
الوجه الجديد للمنطقة بعد الحرب الأميركية على إيران!
د. عدنان منصور*
من السابق لأوانه القول إنّ الحرب التي شنّها ترامب ونتنياهو على إيران أدّت الى إنهاء دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالذات في دول الخليج. إلا انّ هذه الحرب أظهرت بنتائجها من جهة صمود إيران القوي، ومن جهة أخرى حدود القوة الأميركية. نتائج حرب أتاحت لإيران ودول المنطقة الفرصة لإنتاج “شرق أوسط جديد” مستقبلاً، يختلف عما كان يشتهيه الثنائي الأميركي و”الإسرائيلي”.
رغم أنّ الولايات المتحدة لا تزال الضامن الأمني الرئيس لمعظم دول الخليج، وصاحبة النفوذ الأكبر في المؤسسات المالية والدولية، والقادرة على حشد تحالفات عسكرية واسعة خلال فترة وجيزة، إلا أنّ فشل أهداف حرب واشنطن على طهران، أدّى إلى تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض نظام إقليمي جديد كانت تتطلع اليه، يكون تحت إرادتها، بإمرة قيادتها الأحادية، وذلك بعد أن يتمّ إسقاط النظام الإيراني، مثل ما فعلت بالعراق عام 2003 وأسقطت النظام فيه.
ما كان يبتغيه ترامب من إيران هو الإطاحة بالنظام من جذوره، وإنهاء دورها ونفوذها الإقليمي، ومن ثم فرض سياسات جديدة تؤدي الى قيام “شرق أوسط جديد” على الطريقة الأميركية!
جرت رياح الحرب بما لم تشتهيه الأساطيل والمقاتلات، إذ انتهت الحرب بوقف إطلاق النار، تبعها مذكرة تفاهم فتحت الطريق أمام مفاوضات معقدة، تتناول مواضيع حساسة، كانت أساس النزاع المتجذر والمتفجر بين واشنطن وطهران. إلا أنّ استخدام القوة العسكرية الأميركية ضدّ إيران لم يحقق الأهداف السياسية لواشنطن، والتي جاهر بها علناً وبكلّ تحدّ الرئيس ترامب عند بداية الحرب.
إنّ فشل تحقيق الاهداف الأميركية في إيران، سيدفع دول المنطقة الى إيجاد توازنات خارج المعادلة الأميركية التي سادت لعقود فيها. لذلك ستجد دول وازنة نفسها في غربي آسيا، أكثر استقلالية في قراراتها الاستراتيجية، في ظلّ حضور الصين المتنامي، الاقتصادي، والدبلوماسي، والتجاري الذي بدأ يتوسّع ويتمدّد سنة بعد سنة.
فشل أميركا في تحقيق هدفها الاستراتيجي من الحرب على إيران سيدفع بدول إقليمية فاعلة ومؤثرة، كـ باكستان وإيران، وتركيا، والسعودية، ومصر، إلى ايجاد توازنات إقليمية جديدة بعيداً عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد أو الكبير”، و”المشروع الابراهيمي” بمفهومهما الأميركي – الإسرائيلي، القائمين على دمج “إسرائيل” بالكامل في المنطقة، بغية إنشاء منظومات اقتصادية وأمنية اقلينية واسعة، وتحجيم القوى المعادية لواشنطن وتل أبيب.
بعد الحرب على إيران لا بدّ لدول المنطقة من إعادة طرح قضايا حساسة عديدة، تدخل في صلب مستقبل دول المنطقة واستقرارها، منها، الدولة الفلسطينية، والأمن القومي للمنطقة، وعلاقات إيران مع دول الخليج، وتنافس أميركا والصين على المنطقة، ودور وشكل منطقة غربي آسيا مستقبلاً !
رغم أننا لن نشهد انسحاباً أميركياً شاملاً من غربي آسيا، إلا أنّ المنطقة ستشهد تراجعاً ملموساً للهيمنة الأميركية المنفردة التي دامت لعقود فيها، للانتقال بعد ذلك الى نظام إقليمي تعددي مع تأثير أميركي، لكن ليس بالحجم الذي كان سائداً من قبل، لأنّ واشنطن لم تعد اللاعب الوحيد في رسم مستقبل المنطقة، لأنّ صمود إيران في وجه الحرب عليها، والتداعيات الخطيرة التي أفرزتها الحرب على الاقتصادات والتجارة العالمية ستسرع في ظهور توازنات جديدة في غربي آسيا متعددة الأقطاب، تتقاسم مع القوى الإقليمية والدولية النفوذ، خاصة بعد أن أحبط الصمود الإيراني إنتاج شرق أوسط أميركي خالص.
