الدولة ….وصناعة الإنسان

 

الحلقة الأولى : فقر الخيال الوطني وهشاشة التأسيس

كتب رياض الفرطوسي

 

لم يكن العراق في عام 1920 مجرد خطوط جغرافية رُسمت بمبضع “سايكس بيكو”، بل كان لحظة تجلٍّ لمشروع نهضوي طموح، ونواة لدولة عصرية كان يُعول عليها لقيادة المنطقة نحو آفاق الحداثة. إلا أن هذا الحلم ما لبث أن تعثر في دروب صراعاتٍ مزمنة. وفي محاولة لتفكيك هذا التعثر، غالباً ما يتم تداول فرضية ترى في التعددية الإثنية والطائفية “لعنةً بنيوية” أعاقت بناء الدولة الوطنية. لكنَّ القراءة المتأنية للواقع تنفي ذلك؛ فالأزمة لم تكن يوماً في جوهر التنوع الاجتماعي، بل في فقرٍ مدقع أصاب “الخيال الوطني”.

 

ولفهم جذور هذا العجز، نستحضر أطروحة “بندكت أندرسون” التي تُعرف الأمة بوصفها “جماعة متخيلة”؛ حيث يتقاسم المواطنون(رغم تباعد المسافات وتعدد الانتماءات) تصوراً ذهنياً واحداً يجمعهم تحت سقف وطنٍ عادل. وحينما يضمر هذا الخيال الجماعي أو يعجز عن التطور والابتكار، يتحول الفضاء المشترك من حاضنة للتنوع إلى ساحة اشتباك؛ إذ تجد الهويات الفرعية ملاذها في الانغلاق على الذات، بدلاً من الانصهار في هوية وطنية جامعة تتسع للجميع.

 

هذا القحط في الخيال الوطني واجه منذ لحظة التأسيس مقاومة شرسة من السلطات التقليدية، كالعشائر وبعض المرجعيات والإقطاع، التي رأت في قيام دولة القانون الحديثة منافساً حقيقياً يسحب البساط من تحت نفوذها التاريخي. هذه المقاومة، التي توجت لاحقاً بانقلابات عسكرية متتالية، قادت المنطقة نحو نموذج سلطوي مرعب قائم على الاستتباع والقمع، وهو النموذج الذي بلغ ذروته الشمولية مع نظامي البعث في العراق وسوريا. إن هذه الأنظمة لم تبنِ دولة بالمعنى الفلسفي، بل أقامت سلطة استبدادية استبدلت فكرة “المواطنة المتساوية” بشبكات من “العلاقات الزبائنية”، حيث يصبح الأمان والامتياز مشروطين بالولاء الأعمى للحاكم لا بالانتماء للوطن. وفي هذه البيئة الخانقة والمشوهة للمفاهيم، تحول المذهب من ممارسة روحية دافئة إلى خندق سياسي مسلح، وتحولت القومية من ثقافة إنسانية غنية إلى أداة إقصاء وسحق متواصل.

 

يتجلى هذا الفقر في الخيال الوطني بأبشع صوره اليوم في سرديات الجيل الجديد الذي نشأ على أنقاض تفكك الدولة الوطنية بعد عام 2003؛ فهذا الجيل لم يعِ من الدولة سوى وجهها البوليسي والقمعي، ولم يقرأ التاريخ المشترك إلا عبر عدسات طائفية ضيقة نسجتها سياسات تعليمية موجهة وإعلام مسيس يبث السموم. لقد فقد الإنسان العربي الفطرة على تخيل وطن يتسع للجميع، وأصبح ينظر إلى الماضي والحاضر كمعركة سرمدية بين جماعات متحاربة لا تلتقي. وعندما تتحول الدولة في وعي المواطن من مشروع تحديثي ديمقراطي إلى مجرد وعاء نفعي لتوزيع المغانم والمحاصصة، تسقط الدولة أخلاقياً وقانونياً في العقول قبل أن تسقط عسكرياً في الشوارع. إن استمرار هذا العقم الفكري يعني بقاء المنطقة أسيرة صراعاتها الداخلية، وعاجزة عن صياغة أي أفق سياسي يليق بمستقبل شعوبها. لكن هذا الانهيار في الخيال الوطني، وتجريف الفضاء المدني، لم يترك المجتمع في فراغ؛ بل دفع بالجماهير نحو البحث عن ملاذات بديلة تحميها وتطالب بحقوقها في وجه آلة السلطة الخانقة.

 

يتبع في الحلقة الثانية: “الطائفة… وريثة الدولة الزبائنية”.

شارك