
المشروعات الصغيرة والمتوسطة
حسين راغب
رئيس حزب الإصلاح الوطني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
2025
أولاً: مدخل تعريفي:
وعلى الرغم من الجدل القائم حول قدم أو حداثة الصناعات الصغيرة والمتوسطة، فقد تبين أن هذه الصناعات قديمة لأنها كانت النواة البداية لحركة التصنيع، فعلى سبيل المثال شركة (الألبسة United colors of Benetton) بدأ صاحبها بالعمل على ماكينة خياطة واحدة في مدخل العمارة التي يسكنها وكان يجمع بواقي القماش من المصنع ويحيكها على شكل ملابس جاهزة.
3 ـ إن مصطلح المشروعات الصغيرة مصطلح واسع، انتشر استخدامه مؤخراً، ويشمل هذا المصطلح الأنشطة التي تتراوح بين من يعمل لحسابه الخاص أو في منشأة صغيرة تستخدم عدد معين من العمال، ولا يقتصر هذا المصطلح على منشآت القطاع الخاص وملاكها وأصحاب الأعمال والمستخدمين ولكنه يشمل كذلك التعاونيات ومجموعات الإنتاج الأسرية أو المنزلية.
* يختلف تعريف ومفهوم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بين دولة لأخرى وفقاً لاختلاف إمكانياتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية مثل درجة التصنيع وطبيعة مكونات وعوامل الإنتاج الصناعي ونوعية الصناعات الحرفية التقليدية القائمة قبل الصناعة الحديثة، والكثافة السكانية ومدى توفر القوى العاملة ودرجة تأهيلها والمستوى العام للأجور والدخل وغيرها من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد ملامح وطبيعة الصناعات القائمة فيها.
كما ويختلف التعريف وفقاً للهدف منه، وهل هو للأغراض الإحصائية أم للأغراض التمويلية أو لأية أغراض أخرى.
المعايير الدولية لتعريف المشروعات الصغيرة:
بالرغم من عدم وجود تعريف دولي متفق عليه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بيد أنه يوجد اتفاق على المعايير التي يمكن على أساسها تعريف الأحجام المختلفة للمشروع، ومن أكثر المعايير شيوعاً ما يلي:
1 ـ عدد العاملين: ويمثل أبسط المعايير المتبعة للتعريف وأكثرها شيوعاً لسهولة القياس والمقارنة، غير أن من عيوب هذا التعريف اختلافه من دولة لأخرى، فضلاً عن أنه لا يأخذ بنظر الاعتبار التفاوت التكنولوجي المستخدم في الإنتاج.
2 ـ حجم الاستثمار: يعد حجم الاستثمار (رأس المال المستثمر) معياراً أساسياً في العديد من الدول للتمييز بين المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبين الصناعات الكثيرة، على اعتبار أن حجم الاستثمار يعطي صورة عن حجم النشاط كمياً، وتستخدم دول مجلس التعاون الخليجي هذا المعيار للتمييز بين الصناعات.
3 ـ قيمة المبيعات السنوية: يمكن اعتبار قيمة المبيعات السنوية أحد المعايير التي تميز المشروعات من حيث حجم النشاط وقدرته التنافسية في الأسواق.
وتبين دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية بوجود أكثر من 50 تعريفاً مختلفاً في 75 بلداً، وفي الجدول أدناه تبين أهم التعاريف الصادرة عن المنظمات الدولية.
تعريف المشروعات الصغيرة والمتوسطة وفقاً للجهة المصدرة لها
الجهة المصدرة للتعريف
معيار عدد العمال
معيار حجم المبيعات أو الموجودات
البنك الدولي:
المشروعات الصغيرة
10 ـ 49 عاملاً
100 ألف دولار وأقل من 3 ملايين دولار
المشروعات المتوسطة
50 وأقل من 300
3 ملايين دولار وأقل من 10 ملايين دولار
مؤسسة التمويل الدولية:
المشروعات الصغيرة:
10 ـ 49 عاملاً
100 ألف دولار وأقل من 3 ملايين دولار
المشروعات المتوسطة:
50 وأقل من 300 عامل
3 ملايين دولار وأقل من 15 مليون دولار
الاتحاد الأوروبي:
المشروعات الصغيرة
10 ـ 49 عاملاً
مليون يورو وأقل من 10 ملايين يورو
المشروعات المتوسطة
100 ـ 249 عاملاً
10 ملايين يورو وأقل من 50 مليون يورو
منظمة العمل الدولية:
المشروعات الصغيرة
أقل من 10 عمال
10 ـ 99 عاملاً
ثانياً: أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطرة.