الحرب الأميركية على إيران التي فشلت في تحقيق أهدافها، ستجعل دول المنطقة أكثر جرأة وتحرّراً من القبضة الأميركية، ما سيدفعها إلى البحث عن تعاون أمني مشترك، بدلاً من الاعتماد على واشنطن التي لم تنفع قواعدها العسكرية، ولا الإنفاق الهائل على التسلح لدول الخليج، من توفير الأمن والحماية لها، والحؤول دون ضرب القواعد الأميركية في بلادها. لقد تعرّضت الضمانات الأميركية لدول الخليج لأول مرة الى اهتزاز كبير، ولو انّ هذه الدول لا تزال تعتمد على القدرات الأميركية في مجالات الدفاع الجوي، والاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
إذا كانت الحرب على إيران لم تنه النفوذ الأميركي في المنطقة، إلا أنها أتاحت الفرصة لدولها كي تكون أكثر جرأة في البحث عن هامش استقلال استراتيجي أوسع، مما كان قائماً في العقود السابقة، ما يتيح لها إنشاء منظومة إقليمية للأمن الجماعي، رغم وجود عقبات وتباين في علاقات دول المنطقة. إلا أنّ الانتقال من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، الى شراكة معها يجعلها تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية والتنسيق الإقليمي.
تبقى مسألة الاستقرار والأمن القومي للمنطقة تطرح نفسها بكلّ قوة، إذ كيف يمكن لهذا الاستقرار والأمن أن يتحقق فيها، وهناك “دولة إسرائيلية نووية” تشكل خطراً على الدوام، ترفض الانضمام الى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وترفض تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآتها النووية، في الوقت الذي تطالب واشنطن ومعها الغرب إنهاء البرنامج النووي لإيران، التي لا تمتلك اصلاً السلاح النووي. كيف يمكن لسياسة المعايير المزدوجة في هذا الشان، ان توفر الأمن والسلام والاستقرار للمنطقة؟!
إنّ تجاهل الولايات المتحدة والغرب للقدرات النووية “الإسرائيلية”، يؤكد على الانحياز لجهة معينة، ما يضع نزاهة وشفافية نظام عدم الانتشار النووي على المحك، ويشكك في صدقيته وسلوكه، ويولد لدى الطرف الآخر شعوراً مقلقاً، لجهة عدم التوازن الاستراتيجي والأمني. إذ انّ وجود قدرات نووية لدى طرف واحد خارج أيّ إطار إقليمي متفق عليه، يشكل على الدوام عاملاً من عوامل التوتر وعدم الثقة لدى دول المنطقة.
لذلك يتحتم على هذه الدول، مهمة إعادة تحريك مشروع يخلي الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، إذ لا يمكن لدوله ان تشعر بالأمن في ظلّ اختلال كبير في موازين القوى العسكرية، لا سيما عندما تمتلك دولة سلاحاً نووياً، وباقي دول المنطقة ترقبه وهو يتربّص بها!
في الوقت الذي تطالب دول المنطقة بالسلام العادل قبل الأمن، نجد “إسرائيل” تطالب بالأمن قبل السلام، ما يجعل المنطقة عالقة لسنوات طويلة تبحث عن الأمن الحقيقي.
هنا تظهر ازدواجية المعايير عند الولايات المتحدة بشكل مستهجن ومرفوض، حين تغمض عينيها عن الترسانة النووية الإسرائيلية، ثم نجد رئيسها ترامب ينتفض أثناء المفاوضات مع إيران، ليطلق تهديدات عسكرية يريد منها الضغط على إيران، وتخويفها، لجعلها أكثر استعداداً لتقديم تنازلات في الملفات النووية والإقليمية، إذ يرى في التهديدات الأميركية وسيلة لتحسين شروط التفاوض معها، وإنْ لم تكن هذه الشروط بالضروزة مقدمة للحرب مجدّداً.
ما يريده ترامب من المفاوضات، هو فرض قيود إضافية على البرنامج النووي الإيراني، وتقليص نفوذ حلفاء إيران في الإقليم وتحقيق إنجاز دبلوماسي من خلال اتفاق يحدّ من التوتر، ويمنع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
ما الذي ستسفر عنه المفاوضات الدائرة حالياً بين واشنطن وطهران للمنطقة والعالم؟! أهو اتفاق جزئي أو مرحلي، أم تسوية شاملة ونهائية لكلّ الملفات، أم انهيار كامل للمفاوضات في حال إصرار ترامب على إغلاق البرنامج النووي بالكامل، وفرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم الذي ترى فيه إيران، انه مسألة سيادية يستحيل التخلي عن حقوقها فيه؟
لا يزال طريق الستين يوماً مفتوحاً أمام المفاوضات، والعالم يترقب نتائجها، وما سيسفر عنها. أهو الانفراج، أم الانفجار؟! كلا الأمرين بيد رئيس الولايات المتحدة. فأيّ خيار سيسلكه الرئيس دونالد ترامب؟
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق



