
القوقاز الغني بالنفط والأهمية الاستراتيجية : مئتا عام من الصراع بين الإمبراطوريات والقوى الكبرى (1826–2026)
يُعدّ إقليم القوقاز أحد أكثر الأقاليم تعقيداً في التاريخ السياسي الحديث، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الذي يشكل جسراً بين الشرق والغرب، وبين أوروبا وآسيا، وإنما أيضاً بسبب ثرواته الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز، وبسبب موقعه كممر استراتيجي يربط البحر الأسود ببحر قزوين ويصل بين روسيا والشرق الأوسط. ولهذا السبب ظل القوقاز، على امتداد قرون طويلة، ساحةً للصراع بين الإمبراطوريات والقوى الكبرى والإقليمية، وميداناً لتنافس المشاريع السياسية والعسكرية المتعاقبة.
فبعد الفتوحات التي قادها السلاجقة والمغول والتتار وتيمورلنك والأتراك الأوغوز والتركمان والعثمانيون وغيرهم من القوى القادمة من آسيا الوسطى، والتي استقرت لاحقاً في إيران والعراق وروسيا والقوقاز وأسست إمبراطوريات وممالك وخانات محلية، شهدت المنطقة تحولات ديموغرافية وسياسية عميقة. وفي الرواية التاريخية التي يتبناها عدد من المؤرخين الأرمن، تعرضت الشعوب الأصلية في القوقاز لموجات متكررة من الحروب والاضطهاد وفرض الضرائب الثقيلة والاستعباد، فضلاً عن عمليات التحول الديني التي مست مناطق كانت تتمتع بأغلبية مسيحية، مثل أرمينيا الشرقية وجورجيا وألبانيا القوقازية، المعروفة اليوم بأذربيجان.
ومع احتدام الصراع بين الدولة الصفوية ذات الجذور التركمانية القزلباشية والإمبراطورية العثمانية خلال القرون اللاحقة، تحولت مدن القوقاز إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين الإمبراطوريتين، الأمر الذي انعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاقتصادي للمنطقة. وفي هذا السياق برزت محاولات النخب الأرمنية للبحث عن حليف دولي قادر على موازنة النفوذ العثماني والفارسي، حيث أرسل التجار الأرمن الأثرياء في مدراس وبومباي وكلكتا، إلى جانب مليكات قره باغ الأرمن، مبعوثين إلى الإمبراطورية الروسية الصاعدة.
وقد لعب كل من جوزيف إمين وإسرائيل أوري دوراً محورياً في هذا المسار، إذ نجحا في إيصال القضية الأرمنية إلى القيصر بطرس الأكبر، ولاحقاً إلى الإمبراطورة كاترين الكبرى، في إطار مساعٍ هدفت إلى استقطاب الدعم الروسي لشعوب المنطقة في مواجهة الهيمنة العثمانية والفارسية.
بحلول عام 1826 كانت إيران خاضعة لحكم الأسرة القاجارية التركمانية الأذرية الشيعية بقيادة فتح علي شاه، بينما كانت الإمبراطورية الروسية تعمل وفق رؤية استراتيجية تهدف إلى الوصول إلى «البحار الدافئة» بعد إحكام سيطرتها على شمال وشرق البحر الأسود وبحر قزوين. وقد شكلت الحرب الروسية – الفارسية لعام 1826 نقطة تحول مفصلية في تاريخ القوقاز الحديث.
ففي تلك الحرب قاد الجنرالان الأرمنيان في الجيش الروسي، إيفان باسكيفيتش وفاليريان ماداتوف، القوات الروسية التي هزمت جيش الشاه القاجاري بقيادة عباس ميرزا وحسين سردار في معركة كنجة (غاندزاك). وأفضى هذا الانتصار إلى توقيع معاهدة تركمانجاي التي تنازلت بموجبها فارس عن كامل مناطق جنوب القوقاز وناخيتشيفان وإغدير لصالح روسيا، لتبدأ مرحلة جديدة من الهيمنة الروسية على المنطقة.
كما نصت الترتيبات الجديدة على إعادة توطين آلاف الأرمن والآشوريين في «مقاطعة أرمينيا» التي أنشأتها روسيا حديثاً، بينما حصلت جورجيا وشمال أذربيجان على أشكال مختلفة من الإدارة المحلية تحت المظلة الروسية. وقد أشرف على هذه العملية السفير الروسي في طهران ألكسندر غريبويدوف.