وتجمع الآراء على الأهمية المتعاظمة للمشروعات الصغيرة في الاقتصاد القومي سواء في البلاد المتقدمة أو النامية خاصة في ظل الاحتياج المتزايد لتوليد فرص العمل المنتجة، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات في معظم اقتصاديات العالم، كما أنها توفر ما بين 40% ـ 80% من إجمالي فرص العمل وتساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي للعديد من الدول فعلى سبيل المثال تساهم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنحو 85% ـ 51% من إجمالي الناتج المحلي في كل من إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية على الترتيب.
أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة
* تمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أساس التنمية الاقتصادية ولها مكانتها وأهميتها في اقتصاديات الدول، الأمر الذي مهد نحو المزيد من الاهتمام والعناية بتلك المشروعات في الدول المتقدمة عامة والدول النامية بصفة خاصة، وتعود أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة كونها حجر الزاوية في الاقتصاد والعمود الفقري، حيث تلعب دوراً كبيراً في تشكيل الاقتصاد القومي وتخلق فرصاً استثمارية وتساهم في زيادة التصدير والتقليل من الواردات بالإضافة إلى توفير وخلق وظائف كثيرة في المجتمع.
أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة
إن لهذه الصناعات دور لا يستهان به في بناء الاقتصاد الوطني، وتظهر أهميتها من خلال استغلال الطاقات والإمكانيات وتطوير الخبرات والمهارات كونها تعتبر أحد أهم روافد العملية التنموية.
أهمية المشروعات الصغيرة في الاقتصاد العالمي
* تمثل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة 90% من الأعمال 60% ـ 70% من العمالة و50% من الناتج المحلي الإجمالي في جميع أنحاء العالم كما تعد العمود الفقري للمجتمعات في كل مكان، فهي تسهم في الاقتصادات المحلية الوطنية وفي صون سبل العيش ولاسيما بين العاملين الفقراء والنساء والشباب والفئات المهددة.
تمتلك الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة القدرة على تحويل الاقتصادات وتعزيز خلق فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي إذا تم منحها الدعم الكافي.
خصائص ومزايا المشروعات الصغيرة:
تتصف منشآت الأعمال الصغيرة بالعديد من الخصائص والمزايا الكبيرة وتجعلها أكثر ملاءمة للحالة الاقتصادية لبعض الدول بل تكون أكثر ملاءمة لطبيعة النشاط الاقتصادي ذات العلاقة التشابكية في قطاعات معينة داخل الدولة نفسها، يمكن إجمال الخصائص بالآتي:
1 ـ سهولة التأسيس: تتميز هذه المنشآت بانخفاض قيمة رأس المال المطلوب لتأسيسها وتشغيلها، وبالتالي محدودية القروض اللازمة والمخاطر المنطوية عليها، مما يساعد على سهولة تأسيس وتشغيل مثل تلك الشركات أو المؤسسات، ومن ثم أداة فاعلة لجذب مدخرات الأفراد وتوظيفها في المجال الإنتاجي، كما تتميز بسهولة إجراءات تكونها وتتمتع بانخفاض مصروفات التأسيس والمصروفات الإدارية نظراً لبساطة وسهولة هيكلها الإداري والتنظيمي وجمعها في أغلب الأحيان بين الإدارة والتشغيل.
2 ـ استقلالية الإدارة ومرونتها: تتركز إدارة معظم منشآت الأعمال الصغيرة في شخص مالكها أو مالكيها، لذلك فهي تتسم بالمرونة والاهتمام الشخصي من قبل أصحابها لتحقيق أفضل نجاح ممكن لها، ويترتب على ذلك:
ـ بساطة التنظيم المستخدم وسهولة التزود بالاستشارات والخبرات الجديدة.
