إرادة تهزم المستحيل

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

في أزقة حي “الشعب” البغدادي، حيث تُصاغ تفاصيل الحياة اليومية بكثير من الصبر والكد، تولد الحكايات الحقيقية التي لا تُكتب بحبر الترف، بل بعرق السعي والخطوات الواثقة فوق دروب التحدي. ومن بين تراب الحدائق وورق الشجر في القسم الزراعي لدائرة بلدية الشعب، لمع نجم شاب ثلاثيني أثبت بفعله أن القدرات الكامنة في أعماق الإنسان هي القوة الحقيقية التي تصنع الفارق. إنه ضرغام سعد عطا، الذي لم يكن كفاحه مجرد قصة نجاح عابرة، بل ملحمة شخصية تتداخل فيها إرادة البناء مع الرغبة في صياغة الغد برؤية جديدة.

 

لقد عاش هذا الشاب فصولاً قاسية من التجارب والظروف الصعبة التي أجبرته في الماضي على مغادرة مقاعد الدراسة، لتبدو تلك المحطة في نظر الكثيرين نهاية المطاف. لكن لضرغام فلسفة أخرى؛ ففي سن الثلاثين، السن التي يظن البعض فيها أن مسارات الحياة قد رُسمت نهائياً، قرر أن يعيد ترتيب أوراقه ويجهز أشرعته لليوم القادم. عاد إلى مقاعد الدراسة الإعدادية المهنية في تخصص “تجميع وصيانة الحاسبات”، ليخوض معركة مزدوجة بين معول الزراعة وشاشات الحواسيب، وبين تلبية نداء الواجب الوظيفي ومسؤولية عائلته، وبين السهر والتحصيل العلمي، ليختتم هذا الكفاح بنجاح باهر ومعدل 83% في الدور الأول.

 

إن هذا التميز ليس مجرد رقم يُضاف إلى السجلات، بل هو تجسيد حي للفكرة التي تؤكد أن الفشل ليس نقيضاً للنجاح، بل هو المختبر الذي يتخلق في داخله. تماماً كما أن الليل لا يتناقض مع النهار بل يحتويه ويمهد لولادته، وكما أن الشجاعة هي خوف متحرر ومسيطر عليه، فإن تجربة ضرغام أثبتت أن الانقطاع السابق لم يكن عجزاً، بل كان مرحلة لتجميع الطاقات وبناء الذات. ويحضرنا هنا قول الروائي الكبير إرنست همنغواي:

 

“يمكن سحق الإنسان، لكن هزيمته مستحيلة.”

 

وهي المقولة التي تتطابق حرفياً مع روح ضرغام؛ فالظروف قد تقهر الجسد وتعيق المسير مؤقتاً، لكنها أبداً لا تستطيع أن تهزم روحاً صممت على العبور والتغيير. ومثلما نجح أديسون بعد محاولات مكررة لم يكتب لها التوفيق، غسل ضرغام عن عينيه غبار اليأس، ورفض تعميم تجربته الماضية كحكم نهائي على حياته، ليرسم بيده خارطة طريق جديدة مستنداً إلى مرونة فائقة وقدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات.

 

وفي مجتمع يقع أحياناً تحت وطأة “المثالية الزائفة” والضغط العصبي من أجل مطاردة أرقام خيالية فوق التسعين، يأتي نجاح ضرغام ليصحح المفاهيم ويعيد الاعتبار للجهد الحقيقي المصحوب بالعمل والإنتاج. فما حققه هذا الشاب من توازن بين مهنته الشريفة في خدمة جمال مدينته وتفوقه الدراسي هو الإنجاز الواقعي الذي يستحق الإشادة؛ لأنه يمثل بناء “ترسانة مهارات” ناعمة وعملية قابلة للاستثمار في عصرنا الرقمي المتسارع.

 

هذا الإصرار الاستثنائي حظي بتقدير يستحقه ونظرة أبوية واعية من قيادة الدائرة؛ حيث التقى المدير العام لدائرة بلدية الشعب، المهندس حسين علي ضمد، بالموظف البطل وكرمه احتفاءً بهذا النجاح. إن هذه المبادرة الراقية من السيد المدير العام لا تمثل مجرد تكريم بروتوكولي، بل هي تجسيد للإدارة الملهمة التي تؤمن بأن رأس المال البشري هو أثمن ما تملكه المؤسسة. إنها رسالة دعم صريحة لجميع المنتسبين تؤكد أن دائرة بلدية الشعب حاضنة حقيقية للطموح والإبداع، وأنها تفتح أبوابها دائماً لكل من يسعى لتطوير أدواته لخدمة مجتمعه ووطنه.

 

اليوم، يقف الشاب الثلاثيني ضرغام سعد عطا في طليعة المتميزين، رافعاً رأس قسمه الزراعي ودائرته وعائلته، كاشفاً عن معدن أصيل لا تصقله إلا الشدائد. لقد أثبت للجميع أن البدايات الجديدة ممكنة دائماً، وأن العبرة ليست في السقوط، بل في كيفية النهوض وتوجيه الشراع نحو شمس النجاح. هنيئاً لضرغام هذا التميز، وتحية اعتزاز وتقدير لهذه الإرادة الحرة التي لا تعرف المستحيل.

شارك