غير أن هذه التطورات أثارت ردود فعل غاضبة داخل الدولة القاجارية، حيث نظم مسؤولون قاجاريون بقيادة آصف الدولة احتجاجات واسعة انتهت باقتحام السفارة الروسية في طهران وقتل غريبويدوف بصورة وحشية. ونُقل جثمانه عبر أرمينيا إلى روسيا، حيث ودّعه الشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين. وخشية اندلاع حرب جديدة مع الإمبراطورية الروسية، أرسل فتح علي شاه إحدى أثمن جواهر الخزينة الفارسية إلى القيصر نيقولا الأول كهدية اعتذار سياسية.
صعود باكو النفطية والثورات السياسية
مع اكتشاف وتطوير حقول النفط في باكو وبحر قزوين خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، دخل القوقاز مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاستراتيجية. وقد ارتبطت هذه النهضة النفطية بأسماء بارزة، من بينها رجل الأعمال الأرمني ألكسندر مانتاشوف، إلى جانب شركات ومستثمرين دوليين مثل ألفرد نوبل وكالوست كولبنكيان.
وأدى هذا التطور إلى تحويل باكو إلى واحدة من أهم المدن الصناعية في العالم آنذاك، وإلى مركز اقتصادي متعدد القوميات والثقافات. وفي ظل التوسع الصناعي وظهور طبقة عاملة واسعة، انتشرت الأفكار الاشتراكية والقومية والحركات السرية والثورية بين العمال والفئات الفقيرة.
وعقب الثورة البلشفية عام 1917 أُعلنت جمهورية باكو السوفيتية بقيادة ستيبان شاهوميان الأرمني ومشادي عزيز بيكوف الأذري. غير أن هذه الجمهورية لم تعمّر طويلاً نتيجة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية التي شارك فيها المناشفة وحزب الطاشناق والقوى القومية المدعومة من القوات البريطانية الموجودة في إيران، ثم من الحركة الكمالية التركية لاحقاً.
وفي خضم هذه الصراعات شهدت باكو أحداثاً دامية عُرفت بمجازر باكو، التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأرمن والمسيحيين، كما جرى اعتقال وإعدام المفوضين الستة والعشرين لجمهورية باكو السوفيتية أثناء محاولتهم الوصول إلى أستراخان في روسيا السوفيتية.
وكان من بين الناجين القلائل أناستاس ميكويان، الذي لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره آنذاك، قبل أن يصبح لاحقاً رئيس هيئة رئاسة السوفييت الأعلى للاتحاد السوفيتي، ويلعب دوراً مهماً في إدارة الأزمة النووية خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
الجمهوريات المستقلة والعودة إلى الحكم السوفيتي

أدت التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى إلى ظهور جمهوريات مستقلة في جنوب القوقاز بين عامي 1918 و1920. فقد أعلنت أرمينيا استقلالها بقيادة حزب الطاشناق عقب انتصارها في معركة سارداراباد التي شارك فيها نحو 800 فارس إيزيدي بقيادة جهانغير آغا، كما أعلنت جورجيا استقلالها بقيادة المناشفة، وأعلنت أذربيجان استقلالها بقيادة حزب المساواة (موسافات).
إلا أن هذه الاستقلالات لم تدم طويلاً، إذ دخل الجيش الأحمر الحادي عشر إلى جنوب القوقاز عام 1920، لتصبح أرمينيا وجورجيا وأذربيجان جمهوريات اشتراكية سوفيتية ضمن الاتحاد السوفيتي.
الحرب العالمية الثانية ومعركة القوقاز

اكتسب القوقاز أهمية استثنائية خلال الحرب العالمية الثانية بسبب احتياطاته النفطية الهائلة. ومع الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي في 22 حزيران/يونيو 1941، أطلقت القيادة النازية عملية «إدلفايس» التي هدفت إلى اختراق جبال القوقاز والسيطرة على حقول النفط في غروزني وباكو.
كما ارتبطت هذه الخطة بحسابات استراتيجية أوسع شملت احتمالات التعاون مع تركيا من أجل تطويق الاتحاد السوفيتي من الجنوب. ورغم الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها جمهوريات جنوب القوقاز السوفيتية، تمكن الجيش الأحمر من وقف التقدم الألماني عام 1942، قبل أن تنقلب موازين الحرب نهائياً بعد معركة ستالينغراد.