ـ انخفاض التكاليف الإدارية والتسويقية والتكلفة الثابتة (كالإيجار والاستهلاكات) وكذلك انخفاض الأجور المدفوعة للعاملين، فهي تؤدي تلقائياً إلى ميزة البيع بأسعار أقل نسبياً وبالتالي إغراق السوق بكميات كبيرة من السلع والخدمات من خلال سهولة الاتصال بالعملاء.
ـ نقص الروتين وقصر الدورة المستندية والأوراق المكتبية وارتفاع مستوى فعالية الاتصالات وسرعة الحصول على المعلومات اللازمة للعمل.
ـ اتباع المنشأة لخطط واضحة وسياسات مرنة وإجراءات عمل مبسطة، وتتميز هذه المنشآت بارتفاع مستوى العلاقات الشخصية في النشاط الإداري اليومي سواء داخل المنشأة من خلال التقارب أم الاحتكاك المباشر بين أصحاب هذه المشروعات والعاملين لديها، ويكون لهذا التقارب داخل منشآت الأعمال الصغيرة أثر مباشر في زيادة إنتاجية العامل، وأيضاً تتحقق في هذه المنشآت علاقات شخصية في المحيط الخارجي من خلال العلاقات الشخصية التي تنشأ بين صاحب أو مدير المشروع الصغير والعملاء، وكذلك مع البيئة المحيطة بالمشروع ويكون لذلك أثر مباشر في المحافظة على سوق هذه المنشأة بل تنميتها أيضاً.
3 ـ إتاحة فرص العمل: بسبب استخدام هذه المنشآت أساليب إنتاج وتشغيل غير معقدة فإنها تساعد على توفير فرص العمل لأكبر عدد من العاملين، كما تتيح التقارب والاحتكاك المباشر بين أصحابها والعاملين لديهم، والاطلاع على أوضاع العاملين وتقريب العلاقات الشخصية والإنسانية بينهم مما ينعكس إيجابياً على إنتاجيتهم، وذلك بسبب نشوء روح الفريق والأسرة العاملة الواحدة، وتتيح هذه المنشآت فرصاً كبيرة للعمالة بمستويات متدرجة من المهارات بتكلفة رأسمالية منخفضة، وبذلك تكفل امتصاص قوى العمل بمختلف مهاراتها وبمستويات إنتاجية مختلفة.
4 ـ القدرة على التكيف مع المتغيرات المستحدثة: يؤدي انخفاض تكاليف الفنون الإنتاجية وبساطتها ومرونة الإدارة والتشغيل إلى تسهيل عملية تكيف منشآت الأعمال الصغيرة مع متغيرات التحديث والتطوير، وبصفة خاصة فيما يتعلق بتلبية رغبات وأذواق المستهلكين بعكس المؤسسات الكبيرة التي يصعب عليها تغيير خطط وبرامج وخطوط إنتاجها.
5 ـ أداة التدريب الذاتي: تعتبر هذه المنشآت مراكز تدريب ذاتية لأصحابها والعاملين فيها بالنظر لممارستهم أعمالهم باستمرار، وسط عمليات الإنتاج وتحملهم المسؤوليات التقنية والتسويقية والمالية مما يحقق إكسابهم المزيد من المعلومات والمعرفة والخبرات، الأمر الذي يؤهلهم لقيادة عمليات استثمارية في المستقبل تفوق حجم مؤسساتهم الحالية، ومن ثم فهي تعتبر مجالاً خصباً لخلق وتنمية فئة المنظمين التي هي الأساس في زيادة الاستثمارات الناجحة وتوسيع فرص التنوع.
6 ـ قصر فترة الاسترداد لرأس المال المستثمر: تتميز هذه المنشآت بارتفاع معدل دوران البضاعة والمبيعات وأرقام الأعمال مما يمكنها من التغلب على طول فترة الاسترداد لرأس المال المستثمر فيها، ويقلل بالتالي من نجاح الاستثمار الفردي فيها، ومع ذلك فإن فرص التوسع والتجديد في تلك المنشآت تكون ضعيفة وذلك لأن انخفاض حجم الربح المتحقق فيها يؤدي إلى ضعف قدرتها على تجنيب جزء من الأرباح يستخدم لإضافة استثمارات جديدة للمشروع أو تخصيصه لإعادة بناء أو تجديد المشروع، ويعد ذلك عيباً جوهرياً في آلية النمو للمنشآت الصغيرة، وخصوصاً أنها تعتمد على التمويل الخاص والذاتي لمالكيها وتفتقد القدرة على الاقتراض بدرجة ملموسة، كما أنها لا تعتمد على التمويل العام أو الحكومي.
* المعوقات والمشاكل التي تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة:
إن نمو وتطور قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في كافة أنحاء العالم يواجه مجموعة من المشاكل وهذه قد تكون مختلفة من منطقة لأخرى ومن قطاع لآخر، ولكن هناك بعض المشاكل التي تعتبر مشاكل موحدة أو متعارف عليها وأبرز المشاكل:
1 ـ كلفة رأس المال: إن هذه المشكلة تنعكس مباشرة على ربحية هذه المشروعات من خلال الطلب من المشروعات الصغيرة والمتوسطة بدفع سعر فائدة مرتفع مقارنة بالسعر الذي تدفعه المنشآت الكبيرة، إضافة إلى ذلك تعتمد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الاقتراض من البنوك مما يؤدي إلى زيادة الكلفة التي تتحملها.
2 ـ التضخم: من حيث تأثيره في ارتفاع أسعار المواد الأولية وكلفة العمل مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وهنا تعترض مشكلة رئيسية وهي مواجهتها للمنافسة من المشروعات الكبيرة مما يمنعها ويحد من قدرتها على رفع الأسعار لتجنب أثر ارتفاع أجور العمالة وأسعار المواد الأولية.
3 ـ التمويل: تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة صعوبات تمويلية بسبب حجمها (نقص الضمانات) وبسبب حداثتها (نقص السجل الائتماني) وعليه تتعرض المؤسسات التمويلية إلى جملة من المخاطر عند تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في مختلف مراحل نموها (التأسيس ـ الأولية ـ النمو الأولي ـ النمو الفعلي ـ الاندماج) ونظراً لهذه المخاطر تتجنب البنوك التجارية توفير التمويل اللازم لهذه المشروعات نظراً لحرصهم على نقود المودعين.
4 ـ الإجراءات الحكومية: وهذه مشكلة متعاظمة في الدول النامية خصوصاً في جانب الأنظمة والتعليمات التي تهتم بتنظيم عمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
5 ـ المنافسة: المنافسة والتسويق من المشاكل الجوهرية التي تتعرض لها المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأهم مصادر المنافسة هي الواردات من المشروعات الكبيرة.
6 ـ ندرة المواد الأولية: من حيث الندرة الطبيعية وعدم القدرة على التخزين وضرورة اللجوء إلى الاستيراد وتغيرات أسعار الصرف.
* أدت الصدمات والأزمات المتعددة المتزامنة إلى اضطرابات بيئة العمل العالمية، أمام أصحاب المشاريع والشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم، وفضلاً عن سبب النزاعات والاعتماد على السلع الأساسية والتوترات الجيوسياسية والأوبئة في الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي مما يضعف المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أمام ارتفاع معدلات التضخم واضطرابات سلاسل التوريد.
وغالباً ما تكون الشركات التي تملكها نساء أو شباب من أكثر الشركات ضعفاً، وأشدها عرضة لمخاطر الصدمات الخارجية ويحدث هذا في وقت تتزايد فيها الشركات التي تنشئها النساء والشباب في كافة أنحاء العالم.
المشاريع الصغيرة والتنمية المستدامة:
* حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 حزيران بوصفه يوماً للمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم لإذكاء الوعي بالمساهمات الهائلة للمشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
ـ ستكون هناك حاجة إلى 600 مليون وظيفة بحلول عام 2030 لاستيعاب القوى العاملة العالمية المتنامية، مما يجعل تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة أولوية عالية للعديد من الحكومات حول العالم.
* في الأسواق الناشئة يتم إنشاء معظم الوظائف الرسمية من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة والتي تخلق 7 من أصل 10 وظائف.
* إن زيادة الاستثمارات السنوية في المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمقدار تريليون دولار ستؤدي إلى أرباح غير متكافئة من حيث التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة.
* تُعد الشركات الصغيرة في البلدان النامية من بين أكثر الشركات قلقاً من تغير المناخ، فوفقاً لبحث أجراه مركز التجارة الدولية تؤكد 68% من الشركات في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أن المخاطر البيئية تؤثر في أعمالها وتقول نصف الشركات التي شملها الاستطلاع في البلدان المتقدمة الشيء نفسه.
* أشار الدكتور (عبد الرحمن الحميدي) المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي (إن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تساهم بنحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية).
ولفت إلى أن وصول هذا النوع من المشروعات إلى التمويل الرسمي يعد أحد أهم التحديات التي تواجهها، منوهاً إلى أن الأزمات والصدمات والتطورات الراهنة منذ جائحة كورونا ضاعفت من التحديات وانعكست في تراجع أنشطة العديد من هذه المشروعات، وأشار إلى الدور الهام لبرامج وآليات ضمان القروض في إعادة بناء وتسهيل نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال تسهيل وصولها إلى التمويل ومسارعتها في التغلب على أوجه القصور والتمكين من التعافي المستدام، مشيراً إلى تجاوز فجوة التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة على مستوى العالم نحو 5,3 تريليون دولار سنوياً.
وأوضح الدكتور الحميدي (أن السلطات في الدول العربية عززت اهتمامها في السنوات الأخيرة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال مواجهة تحديات تمويل هذا القطاع ووضع برامج وإجراءات بهذا الخصوص).
وأشاد بجهود شركات وبرامج الضمان في تطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة على مدار السنوات الماضية مشيراً إلى أن هناك حاجة كبيرة لإعادة النظر في الإطار المؤسسي وحوكمة هذه البرامج والشركات بما يكفل تعزيز قدراتها على تلبية الاحتياجات التمويلية المتزايدة من جهة وقدراتها على إدارة المخاطر من جهة أخرى.
ونوه إلى أن الاكتفاء بالدعم والتمويل الحكومي ليست الوسيلة للاستمرار، لافتاً إلى الحاجة للنظر في تطوير هذه البرامج والشركات لتكون مؤسسات مالية متكاملة، يضخ فيها رساميل جديدة من القطاعين العام والخاص وتعمل وفقاً لنماذج عمل تضمن نموها واستدامتها.
وأشار في السياق ذاته إلى دور مقررات لجنة بازل للرقابة المصرفية في المساعدة في زيادة فاعلية دور برامج وشركات ضمان القروض، موضحاً أن لجنة بازل اعتبرت هذه البرامج والشركات أحد آليات تخفيف المخاطر من خلال تخفيض أعباء متطلبات كفاية رأس المال، وبالتالي زيادة فاعلية برامج الضمان وقدرتها على جذب ممولين جدد.
وأكد مدير عام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي على دور المصارف المركزية العربية في دعم تشجيع الابتكار في تطوير منظومة وخدمات برامج وشركات الضمان وتشجيع شراكات بين هذه البرامج والبنوك والمؤسسات المالية الأخرى والاستفادة من هذه البرامج والشركات كأدوات فاعلة في إدارة الأزمات، مشيراً إلى الدور الهام الذي لعبته شركات وبرامج القروض على مستوى المنطقة العربية والعالم في التخفيف من التداعيات السلبية لأزمة جائحة كورونا.
وأوضح أن التنمية المستدامة تعد أحد الأهداف الأساسية للدول العربية مؤكداً أن الوقوف إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تحولها المستدام يعني مساعدة الدول العربية على تطوير اقتصاد أكثر شمولاً واخضراراً.
التجرية السورية في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة:
ظهر جلياً اهتمام الحكومة بالمشروعات الصغيرة بحسبانها إحدى الأدوات التي يمكن بوساطتها الحد من معدلات البطالة منذ بداية الألفية الثالثة، إذ تم إحداث الهيئة العامة للبرنامج الوطني لمكافحة البطالة كمشروع وطني للحد من البطالة بموجب القانون 71 لعام 2001 ترتبط بوزير الدولة لشؤون التخطيط، فقد بلغ معدل البطالة في سورية عام 2000 وفق الإحصاءات الرسمية 10,5% واتسمت البطالة في سورية بأنها ظاهرة شبابية حيث 80% من عدد العاطلين عن العمل من الفئة العمرية ما دون 30 سنة، وضعف الخبرة المهنية إذ إن 86% من العاطلين عن العمل ليس لديهم أي تجربة مستقلة، فضلاً عن أن 80% من العاطلين عن العمل لم يخضع أي منهم لدورة تدريبية، وقد حلّ محلها هيئة التشغيل وتنمية المشروعات بموجب المرسوم 39 لعام 2006 والتي ترتبط بوزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وفي عام 2016 صدر القانون رقم 2 الذي تم بموجبه إحداث هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وترتبط بوزير الاقتصاد والتجارة الخارجية لتحل محل هيئة التشغيل وتنمية المشروعات.
