
خيبة حارس الهيكل
كتب رياض الفرطوسي
في رصيف بائس من أرصفة التاريخ الحديث، يقف “المثقف الواعظ” واجماً أمام مرآة خذلانه؛ فالسلطة التي تمنّى التقرب منها ونيل رضاها لم تعد بحاجة إلى فصاحته لتبرير حضورها، والجماهير التي ادّعى النطق باسمها تولّت وجهها شطر شاشات الهواتف الذكية تلتهم متعة سريعة تسلّع كل شيء. هذا الانهيار المزدوج للخطاب العقائدي والصورة الطليعية، يضعنا أمام سؤال كاشف: كيف تحول حارس الحقيقة الأمس إلى كائن فائض عن الحاجة اليوم؟
إن أزمة المثقف المعاصر، لا سيما في فضائنا العربي والعراقي ، تنطلق من وهم تاريخي مزدوج. يتمثل شقه الأول في ظنّ المثقف العقائدي أن التاريخ مدينٌ له بالريادة، بينما يكشف الواقع العملي أن التنظيمات الحزبية التي رعاها تحولت سريعاً إلى “شركات مساهمة ومكاتب اقتصاديات ” براغماتية تُعنى بالتمويل أكثر من الأفكار، مما دفع بالعديد من منظريها إلى مهاجر قسرية أو عزلة أو تنازلات مهينة انتهت ببعضهم أجراء في قنوات البترودولار، أو مدّعي بطولات زائفة في شهادات متلفزة يكذبها رفاق الزنزانة الواحدة . أما الشق الثاني، فيرتبط بنشوء “عصر التفاهة” ( بتعبير الفيلسوف الكندي آلان دونو ) حيث تسيّد إعلام التسلية وسادت ثقافة الاستهلاك السريع عبر منصات التواصل الرقمي كالتوك توك، لتتحول القضايا العقلية الجادة إلى بضاعة كاسدة تثير الصداع، ولتصبح “البلادة” ميزة مريحة تحمي صاحبها من شقاء الوعي ومسؤولية التفكير العقلاني.
في كتابه العمدة تمثيلات المثقف، يفكك إدوارد سعيد هذا الانزلاق مبرزاً الفارق الجوهري بين “المثقف الهاوي” الذي يحافظ على استقلاليته ونقديته، وبين “المثقف المحترف” الذي يسقط في فخ الوظيفية أو التبريرية؛ فالمثقف الذي يغيب عنه الحس النقدي ينتهي به المطاف كاتباً برتبة موظف علاقات عامة لدى السلطة أو الحزب. هذا العجز العربي يتباين بوضوح مع البنى المعرفية الغربية؛ حيث تفطنت السلطات هناك مبكراً ( انسجاماً مع أطروحات ميشيل فوكو حول “سلطة المعرفة”) إلى أهمية مأسسة الفكر عبر مراكز الأبحاث والدراسات لتوجيه القرار، بينما ظل الحاكم العربي في غنى عن هذه الاستشارة، معتمداً على أجهزته الأمنية وتحالفاته الخارجية لإدارة الفراغ البرامجي الشامل.
هذا الفشل السياسي دفع بفئة واسعة ممن يُسميهم علم الاجتماع الثقافي “اللاجئين إلى الأدب” للهروب نحو الرواية والكتابة الإبداعية ، بعدما تكسّرت أوهام التغيير الجذري على صخرة الواقع. لكن هذا اللجوء غالباً ما جاء مشوهاً ، إذ نقل هؤلاء صرامة الإيديولوجيا وجفافها إلى واحة الخيال، فأفسدوا السياسة بتبسيطها، وأفسدوا الأدب بتحويله إلى منابر وعظية وتصفية حسابات شخصية. إنهم يحاولون ارتداء مسوح الفلسفة، متناسين أن الفلسفة ليست كهنوتاً نخبوياً معقداً، بل هي حس نقدي حيّ يبسط المسائل المعقدة ليفهمها الناس، تماماً كما فعل نجيب محفوظ حين نقل أعمق الأسئلة الوجودية والعبثية من رفوف الفلاسفة إلى حكايات الحارة المصرية البسيطة.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، وجد المثقف التقليدي نفسه مجرداً حتى من احتكار المعرفة أو وظيفة الوساطة اللغوية كالترجمة؛ إذ باتت الآلة تنافسه ببراعة وتجرد وتسرق منه رداء الببغاء الذي طالما تزيّن به. إن الخروج من هذا المأزق التراجيدي لا يكمن في البكاء على أطلال “الزمن الجميل” أو ادعاء بطولات نضالية خلف شاشات اللجوء في الدول الأوروبية، بل في التخلي الشجاع عن دور “الداعية الوصي” والتحول نحو “المثقف النقدي”؛ ذلك الذي لا يلقن الجماهير إجابات جاهزة، بل يضيء لها عتمة الأسئلة، ويهدم (الأوهام المعقلنة)، متخذاً من الحرية شرطاً وجودياً وحيداً لإنتاج الوعي الحقيقي وتعبيد الطريق نحو المستقبل.