احتلال إيران ومؤتمر طهران
في ظل المخاوف السوفيتية والبريطانية من تنامي النفوذ الألماني داخل إيران، دخلت القوات السوفيتية من الشمال والقوات البريطانية من الجنوب إلى الأراضي الإيرانية في 25 آب/أغسطس 1941، واستمر وجودها العسكري حتى عام 1946.
وقد أُجبر رضا شاه على التنازل عن العرش لصالح ابنه محمد رضا بهلوي، الذي بقي في الحكم حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
وخلال الفترة الممتدة بين 28 تشرين الثاني/نوفمبر و1 كانون الأول/ديسمبر 1943، استضافت طهران المؤتمر التاريخي الذي جمع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين. ووفقاً للرواية السوفيتية، نجحت أجهزة الاستخبارات بقيادة الجنرال إيفان أغايانتس وشبكته في إحباط مخطط ألماني لاغتيال القادة الثلاثة خلال المؤتمر.
الحرب الباردة وتقاسم النفوذ العالمي
ينظر الكاتب إلى مؤتمر طهران، ثم مؤتمري يالطا وبوتسدام، باعتبارها المحطات التي أرست أسس النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. ووفق هذه القراءة، خضعت أوروبا الشرقية والقوقاز للنفوذ السوفيتي حتى عام 1991، بينما دخل الشرق الأوسط وأوروبا الغربية واليونان ضمن المجال الاستراتيجي الأنغلو-أميركي.
وخلال العقود اللاحقة شهد العالم مرحلة الحرب الباردة بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو، واندلعت أزمات دولية كبرى في كوريا وفيتنام والشرق الأوسط، وصلت في بعض مراحلها إلى حافة المواجهة النووية.
ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، في أعقاب إصلاحات البيريسترويكا التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف ثم مرحلة بوريس يلتسين، إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للقوقاز وفتح الباب أمام موجة جديدة من النزاعات القومية والإقليمية.
وكانت قضية ناغورنو قره باغ أبرز هذه النزاعات، حيث اندلعت سلسلة من الحروب بين أرمينيا وأذربيجان تسببت بخسائر بشرية ومادية جسيمة. وانتهت جمهورية أرتساخ الأرمنية، التي استمرت فعلياً نحو ثلاثة عقود، بعد حرب عام 2020 والتطورات العسكرية والسياسية اللاحقة التي أفضت إلى سيطرة أذربيجان الكاملة على الإقليم.
كما شهدت المنطقة بعد ذلك الحرب الروسية الجورجية عام 2008، التي انتهت بسيطرة روسيا على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وتعزيز نفوذها فيهما.
وفي الوقت نفسه، تراجع النفوذ الروسي في القوقاز نتيجة تعثر جهود الوساطة وحفظ السلام، كما أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية في تقليص قدرة موسكو على إدارة ملفات إقليمية متعددة بصورة متزامنة.
خاتمة
على امتداد مئتي عام، ظل القوقاز ساحة تفاعل معقد بين الجغرافيا والموارد الطبيعية والمشروعات الإمبراطورية والقومية. فمن الحرب الروسية–الفارسية ومعاهدة تركمانجاي عام 1828، مروراً بصعود باكو النفطية والثورات والحربين العالميتين والحرب الباردة، وصولاً إلى صراعات ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بقيت المنطقة محوراً أساسياً في حسابات القوى الكبرى.
واليوم، ومع استمرار أهمية النفط والغاز وممرات النقل الدولية والتوازنات الأمنية في أوراسيا، لا يزال القوقاز يمثل إحدى أكثر المناطق حساسية في النظام الدولي، ومرشحاً للاستمرار بوصفه إحدى ساحات التنافس الجيوسياسي الرئيسية خلال العقود القادمة.
الكاتب الصحفي هامو موسكوفيان

لبنان – بيروت
هامو موسكوفيان
ماجستير في الصحافة الدولية ماجستير في التاريخ (من جامعة يريفان الحكومية، أرمينيا) علم الآثار الأرمنية والسياسة الدولية في جامعة هايكازيان، بيروت، والجامعة الحكومية الرومانية، بوخارست مؤلف لأكثر من 3000 مقال، ومقابلات تلفزيونية، ومراسلات في حوالي 15 صحيفة ومجلة، وقنوات تلفزيونية في أربع قارات.