ويمكن تقسيم تجربة المشروعات الصغيرة والمتوسطة وفقاً للمؤسسات المسؤولة عنها:
1 ـ الهيئة العامة للبرنامج الوطني لمكافحة البطالة
صدر القانون 71 لعام 2001 القاضي بإحداث الهيئة العامة للبرنامج الوطني لمكافحة البطالة ومدته خمس سنوات قابلة للتجديد بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير، ويهدف البرنامج إلى دراسة وتمويل وتنفيذ مجموعة من الأنشطة الإنتاجية والخدمية التي من شأنها المساهمة في توليد الدخل وتوفير فرص عمل وإيجاد مجالات جديدة للعمل والإنتاج وتنويع هيكل القطاع الاقتصادي والخدمي واستيعاب قوة العمل المتوافرة والداخلة إلى سوق العمل لأول مرة.
وقامت الهيئة من أجل تحقيق أهدافها في حل مشكلة البطالة وتوليد وخلق فرص العمل بالقيام بتمويل مجموعة من الأنشطة وتدريب القوى العاملة وتأهيلها للعمل في مختلف القطاعات ذلك على أساس مجموعة من البرامج، وهي برنامج تنمية المشروعات، برنامج التدريب والتنمية المجتمعية، برنامج الأشغال العامة، برنامج مشروع الطاقة الشمسية، برنامج حاضنات الأعمال.
* هيئة التشغيل وتنمية المشروعات:
أحدثت هيئة التشغيل وتنمية المشروعات بموجب المرسوم 39 لعام 2006 والتي ترتبط بوزير الشؤون الاجتماعية والعمل لتحل محل الهيئة العامة للبرنامج الوطني لمكافحة البطالة، وقد عرفت الهيئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالاعتماد على معيارين وهما رأس المال، وعدد العمال على النحو الآتي:
ـ المشروعات الصغيرة: كل مشروع يمارس نشاطاً اقتصادياً أو إنتاجياً أو خدمياً أو تجارياً ولا يتجاوز رأس ماله 5 ملايين ليرة سورية ولا يقل عن 1,5 مليون ليرة سورية ولا يقل عدد العاملين فيه عن ستة.
ـ المشروع المتوسط: كل مشروع يمارس نشاطاً اقتصادياً أو إنتاجياً وخدمياً أو تجارياً ولا يتجاوز رأس ماله 15 مليون ليرة سورية ولا يقل عن 5 ملايين ليرة سورية ولا يقل عدد العاملين فيه عن 16 عاملاً.
* هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة:
أولت الحكومة طوال سنوات الحرب اهتماماً كبيراً بدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بحسبانها أحد الإجراءات التي تعمل عليها للحد من تراجع الأداء الاقتصادي ومحاولة تكييف الوضع الاقتصادي ليتناسب مع ظروف الأزمة والتخفيف من الآثار السلبية، لجملة التحديات والصعوبات على الاقتصاد الوطني، وكان من ضمن السياسات والإجراءات للإصلاح المالي (تطوير الإطار المؤسسي والتشريعي لعمل الشركات الصغيرة والمتوسطة)، بما يضمن تطورها الأفقي بزيادة عددها والرأسي بتعزيز قدراتها التنافسية حسب النشاط والتوزع الجغرافي.
صدر القانون رقم (2) لعام 2016 القاضي بإحداث الهيئة العامة لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي ترتبط بوزير الاقتصاد والتجارة الخارجية ليحل مكان هيئة التشغيل وتنمية المشروعات.
وعرفت المادة الأولى منه المشروعات الصغيرة والمتوسطة بأنها: (المشروعات التي تمارس نشاطها في قطاعات الزراعة والصناعة أو الحرف التقليدية أو التجارة أو الخدمات أو المهن أو النشاط الفكري). وتم وضع تعريف وتحديد الحدود الدنيا والقصوى لحجم كل نوع من أنواع المشروعات الصغيرة والمتوسطة بقرار من مجلس الوزراء، وكان من أوائل أهداف الهيئة وضع دليل تعريفي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يعرف بهذه المشروعات وفق حجم النشاط والتوزع الجغرافي وبما يمثل دليلاً وطنياً لاستهدافها ببرامج الدعم والتسهيلات الإدارية والتمويلية بالتنسيق مع الجهات المعنية.
* وسعياً لتطوير قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل نفاذها إلى الخدمات المالية لضمان استدامتها صدر القانون رقم 12 لعام 2016 والذي نص على إنشاء مؤسسة ضمان مخاطر قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتهدف هذه المؤسسة لتمكين هذه المشروعات من الحصول على التمويل المطلوب من المؤسسات المالية بما يسهم في تنمية قطاع المشروعات الصغيرة وتعزيز التنافسية في القطاع المالي وتحسين مستوى الخدمات المالية التي يقدمها للمشروعات، وبذلك يمكن من خلال مؤسسة ضمان مخاطر القروض (في حال تفعيلها) أن تساعد المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الوصول إلى الأجهزة المصرفية لتأمين التمويل اللازم لها على أساس معالجة إشكالية عدم توافر الضمانات الكافية التي يطلبها عادة القطاع المصرفي.
* اعتمد مجلس الوزراء في 5/1/2023 دليل تعريف المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة وبناء قاعدة بيانات متكاملة عبر هذه المشروعات، ووضع الأسس العملية لتنظيم العمل في هذا القطاع في إطار رؤية متكاملة للنهوض بهذه المشروعات على المستوى الوطني.
* ويتسم التعريف المعتمد في الدليل بمعايير محددة وواضحة وقابلة للقياس بعيدة عن التقدير الشخصي، كما أنه يميز بين المشروعات على أساس الحجم، ويتوافق مع مواصفات وخصائص القطاعات الاقتصادية الأساسية (الزراعة ـ الصناعة ـ التجارة ـ الخدمات).
* بيّن الدليل تعريف المشروعات وفق القطاعات الاقتصادية التابعة لها، ففي قطاع الزراعة عرف الدليل المشروعات المعنية بالإنتاج النباتي والحيواني وأن النشاط الزراعي هو نشاط يقوم على استثمار الموارد الطبيعية النباتية والحيوانية.
وحول المشروعات التابعة لقطاع الصناعة فبين التعريف أنها المشروعات التي يكون أساسها التمويل، أي تحويل المواد إلى منتج نهائي أو وسيط، وبالتالي تحقيق قيم مضافة من خلال تغيير المواد أو تجديدها أو إعادة تشكيلها، كما يشمل المشروعات التي تعنى باستخراج المواد الخام الطبيعية وتجهيزها.
أما فيما يخص قطاع التجارة فعرفها الدليل بأنها المشروعات التي يكون أساسها شراء وبيع وتوزيع سلعة ما أو عدة سلع مختلفة بهدف تحقيق الربح وإعادة استثماره، بينما تعرّف المشروعات التابعة لقطاع الخدمات بأنها المشروعات التي تقدم خدمات ما لصالح الغير مقابل أجر (خدمات التعليم والصحة والنقل والاتصالات والسياحة والطاقة.. الخ).
* وبحسب الدليل فإن تصنيف المشروعات يتم وفق ثلاثة معايير تصنيف أساسية تتضمن الحد الأدنى والأعلى لـ(عدد العمال ـ قيمة المبيعات ـ رأس المال المستثمر) ويستثنى من رأس المال المستثمر قيمة الأراضي في القطاع الزراعي ورأس المال الثابت في القطاع التجاري، علماً أن أهمية كل معيار تختلف تبعاً للقطاع الذي ينتمي إليه المشروع.
* أرقام وإحصاءات:
في نهاية عام 2023 بلغ عدد المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة في سورية (777957) مشروعاً يعمل بها نحو 461 ألف مشروع وأن رأسمال المطلوب لإقامة مشروع يختلف حسب القطاع الذي يتبع له المشروع وحسب الحجم، فمثلاً يصل رأس المال المستثمر (عدا الأراضي) في المشروعات الزراعية المتناهي الصغر إلى 50 مليون، أما المشروع الزراعي من رأس المال من 50 ـ 750 مليون ليرة، أما المتوسط فيتراوح رأسماله بين 750 مليون ليرة حتى 2,250 مليار ليرة.
