صوت الكمان القديم.. لحن يعبر برزخ النسيان

  • في زاوية منسية من زوايا سوق العاديات القديم، حيث تتراكم ذكريات الراحلين تحت طبقات الغبار، كان العجوز “كريم” يقف أمام واجهة متجره الصغير متأملاً المارة بملامح أنهكها الحنين. بين آلاف التحف والمقتنيات الأثرية، كان هناك كمان خشبي عتيق، داكن اللون ومطعم بالصدف الباهت، يقبع في صندوقه المخملي المهترئ كسرٍّ دفين لم يجرؤ أحد على نبشه منذ عقود. كان هذا الكمان بالذات يحمل تاريخاً شخصياً دافئاً، فهو الأداة الوحيدة التي بقيت له من والده الراحل، الذي كان يملأ البيت صخباً ومحبة بألحانه الشرقة الأصيلة.
في مساء هذا اليوم، دخلت إلى المتجر فتاة شابّة، بدت عيناها تائهتين بين تفاصيل المكان الأثري، وكأنها تبحث عن شيء مفقود يربطها بماضٍ لم تعشه. وقعت عيناها دغري على الكمان القديم، واقتربت منه بحذر كمن يقترب من كنز أسطوري. استأذنت العجوز في لمسه، وعندما رفعت الآلة وضعتها برفق بين كتفها وذقنها، ومررت القوس فوق الأوتار المشدودة بصبر. في تلك اللحظة، انبعث في أرجاء المكان لحن عذب ومألوف جداً، لحن كان والد كريم يعزفه دائماً في آماسي الصيف بدمشق القديمة.
توقفت نبضات الزمن في عين العجوز، واغرورقت عيناه بالدموع وهو يستمع للأنغام التي ظن أن يد النسيان قد طمستها للأبد. التفت إلى الفتاة وسألها بنبرة متهدجة عن مصدر هذا اللحن، فأجابته بابتسامة دافئة: “هذا لحن توارثته عائلتي جيلاً بعد جيل، علمتني إياه جدتي الراحلة”. حينها فقط، أدرك كريم أن الأرواح المبدعة لا ترحل تماماً، وأن الفن الصادق يمتلك أجنحة سحرية تعبر برزخ السنين والمسافات، ليعيد جمع القلوب المتناثرة ويحيي الوعود القديمة في تلاقي جيل جديد يحمل شعلة الوفاء والأثر الطيب.

العبرة من القصة:
“إن الأثر الإنساني الصادق والفن الحقيقي لا يموتان بموت أصحابهما؛ قد تطوى السنون وتتبدل الأجيال وتتفرق الطرق، ولكن الألحان والذكريات الدافئة تظل كرسائل حية مشفرة في باطن الزمن، تجد طريقها دائماً عبر القلوب الوفية لتعيد إحياء الماضي وربط الحاضر بجذور الأصالة.”
شارك