
العوامل الجيوسياسية تتفوق على العسكرية في تقييم الحرب على إيران..
في كل الصراعات العسكرية، لا يمكن أن يتم تقييم الأمور من خلال القوة العسكرية، أو ما تلحقه الحرب من خسائر بشرية، أو معدات عسكرية، ومنشآت حيوية فقط، وإنما هناك عوامل تقييم جيوسياسية، يتحدد تأثيرها على طرفي الصراع، بحسب طبيعة المعركة، وظروفها وأبعادها الإقليمية والدولية.
فبريطانية لم تخسر حرب السويس عام 1956، عسكرياً، لكن هذه الحرب أنهت دورها كإمبراطورية عظمى، كانت تشكل القوة الأولى في العالم، وانتقال هذه المكانة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الحرب العالمية الثانية، خسر الاتحاد السوفييتي 22 مليون قتيل، وتدمرت معظم المدن الرئيسية، وعصبها الحيوي والاقتصادي، لكن هذا لم يمنعهم من الانتصار، والوصول إلى العاصمة الألمانية برلين، وتكريس الاتحاد السوفييتي، القوة العظمى الثانية في العالم، حتى انهياره في العام 1990، لعوامل داخلية أكثر منها خارجية.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من الحروب التي يتغلب فيها العامل الجيوسياسي على العسكري، في تقييم مجريات الحرب ونتائجها.
صحيح أن إيران تلقت ضربات عنيفة، أدت إلى خسائر كبيرة، شملت عدداً كبيراً من القيادات السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي، كما تلقت خسائر كبيرة، في المعدات العسكرية والمدنية، والمنشآت الحيوية، قبل أن تلتقط أنفاسها، وتبدأ بتوجيه ضربات للقواعد والمواقع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وبإغلاق مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم شرايين توريد النفط، والغاز، والسماد، وسلاسل التوريد العالمية، لتبدأ الحرب تأخذ مساراتها، التي تحدد عوامل ومعايير الربح والخسارة فيها.
أدركت إيران، أهمية العوامل الجيوسياسية في مسار الحرب، وبأنها تتفوق في قوتها وتأثيرها على العوامل العسكرية، وتأثيرها يزداد كلما طالت مدة الحرب، وأنها قادرة على تقليص وتعويض فارق القوة العسكرية، والذي يميل بقوة لصالح الأمريكي والإسرائيلي.
وثمة ملاحظة هامة، وهي أن إيران، تمتلك عوامل قوة خاصة بها، تضاف إلى العوامل الجيوسياسية التقليدية، مستمدة من تاريخها وإرثها العريق، والممتد عبر آلاف السنين، والقائمة على عدة أسس:
** جغرافيتها الواسعة والمتنوعة، والتي سمحت لها بتحصين وتوزيع قوتها العسكرية والاستراتيجية، وإبعادها عن متناول يد العدو.
** وقوعها على مضيق هرمز، وامتلاكها القدرة على إغلاق المضيق، وأيضاً إغلاق مضيق باب المندب عند الحاجة.
** ترابط المصالح الإيرانية، مع مصالح روسيا والأهم الصين، التي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة السياسات والاقتصاديات العالمية، وتدرك بأنها المقصودة في الحرب، وبشكل لا يقل عن إيران.
** ترابط مصالح إيران (مسكوت عنه) مع مصالح قوى إقليمية كبرى، تنافسها على زعامة وقيادة المنطقة، مثل تركيا والسعودية ومصر والباكستان، والتي تدرك بأنها مستهدفة من المشروع الإسرائيلي، وبأنها ستكون الأهداف التالية تباعاً، في حال انكسار إيران، مما فرض التقاء مصالح الخصوم، وتوافقها على أهمية بقاء وصمود إيران.
** مرونة وحيوية نظامها السياسي، القائم على المؤسسات والانتخابات، والذي سمح لها بترميم الخسائر البشرية الفادحة، التي تلقتها في بداية الحرب، وبدون أن يتأثر النظام، ومسار الدولة، والتصدي للعدوان.
** ميراثها التاريخي والديني والعقائدي، وأهمها عقيدة الاستشهاد، والتي تسمح لها بتقبل الخسائر البشرية وتبريرها وتعويضها.
** امتلاكها لسلاح “الجنرال الزمن” الذي عمل لصالح إيران، وكان له دور أساسي في السعي الأمريكي لوقف القتال.
شكلت هذه الأسس، والعوامل الجيوسياسية مجتمعة، قوة هائلة لإيران، تفوقت فيها على العوامل العسكرية، التي تميل لصالح واشنطن وتل أبيب، وانتهت بإجبار الولايات المتحدة الأمريكية، على القبول باتفاق لوقف القتال، يحقق لإيران معظم الشروط الإيرانية، ويمنحها عوامل قوة إضافية، لم تكن تحلم بها قبل العدوان أهمها:
** رفع الحصار والعقوبات، والذي يسمح للشركات والمؤسسات الاستثمارية، بالدخول إلى الأسواق الإيرانية، وبدون التعرض للعقوبات الأمريكية.
** الحصول على ما بين 20 إلى 30 مليار دولار، خلال الأيام الستين التي حددها الاتفاق، وهي جزء من أموالها المجمدة، بموجب العقوبات الأمريكية.
** تخصيص صندوق تعويض عن الخسائر، وإعادة البناء، بمبالغ تصل إلى 300 مليار دولار على الأقل.
** استبعاد البرنامج الصاروخي من المفاوضات.
** أما البرنامج النووي الإيراني، فأي اتفاق جديد، لن يتجاوز بكل الأحوال، حدود اتفاق العام 2015، الذي تم توقيعه أيام إدارة أوباما، وألغاه ترامب في ولايته الأولى.
في شبه إجماع من المحللين الرئيسين، لوكالات الأنباء، ومحطات التلفزة، ومراكز الأبحاث الأمريكية والأوروبية، على أن الحالة التي انتهت بها الحرب، ستجعل إيران أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، وفي حال وصلت المفاوضات إلى خواتيم ناجحة، فالطريق سيصبح معبد أمام إيران، لتصبح قوة إقليمية عظمى، وسيكون لها دور رئيسي، في رسم الخرائط الجيوسياسية، وتوازنات القوة والقوة الإقليمية والدولية.
أما الموقف الإسرائيلي فيكفي متابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتعليقات المعلقين، والمسؤولين الأمنيين والعسكريين والسياسيين السابقين، لنقرأ حجم الجنون الإسرائيلي، والتوافق على نتيجة واحدة، وهي انقلاب السحر على الساحر، والذي سيكون نتنياهو أول ضحاياه، حيث تجمع استطلاعات الرأي، على أنه سيخسر الانتخابات المقبلة، التي لجأ إليها لتعزيز موقعه السياسي، عندما كان يتوقع أنه سيكسب الحرب، ليقضي بقية حياته في السجن، الذي سيساق إليه، فور خسارته الانتخابات.
أحمد رفعت يوسف