أما المشروع الصناعي المتناهي الصغر فيصل رأسماله إلى 75 مليون ليرة والصغير 75 مليون إلى 1,5 مليار ليرة، أما المتوسط فيتراوح بين 1,5 مليار ليرة حتى 6,750 مليار ليرة.
* وإن رأس المال العامل في المشروع المتناهي الصغر بالقطاع التجاري يصل إلى 60 مليون ليرة، أما الصغير فيتراوح بين 60 ـ 600 مليون ليرة، والمتوسط يتراوح بين 600 مليون ليرة حتى 2,250 مليار ليرة، على حين يزيد حجم رأس المال في القطاع الخدمي على غيره من القطاعات، فالمشروع المتناهي الصغر يصل إلى 150 مليون ليرة والصغير يتراوح بين 150 حتى 2,250 مليار ليرة، أما المتوسط فيتراوح بين 2,250 ـ 7500 مليار ليرة.
مقترحات لتطوير عمل الشركات الصغيرة والمتوسطة:
1 ـ الإسراع بوضع استراتيجية وطنية لدعم هذه المشروعات كونها تمثل الرؤية المستقبلية.
تولي الحكومة السورية اهتماماً متزايداً بالمشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة باعتبارها إحدى أهم مرتكزات عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وآليات التوجه الحكومي لدعم الإنتاج وتسهم بشكل مباشر في تأمين المزيد من فرص العمل وتمكن من إقامة مشروعات تؤمن مصدر دخل مناسب بالإضافة إلى دورها المهم في رفع الطاقة الإنتاجية والمساهمة في تأمين حاجة السوق المحلية من العديد من المنتجات والسلع والمساهمة بتنمية عملية تصدير الفائض من المنتجات.
2 ـ تعزيز دور الإدارة المحلية واعتبار مجالس المدن والبلدات والبلديات ضمن مهامها التنموية مراكز لدعم وتشجيع المشروعات الصغيرة في الأماكن التي تتواجد بها دون الحاجة للمركزية.
* وجود مفاهيم جامعة وموحدة ومتفق عليها من مختلف الجهات المعنية بقطاع المشروعات يمثل حجر الأساس والقاعدة الصلبة التي يمكن الانطلاق منها نحو تنظيم القطاع وتطويره، مشيراً إلى عقد مجموعة من ورش العمل التخصصية بمشاركة طيف واسع من الجهات (الحكومية وغير الحكومية) بغرض وضع دليل تعريف موحد للمشروعات وتأسيساً لنهج جديد في التعاطي مع القطاع ومقاربة المسائل المتصلة به.
ومع ذلك يحتاج رواد الأعمال من النساء والشباب إلى المساعدة للتغلب على التحديات العديدة التي تعيق أعمالهم في كثير من الأحيان وبخاصة في مواجهة مصاعب الوصول المحدود إلى التمويل الميسور التكلفة ودعم بناء القدرات وبناء شبكات الشراكة، والوصول إلى الأسواق العالمية، وهو ما يحصر العديد منهم في الأعمال غير الرسمية أو ريادة الأعمال الأساسية.
3 ـ تكليف المنظمات الداعمة للأعمال مثل الغرف (التجارية، صناعية، زراعية، سياحية) وغيرها تقديم خدمات النصح والمشورة والتدريب والمعلومات باعتبارها الأكثر تمثيلاً وقرباً من هذه الشركات.
4 ـ أهمية المشاريع التي يمكن تنفيذها كبداية مشروع صغير أو متوسط (التوجه إلى التصنيع الزراعي، تدوير المخلفات الزراعية، التوجه نحو الصناعات الطبية التجميلية والعطرية) باعتبار ان سورية تحوي الكثير من النباتات والأعشاب التي تصلح كدواء أو صناعة تجميلية.
5 ـ محاولة إدراج أسهم هذه الشركات في السوق المالية أو إحداث سوق مالية خاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة لطرح أسهمها للتداول والحصول على التمويل المطلوب.



