الواقع حق السيطرة على مياه لبنان الاقتصادية وثرواته النفطية ، وهذا بالضبط ما رُسم في خرائط كوشنر ونتنياهو عام 2019 تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”. الجنوب لم يكن يوماً مجرد أرض — كان بوابة للنفط ولم يُقاتل الاحتلال كل هذا القتال إلا لأن ما تحت أرضه يساوي أكثر بكثير من أي “حزام أمني”.

 

#ثانياً: أدلة التواطؤ التي لا تحتاج إلى تأويل

 

الوقيعة الأولى: النائب حسن فضل الله نفى وجود أي تنسيق بين الوفد اللبناني وحزب الله (“عارٍ عن الصحة جملةً وتفصيلاً”) ، أي أن أكبر قوة شعبية في لبنان، التي دفعت آلاف الشهداء دفاعاً عن سيادته، لم تُستشر في تقرير مصيره.

 

الوقيعة الثانية: كتلة الوفاء أصدرت بياناً يُذكّر بأن السلطة “لم تُقدّم حتى اليوم شكوى واحدة لمجلس الأمن ضد الاعتداءات الإسرائيلية منذ 2023” ، لكنها سارعت لمفاوضات مباشرة مع من قتل 4243 شهيداً وجرح 12186 لبنانياً.

 

الوقيعة الثالثة: شارل جبور من “القوات اللبنانية” طالب علناً بـ”السلاح أولاً مقابل الانسحاب” ، أي ان طرفاً لبنانياً يُنسّق علناً مع أهداف نتنياهو العلنية نفسها. هذا ليس موقفاً سياسياً، هذا ما يُعرّفه القانون الدولي بالتواطؤ مع العدو.

 

الوقيعة الرابعة: ترامب نفسه كشف أن النفط هو محور الاهتمام ، “لن تستخدم إيران عائداتها لإعادة بناء جيشها، بل لشراء الغذاء من مزارعينا.” هذه جملة واحدة تكشف المنطق الاقتصادي الكامل: أن يُحوّل النفط الإيراني واللبناني إلى رافد للاقتصاد الأمريكي، لا إلى سيادة إقليمية.

 

#ثالثاً: ما يجب أن تفعله المقاومة وبيئتها

 

المقاومة تعرف ما تفعله. فضل الله قالها بوضوح: “ما جرى في واشنطن هو محاولة لتعطيل مسار إسلام آباد.” وإيران ثابتة: “لن نوقّع أي اتفاق قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل.” والميدان لم يتغير: علي الطاهر لا يزال صامداً وادعاء “السيطرة عليه” نفاه الميدان فور إطلاقه.

 

لبيئة المقاومة الشعبية: ما تشعرون به من خذلان مشروع، لكن لا تسمحوا له أن يتحوّل إلى يأس. هذا الاتفاق لا يساوي الحبر الذي كُتب به ، لأن إيران لا تعترف به، والمقاومة لا تُلزمها وثيقة وقّعها من لا يمثلها، والميدان هو الحَكَم الأخير لا أروقة الخارجية الأمريكية ولا أيتام امريكا في لبنان.

 

#الخاتمة

 

هذا الاتفاق في أحسن أحواله ورقة بنظري الشخصي “تساوي ورقة مرحاض”، وفي أسوأها ذريعة للاحتلال المستمر. مشروع كوشنر نفسه خُطِّط له عام 2019 وماتت صفحاته في أدراج التاريخ. الجنوب اللبناني منذ عام 2000 يحمل نمطاً ثابتاً: كل “اتفاق” أُريد به تقييد المقاومة انتهى بانسحاب إسرائيلي مهين. فالحكم الأخير ليس في واشنطن، بل في كفرتبنيت وعلي الطاهر وكل تلة لم تستطع دبابة الكتيبة 52 أن تتسلقها.

 

..وقّعوا بأسمائنا، لكنهم لم يستطيعوا التوقيع بدمائنا ، والدم وحده هو ما يرسم الخرائط في هذه المنطقة. من خاب مشروعه بالقوة، سيخوب بالورق. والجنوب الذي علّم العالم أن الاحتلال لا يدوم، لن يتعلّم اليوم أن يقرأ الأمور بالمقلوب.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر

شارك